تبدأ فاطمة الزهراء المنصوري مهمتها كأول رئيسة حكومة في تاريخ المغرب أمام تحديين متزامنين، الأول بناء أغلبية برلمانية، والثاني متابعة استثمارات ضخمة للاستعداد لكأس العالم 2030، وسط مطالب بتحسين فرص العمل والخدمات والقدرة الشرائية.
وعيّن الملك محمد السادس المنصوري، الثلاثاء 29 سبتمبر، رئيسة لحكومة المغرب وكلّفها بتشكيل فريقها، بعد تصدّر حزب الأصالة والمعاصرة انتخابات 23 سبتمبر بحصوله على 97 مقعداً من أصل 395، وجاء التعيين بمقتضى الفصل 47 من الدستور، الذي ينظم اختيار رئيس الحكومة من الحزب المتصدر للانتخابات.
وينتظر الحكومة المقبلة الإشراف على المراحل الأخيرة من برنامج استعدادات للمونديال تقدر قيمته بنحو 20 مليار دولار، بحسب رويترز، قبل استضافة البطولة بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال.
97 مقعداً تفتح مفاوضات الائتلاف
منح تصدّر الانتخابات حزب الأصالة والمعاصرة قيادة مشاورات تشكيل الحكومة، لكنه لم يمنحه أغلبية منفردة، فمقاعده الـ97 تبقى بعيدة عن عتبة الأغلبية المطلقة البالغة 198 مقعداً في مجلس النواب.
وجاء التجمع الوطني للأحرار ثانياً بـ66 مقعداً، تلاه حزب الاستقلال بـ65 مقعداً، ثم العدالة والتنمية بـ54 مقعداً، وأكدت وزارة الداخلية تطابق النتائج النهائية مع النتائج المؤقتة المعلنة عقب الاقتراع.
وحسابياً، تملك أحزاب الائتلاف السابق، الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال، 228 مقعداً، ما يتيح لها تشكيل أغلبية إذا توصلت إلى اتفاق سياسي.
لكن العودة إلى التحالف نفسه تحتاج إلى تجاوز خلافات الحملة الانتخابية، حين تبادل الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار الاتهامات بشأن أداء الحكومة وارتفاع أسعار الغذاء.
وقد فتحت المنصوري باب التفاوض بقولها إنه لا توجد لديها "خطوط حمراء"، مضيفة: "لقد طوينا الصفحة"، في المقابل، أعلن عبد الإله بنكيران، زعيم العدالة والتنمية، بقاء حزبه في المعارضة.

استثمارات المغرب تمتد من الملاعب إلى النقل
يحمل مونديال 2030 موعداً محدداً لإنجاز المشروعات، ما يضع الحكومة المقبلة أمام مسؤولية متابعة التنفيذ والتمويل والتنسيق بين الجهات المشاركة.
ويقدّر صندوق النقد الدولي استثمارات البنية الأساسية للربط والسياحة خلال الفترة من 2024 إلى 2030 بنحو 190 مليار درهم، وتشمل السكك الحديدية والمطارات والطرق والملاعب، إضافة إلى البنية الحضرية والسياحية، مع توزيع التمويل بين الحكومة المركزية والشركات العامة والجماعات الترابية.
وتوضح هذه التركيبة أن المهمة تتجاوز إدارة مخصصات داخل موازنة واحدة، فنجاح البرنامج يعتمد على تقدم مشروعات مترابطة، وقدرة المؤسسات المنفذة على توفير التمويل والالتزام بالمواعيد.
اقتصادياً، يمكن لهذه الاستثمارات أن تدعم البناء والنقل والسياحة وتزيد الطلب على خدمات الشركات المحلية، ولكن استدامة عائدها تتوقف على استخدام المنشآت بعد البطولة، وكفاءة تشغيلها، وقدرتها على تحسين حركة الأشخاص والأعمال.
وبذلك، سيشمل تقييم البرنامج حجم ما يتركه من وظائف وخدمات ونشاط اقتصادي، إلى جانب جاهزية البنية التحتية لاستقبال المباريات والجماهير.
اقرأ أيضاً: كيف يحول المغرب 50 مليار طن فوسفات لقوة عالمية؟
المعيشة اختبار يسبق البطولة
تتولى المنصوري تشكيل الحكومة في ظل استياء لدى قطاعات من الشباب، برز خلال احتجاجات "جيل زد" العام الماضي ومحاولة العبور الجماعي نحو سبتة في يوليو.
وقد ربطت تغطية الانتخابات هذا الاستياء بالبطالة والمطالب بتحسين المدارس والمستشفيات والسكن، رغم النشاط الذي تشهده قطاعات من الاقتصاد المغربي.
وهنا تواجه الحكومة تحدياً في توقيت النتائج، فمشروعات البنية التحتية الكبيرة تحتاج سنوات حتى تظهر كامل منافعها، بينما ترتبط مطالب الأسر بتكاليف الغذاء والسكن وفرص العمل المتاحة الآن.
لذلك، ستكتسب سياسات التشغيل والخدمات العامة أهمية موازية لمتابعة مشروعات المونديال، كما ستتوقف قدرة الحكومة على الاستجابة لهذه المطالب على البرنامج الذي تتفق عليه أحزاب الائتلاف، وأولوياتها عند إعداد الموازنات المقبلة.
اقرأ أيضاً: 190 مليار درهم حتى 2030.. كيف يغيّر المونديال اقتصاد المغرب؟
خبرة محلية ومسؤولية أوسع
تنتقل المنصوري إلى رئاسة الحكومة بخبرة تجمع بين العمل القانوني وإدارة مدينة مراكش وتولي حقيبة الإسكان في الحكومة السابقة، وتضعها هذه الخلفية أمام ملفات مألوفة، مثل التنمية الحضرية والسكن، لكن على نطاق وطني أوسع.
ويأتي تكليفها في نظام يحتفظ فيه الملك بصلاحيات واسعة، خاصة في السياسة الخارجية والدفاع، بينما تبدأ مهمتها التنفيذية بتشكيل ائتلاف وعرض قائمة الوزراء على الملك.
كما تنطلق الحكومة المقبلة بعد تراجع المشاركة الانتخابية إلى نحو 38%، مقابل قرابة 51% في انتخابات 2021، ما يضيف إلى تحدياتها بناء الثقة في قدرة المؤسسات المنتخبة على تحسين الحياة اليومية.
وستتحدد ملامح تجربة المنصوري بالخيارات التي يحملها برنامجها الحكومي من خلال تمويل المشروعات، وتوجيه الموارد، ومدى وصول فرص العمل والخدمات إلى المواطنين قبل حلول موعد المونديال.
