عادت السندات الحكومية طويلة الأجل لتصبح حديث الأسواق العالمية، بعدما ارتفعت عوائدها في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان إلى مستويات لم تُسجل منذ سنوات.
ويطلب المستثمرون عائداً أكبر مقابل إقراض الحكومات لثلاثين عاماً، في وقت تتزايد فيه المخاوف من التضخم، واتساع الديون العامة، وكثرة الإصدارات الجديدة.
الأمر لا يقتصر على سوق بعينها؛ فالولايات المتحدة تواجه عجزاً مالياً كبيراً وحاجة متواصلة إلى إصدار سندات جديدة، بينما تتابع الأسواق في أوروبا مفاوضات الموازنات والانتخابات المقبلة، وفي اليابان بدأ المستثمرون يتعاملون مع مرحلة مختلفة بعد سنوات طويلة من أسعار الفائدة المنخفضة وشراء البنك المركزي للسندات.
المستثمرون يطلبون عائداً أعلى على السندات
بعد موجة التضخم الأخيرة، أصبح المستثمرون أكثر حذراً في تسعير السندات طويلة الأجل؛ فصدمات الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد لا تزال حاضرة في حسابات الأسواق، كما أن الإنفاق الحكومي الواسع يعني طرح مزيد من الديون أمام المستثمرين.
ولهذا اتجهت حكومات عدة إلى زيادة الاعتماد على السندات الأقصر أجلاً، لتخفيف كلفة الاقتراض حالياً، غير أن هذا الخيار يرفع حجم الديون التي يجب إعادة تمويلها خلال سنوات قليلة، ويجعل الموازنات أكثر تأثراً بأي ارتفاع جديد في أسعار الفائدة.
ويرى استراتيجي الاقتصاد الكلي سكايلر مونتغمري كونينغ أن العوائد المرتفعة قد تستمر لسنوات، في ظل استمرار الاقتراض الحكومي الكثيف رغم بقاء الفائدة عند مستويات مرتفعة.
اقرأ أيضًا: تحذير جيمي ديمون.. الأسهم والسندات الأمريكية في منطقة الخطر
العائد الأمريكي عند أعلى مستوى منذ 2007
بلغ عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عاماً 5.32%، بعد ارتفاعه بنحو 40 نقطة أساس منذ نهاية يونيو، ليسجل أعلى مستوى منذ منتصف 2007. ولا يظل أثر هذه الحركة داخل سوق السندات، إذ تنتقل كلفة التمويل الأعلى إلى قروض الشركات والأسر وفوائد الرهن العقاري.

وتأتي هذه التطورات قبل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في نوفمبر، وهو ما يزيد اهتمام السوق بمسار الإنفاق الحكومي والعجز. وفي هذا السياق، قال كريس إيغو، كبير مسؤولي الاستثمار في "أكسا آي إم كور"، إن المستثمرين سيراقبون السياسة المالية عن قرب مع اقتراب موسم إعداد الموازنات والانتخابات، خاصة مع ارتفاع فوائد الرهن العقاري.
وبحسب بيانات جمعتها "بلومبرغ"، اقترب متوسط عائد محفظة مرجعية من السندات الحكومية ذات الدرجة الاستثمارية من 4.5%، وهو أعلى مستوى منذ بدء السلسلة في 2015. كما دعمت أسعار الطاقة المرتفعة، على خلفية الصراع في الشرق الأوسط، توقعات استمرار السياسة النقدية المشددة في الولايات المتحدة ودول أخرى.
وبلغت مدفوعات الفائدة على الدين العام الأمريكي 1.17 تريليون دولار خلال السنة المالية حتى الآن، بزيادة 15% عن الفترة نفسها من العام الماضي.
ويقترب الدين الأمريكي من 40 تريليون دولار، إلا أن محللي "يارديني ريسيرش" لا يرون سبباً للذعر الفوري من سوق الخزانة، مع توقعهم بقاء العوائد مرتفعة ما دام العجز والإصدارات الجديدة عند هذه المستويات.
