اقتصادات عالمية

    احتجاجات أوروبا تكشف كلفة الغلاء والسكن والفائدة

    بقلم باسل محمود••آخر تحديث •6 دقائق
    احتجاجات أوروبا

    امتدت احتجاجات أوروبا خلال الأيام الأخيرة من شوارع باريس إلى لشبونة وبروكسل وميلانو وتيرانا، تحت عناوين مختلفة تجمعها ضغوط مشتركة تشمل الغلاء والسكن والخدمات العامة وضعف القدرة الشرائية، وفي بعض المدن بقيت التحركات سلمية، بينما تحولت تجمعات أخرى إلى صدامات مع الشرطة وأعمال تخريب ونهب.

    احتجاجات أوروبا تتجاوز باريس

    في فرنسا، قدّرت وزارة الداخلية مشاركة نحو 550 ألف شخص في التظاهرات، مقابل 800 ألف وفق اتحاد الكونفدرالية العامة للشغل، وانطلقت الحركة من احتجاجات طلابية على نقص المعلمين والمرافق، قبل أن تتسع إلى مطالب مرتبطة بالإنفاق العام ومستويات المعيشة والتفاوت الاجتماعي، كما شهدت مدن عدة حرائق وعمليات نهب على هامش المسيرات، بينما تجاوز عدد الموقوفين 1800 شخص وفق حصيلة لاحقة نشرتها أسوشيتد برس.

    وفي تصريحات خاصة لـ"إكونومي بيديا"، قالت الدكتورة ليال منصور، المحاضرة في الاقتصاد النقدي والأستاذ الزائر بجامعة جورج واشنطن، إن الاحتجاجات لا تُقرأ من منظور اقتصادي منفصل عن السياسة والمجتمع، حيث ترى أن ارتفاع كلفة المعيشة وتراجع القوة الشرائية وفّرا الأرضية الأساسية للحراك، حتى مع وجود تفسيرات سياسية أو حديث عن تدخلات خارجية.

    وأضافت أن صعود أسعار النفط ينعكس على البنزين والطاقة والسلع والخدمات، خاصة في الاقتصادات التي تفرض ضرائب مرتفعة على الوقود.

    وبحسب منصور، لا يختفي العبء اليومي عن الأسر بمجرد خفض جزء من الضرائب، لأن أثر الطاقة ينتقل إلى النقل والغذاء والسكن وسائر الخدمات.

    وفي البرتغال، خرج عشرات الآلاف في لشبونة احتجاجاً على أزمة السكن وارتفاع كلفة المعيشة، وبلغ التضخم 3.6% في سبتمبر، فيما ارتفعت أسعار الوقود 15% على أساس سنوي، وتجاوزت أسعار المساكن مثليها منذ 2017، بينما قاربت إيجارات العقود الجديدة الضعف، وفق رويترز.

    وقال الدكتور عمر خليف غرايبة، أستاذ الاقتصاد الدولي وإدارة المخاطر المالية، في تصريحات خاصة لـ"إكونومي بيديا"، إن الحوار المصحوب بإصلاحات ملموسة يملك - في تقديره - فرصة بين 60 و70% لاحتواء الاحتجاجات، وربط ذلك بدعم الفئات الأكثر تضرراً، وزيادة المعروض السكني، وتحسين التعليم والخدمات العامة.

    وقدّر غرايبة أن هذا المسار يمكن أن يستعيد بين 30 و40% من الثقة المفقودة خلال الأشهر الأولى، بشرط التحرك خلال أسبوعين إلى أربعة أسابيع من ذروة الاحتجاجات، مضيفاً أن الإجراءات الرمزية غير الممولة قد تدفع الغضب إلى الارتفاع بنسبة تصل إلى 25% بدلاً من تهدئته.

    احتجاجات أوروبا

    من مطالب التعليم إلى سؤال الإنفاق العام

    بدأت احتجاجات فرنسا من مطالب مدرسية مباشرة، وتحدث الطلاب عن نقص المعلمين وضعف التدفئة والتكييف والمقاعد والتجهيزات في بعض المدارس، ثم انضمت نقابات ومجموعات أخرى إلى الحراك، فتحولت المطالب إلى نقاش أوسع حول توزيع الموارد العامة والخدمات التي تحصل عليها الأسر مقابل ما تدفعه من ضرائب.

