تزايدت مخاوف الأسواق العالمية من تأجيل دورة خفض أسعار الفائدة، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الشحن والتأمين، بما يعيد الضغوط التضخمية إلى الواجهة.
وقال الدكتور أحمد شوقي، الخبير الاقتصادي، إن ارتفاع المخاطر التضخمية الناتجة عن التوترات الجيوسياسية قد يعيد رسم مسار أسعار الفائدة على المستوى العالمي، ويدفع البنوك المركزية إلى تأجيل دورة التيسير النقدي التي كانت الأسواق تراهن على انطلاقها خلال الفترة المقبلة.
وأوضح شوقي أن الأسواق العالمية لم تعد تتابع التوترات الجيوسياسية من منظور سياسي أو عسكري فقط، بل أصبحت تنظر إليها باعتبارها أحد أبرز المحركات المحتملة للتضخم خلال المرحلة المقبلة، نظرًا إلى تأثيرها المباشر في إمدادات الطاقة وحركة التجارة وتكاليف النقل والشحن والتأمين.
وأضاف أن زيادة حدة التوترات ترفع احتمالات اضطراب تدفقات النفط والطاقة، كما تؤدي إلى زيادة تكلفة تأمين السفن ونقل البضائع، وهو ما ينتقل تدريجيًا إلى أسعار السلع والخدمات في مختلف الأسواق.
وأشار إلى أن هذه التطورات تضع الاقتصاد العالمي أمام موجة جديدة محتملة من الضغوط السعرية، في وقت كانت فيه الأسواق تتوقع تراجع معدلات التضخم بما يسمح للبنوك المركزية بخفض أسعار الفائدة ودعم النمو الاقتصادي.
وقال شوقي إن تداول خام برنت بالقرب من مستوى 88 دولارًا للبرميل يمثل أحد أهم المؤشرات التي يجب مراقبتها خلال الفترة الحالية، خاصة أن الأسعار تتلقى دعمًا من ارتفاع علاوة المخاطر الجيوسياسية التي تضاف إلى أسعار النفط عندما تتزايد المخاوف بشأن أمن الإمدادات أو تعرض مناطق الإنتاج والممرات البحرية للاضطراب، حتى في حال عدم حدوث نقص فعلي وفوري في المعروض.
وأشار إلى أن استمرار خام برنت عند مستويات مرتفعة قد يفرض ضغوطًا إضافية على اقتصادات الدول المستوردة للطاقة، ويرفع قيمة فواتير الاستيراد وتكاليف التشغيل والإنتاج.
كيف ترفع تكاليف الشحن والتأمين أسعار السلع؟
وأكد الخبير أن استمرار المخاوف المتعلقة بأمن الملاحة وسلاسل الإمداد يرفع تكاليف النقل والتأمين، ويزيد الأعباء على الشركات المستوردة والمصدرة.
وأوضح أن شركات الشحن قد تضطر إلى دفع أقساط تأمين أكبر عند المرور عبر المناطق التي تشهد توترات أو مخاطر أمنية، كما قد تلجأ إلى استخدام طرق بديلة أطول وأكثر تكلفة إذا تعرضت بعض الممرات البحرية للتهديد، وهذا ينعكس في النهاية على أسعار المواد الخام والسلع النهائية، وتزيد تكلفة التجارة الدولية.
وأشار إلى أن هذه الأعباء لا تتحملها الشركات وحدها، بل تنتقل تدريجيًا إلى المستهلك من خلال ارتفاع أسعار السلع والخدمات، خاصة إذا استمرت التوترات لفترة طويلة.
اقرأ أيضًا: أكبر خسارة أسبوعية للذهب بضغط من الدولار والسندات
ارتفاع الطاقة ينتقل إلى أسعار الغذاء والسلع
وقال شوقي إن ارتفاع أسعار الطاقة ينعكس مباشرة على تكاليف الإنتاج في مختلف القطاعات، لأن النفط والغاز يدخلان في تشغيل المصانع ووسائل النقل وسلاسل الإمداد.
وأوضح أن الزيادة تبدأ عادة من ارتفاع تكلفة الوقود والكهرباء والنقل، ثم تنتقل إلى تكاليف إنتاج السلع وتعبئتها وتخزينها وشحنها وتوزيعها.
