تقارير خاصة

    احتجاجات فرنسا تهدد الاقتصاد بخسائر تصل إلى 3 مليارات يورو

    بقلم نهلة فياض••آخر تحديث •6 دقائق
    احتجاجات فرنسا

    تتصدر احتجاجات فرنسا المشهد الأوروبي، في ظل تصاعد الاضطرابات الاجتماعية على خلفية ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع مستوى الخدمات العامة، بعدما شهدت المظاهرات أعمال عنف ونهب واشتباكات مع قوات الشرطة، وسط تزايد الضغوط الاقتصادية واتساع نطاق الغضب الشعبي.

    وقال الدكتور ياسر حسين، أستاذ الاقتصاد، إن الاحتجاجات التي تشهدها فرنسا تعكس تراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وفي مقدمتها ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية والإجراءات التقشفية المرتقبة، مشيرا إلى أن التكلفة الاقتصادية للاحتجاجات في فرنسا تراوحت تاريخيا بين مليارين و3 مليارات يورو، وفقًا لمدة التحركات واتساع نطاقها وتأثيرها في مختلف القطاعات.

    وأوضح حسين أن الاحتجاجات الحالية جاءت نتيجة تداخل عدة عوامل دفعت فئات اجتماعية مختلفة إلى النزول للشارع، من بينها المتقاعدون وطلاب المدارس الثانوية والمواطنون المتضررون من ارتفاع تكاليف المعيشة، لافتا إلى أن اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية في ربيع 2027 يضيف بُعدا سياسيا إلى الأزمة، مع تصاعد المطالب بمراجعة السياسات الحكومية وتحسين الأوضاع الاقتصادية.

    إجراءات تقشفية بقيمة 45 مليار يورو تضغط على المتقاعدين

    وأوضح حسين أن المتقاعدين يُعدون من أكثر الفئات تأثرًا بالتوجهات المالية للحكومة الفرنسية، خاصة مع مناقشة مشروع الموازنة العامة، الذي يتضمن إجراءات تقشفية تقدر بنحو 45 مليار يورو، وسط مخاوف من انعكاسها على أوضاع أصحاب المعاشات.

    وأشار إلى أن عدم اتخاذ الحكومة قرارا بربط المعاشات بمعدلات التضخم أدى إلى زيادة الضغوط المالية على المتقاعدين، مع استمرار ارتفاع أسعار السلع والخدمات وتراجع القوة الشرائية.

    وأضاف أن عدم مواكبة المعاشات للزيادات المتتالية في الأسعار يفاقم الأعباء المعيشية لهذه الفئة، ويزيد تأثرها بأي إجراءات مالية جديدة، معتبرًا أن هذه التطورات ساهمت في اتساع نطاق الاحتجاجات، مع شعور قطاعات من المجتمع بعدم كفاية السياسات الحالية لحماية دخولها من آثار التضخم.

    طلاب المدارس الثانوية ينضمون إلى احتجاجات فرنسا

    وأشار أستاذ الاقتصاد إلى أن طلاب المدارس الثانوية كانوا من أوائل الفئات المشاركة في موجة الاحتجاجات الحالية، احتجاجا على المشكلات التي تواجه المنظومة التعليمية وظروف الدراسة.

    وأوضح أن الطلاب واجهوا صعوبات خلال الصيف الماضي، نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وعدم تجهيز بعض المباني المدرسية بصورة مناسبة للتعامل مع هذه الظروف.

    وأضاف أن الاعتراضات الطلابية شملت نظام القبول الجامعي المعروف باسم "باركورساب"، الذي يواجه انتقادات من بعض طلاب المدارس الثانوية، في ظل اعتقاد عدد من المحتجين بأنه يسهم في تفاوت فرص الالتحاق بالجامعات بين المناطق الفقيرة والغنية.

    وأكد أن معالجة هذه المشكلات تتطلب مراجعة شاملة للهيكل العام للمنظومة التعليمية وآليات القبول الجامعي، مشيرًا إلى أن الإصلاحات المطلوبة لا يمكن تنفيذها من خلال إجراءات محدودة أو قرارات سريعة.