    وقالت منصور إن أزمة المدارس ترتبط - في قراءتها - بعجز الموازنة وطريقة إدارة الإنفاق، مضيفة أن ما أُثير عن بقاء طلاب ثانويين من دون معلمين لبعض المواد لنحو ستة أشهر يعكس تحولاً في المشكلة من نقص محلي داخل المدارس إلى غضب أوسع من مستوى الخدمات العامة.

    وترى منصور أن سنوات من تقليص بعض المساعدات الاجتماعية، وتشديد شروطها، وزيادة الرسوم، راكمت حالة من الاستياء في فرنسا ودول أوروبية أخرى.

    وقالت إن دافعي الضرائب في أوروبا والولايات المتحدة، يسألون بصورة متزايدة عن أولويات الإنفاق، بما يشمل المساعدات الخارجية مقارنة باحتياجات المدارس والمستشفيات والنقل والخدمات داخل بلدانهم.

    وفي فرنسا، تحدثت السلطات مساء السبت عن إصابة أكثر من 150 من أفراد الشرطة خلال أعمال العنف، وشملت الوقائع حريقاً في مبنى بلدية ليموج، واقتحام مبنى بلدية مرسيليا، وحريق مكتب السياحة في ليون، إلى جانب هجمات على متاجر ومصارف في باريس، وفي الوقت نفسه، شارك مئات الآلاف في مسيرات سلمية لم تشهد أعمال عنف.

    وقال غرايبة إن التشدد الأمني في احتجاجات أوروبا من دون معالجة ملفات الأجور والسكن والقدرة الشرائية قد يحقق احتواءً مؤقتاً يقدره بين 40 و50%، لكنه يرفع احتمال تفاقم الأزمة لاحقاً إلى ما بين 50 و60%.

    ويرى أن السلطات قد تنجح في تفريق احتجاجات أوروبا خلال أسبوع إلى ثلاثة أسابيع، ثم تواجه عودة أقوى للغضب خلال ستة إلى 12 شهراً إذا بقيت أسبابه الاقتصادية قائمة.

    واستند غرايبة إلى تقديره بأن 70% من حالات القمع الأمني غير المصحوب بإصلاحات تقود إلى تصاعد الاحتجاجات لاحقاً، مشيرا إلى تجربة السترات الصفراء في فرنسا بين عامي 2018 و2019، حيث يرى أن التشدد الأولي ساهم في توسيع المشاركة بأكثر من 40%.

    اقرأ أيضاً: موجات الحر تهدد اقتصاد أوروبا بخسارة 208 مليارات دولار

    السكن والديون يوسّعان دائرة الغضب

    في بروكسل، خرج مئات من الطلاب احتجاجاً على كلفة التعليم وإصلاحات يخشون أن تجعل التعليم العالي أقل إتاحة، وفي ميلانو، تحولت مسيرة ضد الحروب وغلاء المعيشة إلى صدامات أسفرت عن إصابة شرطيين واحتجاز نحو 50 متظاهراً، واستمرت في ألبانيا احتجاجات طلابية مرتبطة بالفساد ونقص الوظائف وتراجع مستوى التعليم.

    وقالت منصور إن الفارق بين الاحتجاج السلمي وأعمال الشغب أساسي، فالمطالبة بالأجور والخدمات العامة وخفض كلفة المعيشة تحمل دوافع اقتصادية واجتماعية مفهومة، بينما يخرج حرق المباني وتدمير الممتلكات في احتجاجات أوروبا من إطار المطالب إلى أعمال تضر بالمجتمع ولا تخدم المحتجين.

    وأضافت أن الأزمة الحالية انتقلت - في تقديرها - إلى الاقتصاد الحقيقي مع ارتفاع كلفة التمويل، وتربط منصور هذه الضغوط بتحركات السياسة النقدية، حيث تقول إن البنك المركزي الأوروبي رفع الفائدة مرتين، وإن أول خطوة أوروبية سبقت التحرك الأميركي، بحسب قراءتها، وترى أن رفع الفائدة يجعل الصدمة أكثر امتداداً من مجرد ارتفاع مؤقت في أسعار النفط أو الغذاء.