شركات التكنولوجيا تزاحم الحكومات على التمويل
لا تأتي السندات الجديدة من الحكومات وحدها؛ فشركات التكنولوجيا الكبرى تقترض لتمويل الإنفاق المتزايد على مراكز البيانات والرقائق والبنية التحتية المرتبطة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وتضيف هذه الشركات كميات كبيرة من السندات طويلة الأجل إلى سوق يحتاج فيه المستثمرون بالفعل إلى استيعاب إصدارات حكومية ضخمة.
وقد طرحت "ألفابت" أول إصدار لها مقوماً بالدولار الأسترالي بقيمة 5 مليارات دولار أسترالي، تعادل نحو 3.6 مليارات دولار أمريكي.
اقرأ أيضًا: لماذا تتجه الشركات الغربية لنماذج الذكاء الاصطناعي الصينية؟
تراجع الطلب التقليدي على السندات
وفي الوقت نفسه، لم تعد صناديق التقاعد تعتمد على السندات الطويلة بالقدر نفسه الذي كانت تعتمدها سابقاً لمواءمة أصولها مع التزاماتها، فتغيّر أنظمة التقاعد وتوجه بعض الصناديق إلى الأسهم خفّفا الطلب المستقر على هذه السندات.
وأشارت محاضر اجتماع الاحتياطي الفيدرالي في يونيو إلى تراجع حصة الجهات الرسمية في حيازة سندات الخزانة لمصلحة المستثمرين من القطاع الخاص، الذين يركزون بدرجة أكبر على مستوى العائد.
وقدّر أنشول برادان، رئيس استراتيجية أسعار الفائدة الأمريكية في "باركليز"، أن هذا التحول أضاف نحو 90 نقطة أساس إلى علاوة الأجل على سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عاماً.
أوروبا واليابان تحت ضغط العوائد
وصل عائد السندات لأجل 30 عاماً في فرنسا إلى أعلى مستوى منذ 2008، مع تركيز المستثمرين على موازنة 2027 والانتخابات الرئاسية المقبلة، أما ألمانيا فتستعد لبيع سندات بالاستحقاق نفسه بكلفة هي الأعلى في نحو 15 عاماً، بعدما صعدت عوائدها إلى مستويات لم تظهر منذ 2011.
وتقترب عوائد السندات البريطانية لأجل 30 عاماً من 6%، مع تعرض السوق لضغوط إضافية في أواخر يوليو، عقب دعوة رئيس الوزراء آندي بيرنهام إلى هامش أوسع للتحرك المالي، إذ أثارت التصريحات مخاوف المستثمرين من زيادة الاقتراض.
وفي اليابان، تظل العوائد الاسمية أدنى من نظيراتها في الولايات المتحدة وأوروبا، لكنها ارتفعت أيضًا بصورة متواصلة واقتربت من مستويات قياسية. ويرتبط ذلك بارتفاع أسعار الطاقة واحتمال زيادة الإنفاق الحكومي، إلى جانب تقليص بنك اليابان مشترياته من السندات وبطء رفع الفائدة.
وقال كبير استراتيجيي أسعار الفائدة لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في "تي دي سيكيوريتيز"، براشانت نيواناها، إن تضخم الطاقة المستورد والضغوط على بنك اليابان لتشديد سياسته النقدية لا يشجعان المستثمرين على شراء السندات الحكومية اليابانية.
ولا يرى جميع مديري الأصول أن العوائد المرتفعة تعني بالضرورة الابتعاد عن السندات الطويلة؛ فمؤشرات توقعات التضخم على المدى البعيد بقيت مستقرة نسبياً في الأسواق الكبرى، فيما جاء معظم الارتفاع من صعود العائد الحقيقي.
وترى مديرة المحافظ لدى "جيه بي مورغان لإدارة الأصول" كيلسي بيرو، أن بعض الإصدارات الطويلة أصبحت توفر فرصاً للشراء، لا سيما السندات ذات العائد الحقيقي الأعلى.
اقرأ أيضًا: ألمانيا تتجه إلى ديون قياسية في موازنة 2027