    ارتفاع أسعار الوقود يفاقم أزمة المعيشة

    ولفت حسين إلى أن ارتفاع أسعار المحروقات يمثل أحد الأسباب الرئيسية لتصاعد الغضب الشعبي، نظرًا لتأثيره المباشر في تكاليف النقل والإنفاق اليومي للأسر.

    وأوضح أن سعر لتر البنزين وبعض أنواع الوقود تجاوز، بحسب تقديره، 2.5 يورو، بعدما كان يقل عن يورو واحد قبل نحو عام، وهو ما يعكس حجم الضغوط السعرية التي يواجهها المستهلكون.

    وأضاف أن ارتفاع أسعار الوقود، بالتزامن مع استمرار التضخم وعدم تعديل المعاشات بما يتناسب مع زيادة الأسعار، أدى إلى تراجع القدرة الشرائية لقطاعات واسعة من المجتمع الفرنسي.

    وأكد أن تداخل هذه العوامل الاقتصادية والاجتماعية يفسر مشاركة فئات مختلفة في الاحتجاجات، رغم تباين مطالبها، إذ يجمعها التأثر بارتفاع تكاليف المعيشة والضغوط المالية المتزايدة.

    اقرأ أيضًا: الاحتجاجات الطلابية في فرنسا تتسع.. والحكومة أمام اختبار صعب

    الانتخابات الرئاسية في 2027 تزيد تعقيد الأزمة

    وأوضح حسين أن اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في ربيع 2027 يضيف أبعادًا سياسية إلى الاحتجاجات، خاصة مع تزايد الاعتراضات على السياسات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة.

    وأشار إلى أن الطلاب وغيرهم من الفئات المشاركة في التحركات الشعبية يسعون إلى التعبير عن رفضهم استمرار بعض التوجهات الحالية، وإيصال رسالة إلى السلطة السياسية بضرورة مراجعة السياسات المتبعة.

    وأضاف أن قطاعات من المحتجين تطالب بإتاحة الفرصة أمام الناخبين لاختيار قيادات قادرة على التعامل مع الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، معتبرا أن اقتراب الاستحقاق الرئاسي يزيد حساسية الأوضاع، خصوصا مع تزامن الاحتجاجات مع مناقشات الموازنة العامة والخلافات السياسية بشأن الإجراءات التقشفية.

    احتجاجات السترات الصفراء تكشف حدود استجابة الحكومة

    وأشار أستاذ الاقتصاد إلى أن الاحتجاجات الشعبية في التاريخ الفرنسي لم تكن وحدها العامل الحاسم في تغيير السياسات الحكومية، رغم نجاح بعضها في دفع السلطات إلى تقديم تنازلات أو تعديل قرارات اقتصادية.

    واستشهد باحتجاجات حركة "السترات الصفراء" عام 2018، التي دفعت الحكومة الفرنسية إلى طرح إجراءات مالية تراوحت قيمتها، بين 10 و15 مليار دولار، للاستجابة لجزء من مطالب المحتجين.

    وأوضح أن الحكومة تستطيع التعامل مع بعض المطالب الاجتماعية والاقتصادية، لكنها لا تمتلك بالضرورة الموارد المالية اللازمة للاستجابة لها جميعًا، خاصة في ظل الضغوط التي تواجه الموازنة العامة.

    وأكد أن معالجة المشكلات الهيكلية، ولا سيما المرتبطة بالتعليم والخدمات العامة، تحتاج إلى إصلاحات طويلة الأجل، ولا يمكن إنجازها خلال أيام أو أشهر قليلة.

    وأضاف أن تعقيد الأوضاع الاقتصادية يفرض البحث عن حلول متوازنة تراعي احتياجات المواطنين، دون تجاهل القيود المالية التي تواجه الدولة.

    الدين العام الفرنسي عند 118% يحد من قدرة الحكومة على الاستجابة

    وأكد حسين أن ارتفاع الدين العام يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه الحكومة الفرنسية في التعامل مع الاحتجاجات، مشيرا إلى أن الدين بلغ نحو 118% من الناتج المحلي الإجمالي.

    وأوضح أن ارتفاع مستويات المديونية يحد من قدرة الحكومة على زيادة الإنفاق العام أو تقديم تنازلات مالية واسعة، خاصة مع استمرار الضغوط الرامية إلى خفض عجز الموازنة.