وأضاف أن أسعار الغذاء تعد من أكثر القطاعات تأثرًا بارتفاع الطاقة، نتيجة ارتباطها بتكاليف الزراعة والأسمدة والنقل والتبريد والتخزين والتوزيع.
كما تمتد التأثيرات إلى السلع الاستهلاكية والصناعية والمنتجات التي تعتمد على البتروكيماويات أو النقل لمسافات طويلة، ما يجعل ارتفاع النفط أحد المحركات الرئيسة للتضخم العالمي.
وأشار إلى أن المستهلك قد لا يتعامل بصورة مباشرة مع أسعار النفط، لكنه يتحمل جزءًا من الزيادة من خلال ارتفاع تكلفة السلع والخدمات التي يشتريها يوميًا.
النفط والتضخم تاريخيًا
وأكد شوقي أن التجارب السابقة أظهرت أن استمرار ارتفاع أسعار النفط يؤدي عادة إلى زيادة الضغوط التضخمية، خاصة إذا استمر الصعود لفترة طويلة ولم يكن مجرد ارتفاع مؤقت.
وأوضح أن البنوك المركزية تراقب أسعار الطاقة باعتبارها أحد المكونات الرئيسة المؤثرة في التضخم، إلى جانب أسعار الغذاء والأجور والإنفاق الاستهلاكي وتكاليف الإنتاج.
وأضاف أن ارتفاع النفط قد يدفع التضخم إلى التباطؤ بوتيرة أقل من المتوقع، أو يعيده إلى الارتفاع بعد فترة من التراجع، ما يدفع السلطات النقدية إلى تبني سياسات أكثر حذرًا.
وأشار إلى أن البنوك المركزية لا تستطيع تجاهل تأثير صدمات الطاقة، حتى إذا كانت الضغوط ناتجة عن عوامل خارجية وجيوسياسية لا ترتبط بقوة الطلب المحلي.
اقرأ أيضًا: بيانات التضخم الأمريكية تطمئن الأسواق.. والنفط يهدد الذهب
التضخم المستورد يمنع تيسير الفائدة
قال شوقي إن استمرار التوترات الجيوسياسية لفترة ممتدة قد يضع البنوك المركزية أمام معادلة شديدة التعقيد، تجمع بين الحاجة إلى احتواء التضخم والرغبة في دعم النمو الاقتصادي. وأوضح أنه في الظروف الطبيعية يمكن للبنوك المركزية خفض أسعار الفائدة عندما تتراجع معدلات التضخم ويضعف النشاط الاقتصادي، لكن ارتفاع أسعار الطاقة قد يمنعها من التحرك سريعًا.
وأضاف أنه بدلا من الإسراع في خفض الفائدة لدعم الشركات والاستثمار والاستهلاك، قد تضطر البنوك المركزية إلى تأجيل دورة التيسير النقدي حتى تتأكد من احتواء الضغوط التضخمية وعدم عودتها إلى الارتفاع، وهذا يعني بقاء السياسة النقدية مشددة لفترة أطول، وهو ما قد يترك آثارًا واسعة على تكاليف الاقتراض والنمو والأسواق المالية.
تبعات تأجيل التيسير على الديون والنمو
وتوقع شوقي أن يؤدي استمرار الضغوط التضخمية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول مما كانت تتوقعه الأسواق.
وأوضح أن تأجيل خفض الفائدة يعني استمرار ارتفاع تكلفة الاقتراض على الحكومات والشركات والأفراد، ويزيد الأعباء المرتبطة بخدمة الديون وتمويل المشروعات.
وأضاف أن ارتفاع تكلفة التمويل قد يدفع الشركات إلى تأجيل خطط التوسع والاستثمار، كما يرفع تكلفة القروض العقارية والاستهلاكية وتمويل السيارات والمشروعات الصغيرة والمتوسطة.
وأشار إلى أن الحكومات قد تتأثر أيضًا بارتفاع تكلفة الاقتراض وإعادة تمويل الديون، خاصة في الدول التي تعاني أصلًا مستويات مرتفعة من الدين العام أو عجز الموازنات.