    وتضغط الفائدة المرتفعة على الأسر عبر التمويل الجديد والقروض ذات المعدل المتغير، كما ترفع كلفة التوسع والاستثمار أمام الشركات، وتتحمل الحكومات بدورها فاتورة أعلى لخدمة الدين، ما يفتح الباب أمام خفض الإنفاق أو البحث عن إيرادات ضريبية جديدة، وكانت فرنسا قد سعت سابقاً إلى توسيع دعم الوقود لمواجهة الأسعار، لكن ضغوط السكن والائتمان والخدمات تجعل معالجة الغلاء أكثر تعقيداً.

    ويرى غرايبة أن الاستجابة الجزئية والمتناقضة تمثل السيناريو الأكثر شيوعاً، مقدراً وجودها في 50 إلى 60% من الحالات، ويشمل ذلك الحوار مع النقابات والتشدد مع الشباب أو المحتجين غير المنظمين، أو الإعلان عن إجراءات محدودة لا تعالج جوهر المشكلة.

    وقال إن هذا المسار قد يخلق احتجاجاً مزمناً يمتد من ستة إلى 18 شهراً، ويخفض الثقة في المؤسسات بين 20 و30% إضافية، مضيفاً أن النقابات والأحزاب المعارضة ومنظمات المجتمع المدني والإعلام تشارك في تحديد مسار الأزمة، وأن التنظيم النقابي في فرنسا قادر - في رأيه - على تحويل مطالب الأجور إلى قضية وطنية خلال أسبوعين أو ثلاثة.

    اقرأ أيضاً: فرنسا الحلقة الأضعف في اقتصاد أوروبا بعد تخفيض التصنيف من فيتش

    ضغوط متراكمة على الأسر والحكومات

    ترى منصور أن فرنسا تواجه صعوبة أكبر في معالجة العجز المالي عبر الضرائب بسبب ارتفاع العبء الضريبي أساساً، وقالت إن بعض الأثرياء والمشاهير غادروا فرنسا خلال السنوات الماضية، وكان الضغط الضريبي أحد دوافع بعضهم.

    وبحسب تقييمها، يواجه المواطن الفرنسي في الوقت نفسه الوقود والطاقة والسلع والقروض والسكن، إلى جانب القلق من ارتفاع المديونية واحتمال خفض الخدمات أو فرض إجراءات تقشفية.

    وأضافت أن تحسن الظروف الاقتصادية لا ينعكس فوراً على أقساط القروض وتكلفة التمويل، حيث قدّرت أن خفض أسعار الفائدة يحتاج - حتى في حال تراجع الضغوط التضخمية - إلى تسعة أشهر على الأقل قبل ظهور اتجاه واضح في السياسة النقدية.

    وفي الولايات المتحدة، ترى منصور أن خطاب الرئيس دونالد ترامب دائما يخاطب المستهلك الأميركي بصورة مباشرة، بهدف احتواء غضب الأسعار ومنع تحوله إلى احتجاجات أوسع قد تؤثر في شعبية الإدارة والانتخابات، ولا تستبعد تحركات احتجاجية محدودة في الولايات المتحدة إذا استمرت الضغوط الاقتصادية.

    في المقابل قال غرايبة إن الوقت عامل حاسم في مسار الاحتجاجات، إذ قد تبدأ الحكومات بالتشدد ثم تنتقل إلى الحوار بعد أربعة إلى ستة أسابيع، أو تتحرك في الاتجاه المعاكس.

    ويرى أن الاحتجاج يتحول إلى أزمة سياسية أعمق عندما ينتقل السؤال من زيادة الأجور إلى القدرة على الحصول على مسكن وتعليم وفرصة لمستقبل مستقر.

    ويقدّر أن استجابة الحكومات تحدد بنسبة تتراوح بين 60 و70%، ما إذا كانت احتجاجات أوروبا ستبقى موجة ضغط مؤقتة، أو تتحول إلى أزمة ثقة أطول في الأداء الاقتصادي والاجتماعي للمؤسسات.