انطلقت اليوم الإثنين اجتماعات مجموعة العشرين، التي تستضيفها الولايات المتحدة، وسط تصاعد الخلافات التجارية والسياسية بين عدد من الاقتصادات الكبرى، بالتزامن مع مساعي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لحشد دعم دول المجموعة لسياساته الاقتصادية تجاه إيران.
ملفات على طاولة اجتماعات مجموعة العشرين
وقال الدكتور محمد عبد الشوربجي، الخبير الاقتصادي، إن اجتماعات مجموعة العشرين تشهد اختلافا واضحا في الأولويات بين الولايات المتحدة من جهة، والدول الأخرى وفي مقدمتها الدول الأوروبية من جهة أخرى، إلى جانب وجود تباينات بين بقية الأطراف المشاركة.
وأوضح عبد الشوربجي أن الولايات المتحدة تضع في مقدمة أولوياتها تشديد العقوبات المالية على إيران، إلى جانب تعزيز النمو ومعالجة الاختلالات التجارية العالمية، التي كانت من بين الأسباب التي دفعت واشنطن إلى فرض رسوم إضافية على الواردات.
وأضاف أن من بين الإجراءات التي بدأ تطبيقها في يوليو الماضي فرض رسوم تتراوح نسبتها بين 10% و12.5% على الاستيراد من الدول التي تعتمد العمل القسري أو التي لا تتضمن تشريعاتها إجراءات حازمة في هذا الشأن.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة تستند إلى ملف العمل القسري في تبرير هذه الإجراءات، في وقت يبدي فيه الأوروبيون قلقا من احتمال العودة إلى فرض رسوم إضافية بلغت نسبتها 15% قبل أن تلغيها المحكمة العليا الأمريكية في فبراير الماضي.
اقرأ أيضًا: اجتماعات مجموعة العشرين 2023.. اقتصاد ونقد وسياسة مالية
أوروبا بين ضغوط الطاقة والعجز التجاري
وأكد عبد الشوربجي أن الأوروبيين لا يضعون الضغط المالي على إيران في مقدمة أولوياتهم الاقتصادية، إذ يتركز اهتمامهم بصورة أكبر على مواجهة ارتفاع أسعار الطاقة ومعالجة تداعيات إغلاق مضيق هرمز.
وأضاف أن الدول الأوروبية تشعر كذلك بقلق كبير من اتساع العجز التجاري بين الاتحاد الأوروبي والصين، والذي يصل إلى نحو 360 مليار يورو، في ظل صادرات أوروبية إلى الصين لا تتجاوز نحو 200 مليار يورو، مقابل صادرات صينية إلى دول الاتحاد الأوروبي تبلغ نحو 560 مليار يورو.
وأوضح أن هذا العجز يمثل مصدر قلق كبير للدول الأوروبية، ويكشف أحد أوجه اختلاف الأولويات بينها وبين الولايات المتحدة.
وأشار عبد الشوربجي إلى أن ارتفاع أسعار النفط يمثل أحد التحديات الرئيسية أمام الاقتصادات الأوروبية، نظرًا إلى تأثيره المباشر على التضخم، وما قد يترتب عليه من زيادة احتمالات رفع أسعار الفائدة وانعكاسات سلبية على معدلات النمو.
وأوضح أن أسعار النفط عادت إلى الارتفاع بالتزامن مع صعود عائد سندات الخزانة الفرنسية لأجل 30 عامًا إلى أعلى مستوى منذ سبتمبر 2008، في وقت تواجه فيه فرنسا ضغوطًا داخلية مرتبطة بالموازنة العامة.
ولفت إلى أن ارتفاع أسعار الوقود انعكس بصورة مباشرة على المستهلك الأوروبي، إذ ارتفع سعر لتر البنزين من نحو 1.70 يورو قبل الحرب الأمريكية على إيران إلى نحو 2.24 يورو حاليًا، بزيادة 54 سنتًا للتر.
وفيما يتعلق بالموازنة الفرنسية، قال عبد الشوربجي إن هناك مخاوف من عدم نجاح الحكومة في دفع الأحزاب السياسية إلى التوافق حول مشروع قانون المالية العامة.
وأوضح أن هذا السيناريو قد يعيد ما حدث في العام الماضي، عندما كان من المفترض اعتماد قانون المالية العامة قبل ثلاثة أشهر من نهاية عام 2025، إلا أن الحكومة لم تتمكن من تمريره في الموعد المحدد.
وأضاف أن الحكومة الفرنسية لم تنجح في اعتماد قانون استثنائي للحفاظ على تمويل الإدارات الحكومية إلا قبل ثمانية أيام من نهاية العام الماضي، بعدما فشلت الأحزاب السياسية في التوصل إلى توافق بشأن مشروع قانون المالية العامة.
وأكد أن السيناريو نفسه قد يتكرر خلال العام الجاري، رغم دعوة رئيس الحكومة إلى التوافق على مشروع القانون المقرر عرضه على الحكومة ثم البرلمان في 30 سبتمبر المقبل.
وأشار إلى أن المشكلة الرئيسية تتمثل في غياب الأغلبية البرلمانية للحكومة، بما قد يدفعها إلى التوافق مع الأحزاب أو استرضاء بعض القوى السياسية للحصول على الأغلبية اللازمة لتمرير مشروع الموازنة.