الضغط المزدوج لتكاليف التمويل وارتفاع الطاقة
وقال شوقي إن استمرار أسعار الفائدة المرتفعة قد يؤدي إلى تباطؤ وتيرة الاستثمار والنشاط الاقتصادي العالمي، نتيجة ارتفاع تكلفة التمويل وضعف قدرة الشركات على الحصول على السيولة اللازمة للتوسع.
وأوضح أن الشركات تكون أكثر حذرًا في اتخاذ القرارات الاستثمارية عندما ترتفع تكلفة الاقتراض وتزداد حالة عدم اليقين بشأن أسعار الطاقة والتضخم والطلب المستقبلي.
وأضاف أن الأفراد قد يخفضون إنفاقهم الاستهلاكي نتيجة ارتفاع تكلفة الائتمان وتراجع القوة الشرائية، وهو ما ينعكس بدوره على مبيعات الشركات ومعدلات النمو.
وأشار إلى أن اجتماع ارتفاع الفائدة مع زيادة تكاليف الطاقة يمثل ضغطًا مزدوجًا على الاقتصاد، إذ ترتفع تكاليف الإنتاج والتمويل في الوقت نفسه.
اقرأ أيضًا: أسعار النفط بين علاوة مخاطر هرمز وضغوط الطلب
عدم اليقين يسيطر على الأسواق المالية
وأكد الخبير المالي والاقتصادي أن التوترات الجيوسياسية وارتفاع مخاطر التضخم يؤديان إلى زيادة حالة عدم اليقين داخل الأسواق المالية.
وأوضح أن المستثمرين يعيدون تقييم توقعاتهم بشأن أسعار الفائدة والعملات والسندات والأسهم والسلع كلما ظهرت مؤشرات جديدة على ارتفاع أسعار الطاقة أو تأجيل التيسير النقدي.
وأضاف أن الأسواق قد تشهد تحركات قوية ومتقلبة نتيجة تغير التوقعات، خاصة إذا جاءت بيانات التضخم أعلى من المتوقع أو صدرت تصريحات متشددة من مسؤولي البنوك المركزية.
وأشار إلى أن ارتفاع الفائدة لفترة أطول قد يضغط على تقييمات الأسهم، ويرفع عوائد السندات، ويزيد جاذبية بعض الأصول الآمنة، في حين تظل أسعار النفط والطاقة شديدة الحساسية للتطورات السياسية والعسكرية.
الخطر الحقيقي يتجاوز ارتفاع النفط
وأكد شوقي أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في ارتفاع أسعار النفط، وإنما في احتمال عودة التضخم العالمي إلى الواجهة مرة أخرى، باعتبار أنّ ارتفاع الخام يتحول إلى مشكلة أوسع عندما ينتقل من أسواق الطاقة إلى أسعار النقل والغذاء والسلع والخدمات، ثم يؤثر في توقعات التضخم وقرارات السياسة النقدية.
وأضاف أن الأسواق كانت تراهن خلال الفترة المقبلة على بدء دورة تيسير نقدي وخفض أسعار الفائدة، لكن استمرار التوترات قد يؤدي إلى تأجيل هذه التوقعات وإعادة تسعير الأصول المالية.
وأشار إلى أن تأجيل خفض الفائدة قد تكون له تداعيات كبيرة على النمو والاستثمار والتمويل والديون، خاصة في الاقتصادات الناشئة التي تتأثر بصورة أكبر بارتفاع تكلفة الاقتراض وتحركات رؤوس الأموال.
واختتم الدكتور أحمد شوقي تصريحاته بالتأكيد على أن الأسواق لا تراقب حاليًا مسار الصراع الجيوسياسي فقط، وإنما تراقب بصورة أكثر دقة ما إذا كانت هذه التوترات ستعيد التضخم إلى الواجهة، وتدفع البنوك المركزية إلى تأجيل خفض أسعار الفائدة مرة أخرى.
وشدد على أن اتجاه أسعار الطاقة، وأمن الملاحة، وتكاليف الشحن والتأمين، وبيانات التضخم المقبلة ستظل من أهم المؤشرات التي تحدد مسار السياسة النقدية العالمية خلال المرحلة المقبلة.