    وأضاف أن اللجوء إلى الاقتراض الإضافي يمثل أحد البدائل المتاحة لتمويل المطالب الاجتماعية، لكنه ينطوي على أعباء مالية مرتفعة، في ظل تجاوز تكلفة الاستدامة مستوى 5%.

    وأشار إلى أن ارتفاع أسعار الفائدة وتكاليف خدمة الدين يقلصان هامش المناورة المالية أمام الحكومة، ويجعلان الاستجابة الفورية للمطالب أكثر صعوبة.

    وشدد على أن معالجة الأزمة تتطلب حوارًا يجمع مختلف فئات المجتمع الفرنسي، بهدف التوصل إلى تفاهمات بشأن الأولويات الاقتصادية والاجتماعية، مع مراعاة محدودية الموارد المالية والتزامات الدولة.

    انقسام البرلمان الفرنسي يعقد تمرير الموازنة

    وأوضح حسين أن توقيت الاحتجاجات يزيد الضغوط على الحكومة الفرنسية، لتزامنه مع اقتراب مناقشة مشروع الموازنة العامة داخل البرلمان.

    وأشار إلى أن الانقسامات السياسية بين القوى البرلمانية، بما فيها اليسار المتطرف واليمين المتطرف والتيارات اليمينية الأخرى، تجعل التوصل إلى توافق بشأن الإجراءات التقشفية أكثر صعوبة.

    وأضاف أن الحكومة قد تلجأ إلى الآليات الدستورية المتاحة لتمرير الموازنة، ومن بينها المادة 49.3 من الدستور الفرنسي، التي تتيح اعتماد بعض النصوص دون تصويت مباشر، وفقًا للضوابط الدستورية المنظمة.

    وحذر من أن استخدام هذه الآلية قد يؤدي إلى تصاعد الغضب الشعبي واتساع الاحتجاجات، خاصة إذا تمسكت الحكومة بإجراءات تقشفية تواجه اعتراضات اجتماعية واسعة.

    وأوضح أن الحكومة قد تتجه، في المقابل، إلى مراجعة بعض البنود التقشفية وتقديم تنازلات تسمح بتمرير الموازنة وتهدئة الأوضاع.

    وأكد أن تطورات الأزمة ستظل مرتبطة بالقرارات التي تتخذها الحكومة خلال الفترة المقبلة، ومدى قدرتها على تحقيق التوازن بين المطالب الاجتماعية وضرورات الانضباط المالي.

    خسائر احتجاجات فرنسا قد تصل إلى 3 مليارات يورو

    وحول التداعيات الاقتصادية المحتملة لاستمرار احتجاجات فرنسا ، أوضح حسين أن تقدير الخسائر يتطلب التمييز بين التكاليف المباشرة وغير المباشرة، وكذلك الآثار قصيرة وطويلة الأجل.

    وأشار إلى أن استمرار المظاهرات قد يؤثر في قطاعات اقتصادية متعددة، وفي مقدمتها التجارة والسياحة والخدمات والأنشطة المرتبطة بحركة المواطنين.

    وأضاف أن حجم الخسائر يعتمد على مدة الاحتجاجات واتساع نطاقها ومدى تأثيرها في النشاط الاقتصادي، ما يجعل تحديد تكلفة نهائية للأزمة الحالية أمرًا صعبًا قبل اتضاح مسارها.

    وأكد أن التجارب التاريخية للاحتجاجات في فرنسا تشير إلى تراوح تكلفتها الاقتصادية بين مليارين و3 مليارات يورو، مع اختلاف حجم الأضرار تبعًا لطبيعة كل موجة احتجاجية والقطاعات المتأثرة بها.

    وأوضح أن استمرار التحركات لفترة أطول قد يؤدي إلى زيادة الخسائر، خاصة إذا امتدت الاضطرابات إلى الأنشطة التجارية والسياحية والخدمية، وأثرت في انتظام حركة الاقتصاد.

    وشدد على أن تداعيات الأزمة لا تقتصر على الخسائر المباشرة الناتجة عن الاحتجاجات، وإنما تمتد إلى التحديات المرتبطة بالدين العام وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية والخلافات بشأن السياسات المالية.

    اقرأ أيضًا: احتياجات أوروبا تكشف كلفة الغلاء والسكن والفائدة