وأوضح أن الحكومة فقدت الأغلبية منذ دعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى انتخابات نيابية مبكرة في يونيو 2024، والتي لم تسفر عن حصولها على أغلبية برلمانية، ما يرفع احتمالات تأخر إقرار مشروع قانون المالية العامة للعام المقبل.
قد يهمّك أيضًا: الحرب والجوع.. ملفات على مائدة قمة مجموعة العشرين
التجارة والذكاء الاصطناعي يوسعان فجوة الخلاف
من جانبها، قالت الدكتورة مروى خضر، الخبيرة الاقتصادية، إن ملف إيران يمثل إحدى نقاط الخلاف بين دول مجموعة العشرين، مشيرة إلى أن الاتحاد الأوروبي استبق الاجتماعات بإصدار بيان رسمي أكد فيه وقوفه إلى جانب الولايات المتحدة في مسار العقوبات الاقتصادية المشددة التي تقودها واشنطن بهدف عزل إيران اقتصاديًا عن مختلف الشبكات الاقتصادية.
وأوضحت أن عددًا من دول مجموعة العشرين لا يتبنى هذا التوجه، ما يعكس تباينًا في مواقف الدول المشاركة بشأن التعامل الاقتصادي مع إيران.
وأضافت خضر أن الاتحاد الأوروبي يبدو في موقع قريب من كندا فيما يتعلق بإدارة العلاقة التجارية مع الولايات المتحدة، موضحة أن كندا سعت على مدى نحو عامين إلى تخفيف حدة التوتر التجاري مع واشنطن، لكنها لم تنجح في تحقيق ذلك.
وأشارت إلى أن الاتحاد الأوروبي تمكن إلى حد ما من الوصول إلى هدنة مع الولايات المتحدة، إلا أن هذه الهدنة لا تحظى بإجماع كامل داخل الساحة الأوروبية.
ولفتت إلى ضرورة اتخاذ موقف أكثر صمودًا أو تشددًا، وعدم مسايرة الولايات المتحدة في بعض الرسوم التي فرضتها، خاصة على السيارات ومنتجات الألومنيوم والصلب.
وقالت خضر إن الخلافات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تمتد كذلك إلى الديون السيادية والذكاء الاصطناعي وشركات التكنولوجيا الكبرى مثل ميتا وجوجل وغيرها.
وأشارت إلى أن المفوضية الأوروبية تفرض من حين إلى آخر رسوما أو غرامات على بعض هذه الشركات، في الوقت الذي تحظى فيه بمساندة كبيرة من جانب الولايات المتحدة.
الاستثمار في قطاع الذكاء الاصطناعي
وأضافت أن الاستثمار في قطاع الذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية اللازمة له والحوافز، إلى جانب التشريعات المتعلقة بحماية المستخدمين والحد من سطوة الشركات الكبرى ومنع الاحتكار، تمثل جميعها نقاطا تفاوضية وخلافية بين الجانبين.
وأوضحت مروى خضر أن هناك في المقابل حالة من الارتياح لدى عدد من أطراف مجموعة العشرين، من بينها كندا والاتحاد الأوروبي وجنوب أفريقيا والبرازيل والصين والهند، في ظل تحركاتها خلال الفترة الأخيرة لتوسيع شبكات اتفاقات التبادل التجاري الحر.
الرسوم الجمركية ترسم شبكة علاقات الاتحاد الأوروبي
وقالت إن الاتحاد الأوروبي اتجه منذ حرب الرسوم التي فجرها الرئيس دونالد ترامب بعد وصوله إلى ولايته الثانية إلى بناء شبكة من اتفاقات التجارة الحرة مع دول أمريكا اللاتينية، إلى جانب اتفاقية استراتيجية مع الهند، وتحركات مماثلة مع أستراليا وجنوب أفريقيا واليابان.
وأشارت إلى أن الهدف من هذه التحركات هو تقليل الارتباط الوثيق بالسوق الأمريكية تدريجيا، دون أن يعني ذلك بالضرورة التخلص من التبعية بشكل كامل.
وأضافت خضر أن كندا تحركت في الاتجاه نفسه، مشيرة إلى أن مارك كارني تحدث عن تمكن بلاده خلال فترة وجيزة من نسج شبكة من اتفاقات التبادل التجاري الحر عبر العالم، وشملت هذه الاتفاقات، بحسب ما ذكره، دولة الإمارات العربية المتحدة إلى جانب أطراف دولية أخرى.
وقالت الخبيرة الاقتصادية إن الولايات المتحدة قد تجد نفسها في نوع من العزلة فيما يتعلق بالتجارة، إلى جانب الخلافات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والديون السيادية.
وأضافت أن الديون تراكمت بالنسبة للدول الأوروبية، في وقت توجد فيه تحذيرات من احتمال حدوث أزمة مالية قريبة بسبب الاستثمارات الضخمة التي استقطبها قطاع الذكاء الاصطناعي.
وأكدت خضر أن أهمية مجموعة العشرين تكمن في أنها لا تجمع فقط الدول الغربية الصناعية الغنية تقليديا، وإنما تضم عددا من الاقتصادات الناشئة المؤثرة.
وأشارت إلى أن دولا مثل السعودية وجنوب أفريقيا والبرازيل وكوريا الجنوبية تمتلك رؤيتها الخاصة تجاه الشؤون الاقتصادية والمالية العالمية، بما يعكس تعدد المواقف والأولويات داخل مجموعة العشرين تجاه الملفات التجارية والمالية والاقتصادية المطروحة.
موضوع هام: هل تهيمن مجموعة بريكس على الاقتصاد العالمي؟
