تُعد قضية اللاجئين والمقيمين الأجانب في مصر واحدة من أكثر الملفات الحيوية التي تشغل الدوائر الحكومية والتحليلات الاقتصادية؛ خاصة في ظل المتغيرات الهيكلية الأخيرة وضغوط التضخم.
وتشير التقديرات الرسمية إلى أن مصر تستضيف لاجئين ومهاجرين من حوالي 133 دولة، وصل تعدادهم إلى نحو 9 ملايين شخص، ما يمثل 8.7% من إجمالي تعداد الشعب المصري، يتركز تواجدهم بصفة رئيسة في 5 محافظات أساسية.
ورغم أن 37% من هؤلاء الضيوف يندمجون في وظائف ثابتة وشركات قائمة، إلا أن هذا الوجود الكثيف تداخل مع ملفات التضخم، وزيادة فاتورة الاستيراد، والضغط على النقد الأجنبي في السوق الموازية قبل قرارات تحرير سعر الصرف الأخيرة.
البُعد الإنساني والالتزام الدولي للدولة المصرية
تتعامل الدولة المصرية مع هذا الملف من منظور إنساني وتاريخي؛ حيث لا يتم عزل اللاجئين في مخيمات، بل يُعاملون كـ "ضيوف" يندمجون داخل النسيج المجتمعي.
وفي تصريحات خاصة، يؤكد الخبير الاقتصادي، خالد إسماعيل أنّ "مصر تتعامل مع قضية اللاجئين من منظور إنساني بحت، كونهم تركوا أوطانهم قسراً بسبب الحروب وغياب الأمان. وهم يتمتعون بكافة حقوق المواطن كالعلاج والتعليم والاستفادة من الدعم الموجه للمرافق الأساسية كالكهرباء والمياه والمحروقات، باستثناء الحقوق السياسية والانتخابية".
من جانبه، أوضح الدكتور محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، أن هذا الالتزام يعود إلى توقيع مصر على اتفاقية الأمم المتحدة للاجئين لعام 1951، مما جعلها تتحمل أعباءً نيابة عن العالم كله، مع توفير الحماية القانونية بالتعاون مع المفوضية السامية للأمم المتحدة والمنظمات الشريكة.
كم تكلفة استضافة اللاجئين؟
في إطار السعي لتقييم الأثر المالي، شكلت الحكومة المصرية لجنة وزارية لحصر الخدمات الوطنية المقدمة للاجئين في قطاعي الصحة والتعليم وتقدير الأعباء المترتبة عليها.
وفي مقارنة تحليلية، يوضح الدكتور عمرو محمد يوسف، أستاذ التشريعات الاقتصادية، حجم الفجوة بين ما تتحمله مصر وما تتحمله الدول الغربية بناءً على بيانات مقارنة (مع أخذ سنوات التضخم في الحسبان):
المتوسط العالمي لتكلفة اللاجئ (وفق مؤشرات السنوية) يقارب 24 ألف دولار سنويًا.
ألمانيا تتكلف قرابة 17.3 مليار دولار لاستضافة 900 ألف لاجئ (بواقع 19.2 ألف دولار للاجئ الواحد).
الولايات المتحدة تبلغ التكلفة 22.3 ألف دولار للاجئ سنويًا.
السويد ترتفع إلى 39.8 ألف دولار سنوياً.
وطالب الخبراء المؤسسات الدولية والمنظمات الأممية بالقيام بدورها المنوط بها وتقديم دعم مالي مباشر للحكومة المصرية يوازي حجم الاستيعاب الحالي، والذي ساهم بشكل مباشر في حماية الدول الأوروبية من موجات هجرة غير شرعية واسعة.
التأثيرات الهيكلية على الاقتصاد
يرى الخبراء أن التدفقات البشرية الأخيرة -خاصة بعد الأزمة السودانية حيث يقطن مصر حالياً قرابة 4 ملايين سوداني، و1.5 مليون سوري، ومليون ليبي- أحدثت ضغوطاً ملموسة على الأسواق المحلية في عدة مجالات.
وفي هذا السياق، أوضح الدكتور عبد الهادي أن فرض رسوم إقامة محددة بـ 1000 دولار دفع بعض المقيمين للبحث عن مصادر دولارية من السوق الموازية (قبل ضبط سوق الصرف)، مما أنعش المضاربات لفترة.
كما تسبب التزاحم على استئجار وشراء الوحدات السكنية في مناطق معينة -خاصة من الفئات السودانية الميسورة مالياً- في قفزات قياسية بأسعار العقارات والإيجارات، مما زاد العبء على المواطن محلي الدخل.
علاوة على ذلك، فإنّ استمرار الطلب المرتفع على السلع الغذائية والاستهلاكية المدعوم بوجود قوة شرائية وحصيلة نقدية لدى الضيوف، قد قلل من سرعة هبوط معدلات التضخم وأسعار المستهلكين.
لاجئون "مضيفون للقيمة" ومستهلكون
يتفق الخبراء على ضرورة التمييز بين أنماط مساهمة الجاليات في الناتج المحلي الإجمالي، ووفقاً لتقارير منظمة الهجرة الدولية بلغت استثمارات رجال الأعمال السوريين وحدهم في مصر حوالي مليار دولار.
ويشير الخبير المصرفي، أحمد شوقي، إلى أنّ "أغلب اللاجئين السوريين يمكن تصنيفهم ضمن الفئات المضيفة للقيمة الاقتصادية؛ نظراً لتأسيسهم مشروعات إنتاجية حقيقية تشمل مصانع، ومتاجر ملابس، ومطاعم، مما يساهم في تشغيل العمالة وتنشيط الناتج المحلي، مقارنة ببعض الجاليات الأخرى التي تتركز مساهماتها في قطاع الاستهلاك والمأكولات فقط أو الإقامة دون قيمة إنتاجية مضافة".
وفي المقابل، أكدت لوران دي بويك، رئيسة بعثة منظمة الهجرة الدولية بالقاهرة، أن المنظمة وإن كانت لا تقدم المساعدات لكافة المتواجدين، إلا أن نجاح العديد منهم في فتح مشروعات خاصة وتوفير فرص عمل للمصريين يُعد دليلاً على البيئة الإيجابية وحسن المعاملة وغياب التمييز في مجالات العمل والصحة والتعليم.
الموازنة القانونية بين تقنين الأوضاع والاستدامة
لتجنب العشوائية وبناء رؤية صائبة تعتمد على لغة الأرقام والاستثمارات المقابلة، وافق مجلس الوزراء المصري على مشروع قانون لتنظيم وشئون اللاجئين، يتضمن الخطوات التشريعية الآتية:
مهلة توفيق الأوضاع: إلزام اللاجئين وطالبي اللجوء بتوفيق أوضاعهم خلال سنة من تاريخ العمل باللائحة التنفيذية (مع جواز مدها لمهلة مماثلة بقرار من رئيس الوزراء).
اللجنة الدائمة لشئون اللاجئين: تأسيس لجنة ذات شخصية اعتبارية تتبع رئاسة مجلس الوزراء، تكون هي الجهة المهيمنة على قاعدة البيانات والإحصاءات الرسمية.
التنسيق الدولي والمحلي: تتولى اللجنة بالتنسيق مع وزارة الخارجية والمفوضية السامية للأمم المتحدة لضمان تقديم الرعاية، وتنظيم مساهمة الضيوف في الاقتصاد الوطني عبر تفعيل رسوم الإقامة وشروط تملك العقارات.
