الأسواق العالمية

    130 مليار دولار خسائر البورصة التركية.. هل تمتد الأزمة؟

    بقلم نهلة فياض••آخر تحديث •6 دقائق
    البورصة التركية

    تواجه البورصة التركية أزمة حادة، بعدما فقدت نحو 130 مليار دولار من قيمتها السوقية منذ بدء موجة البيع في سبتمبر، بالتزامن مع اتهامات بالتلاعب في أسعار الأسهم ضعيفة السيولة، طالت تداعياتها أكثر من 455 ألف مستثمر، ودفعت الجهات الرقابية إلى إصدار قرارات بتصفية 131 صندوقًا استثماريًا، وسط مخاوف من انتقال الاضطرابات إلى أسواق مالية أخرى.

    وتفاقمت الأزمة مع تزايد طلبات المستثمرين لاسترداد أموالهم وعجز بعض الصناديق عن تلبيتها، فيما أثارت قرارات التصفية مخاوف من تعرض أسعار الأسهم لمزيد من الانخفاض، نتيجة اضطرار الصناديق المتعثرة إلى بيع كميات كبيرة من الأوراق المالية.

    صفقات خاصة بقيمة 254 مليون دولار لاحتواء الأزمة

    ونفذ بنكان تركيان صفقات خاصة لبيع أسهم بقيمة 254 مليون دولار خارج التداول المعتاد في البورصة، لتجنب التأثير السلبي لطرح كميات كبيرة من الأسهم المملوكة لصناديق الاستثمار المتعثرة.

    وتضمنت الصفقات منع المشترين من إعادة بيع الأسهم لمدة ثلاثة أشهر، للحد من الضغوط البيعية المحتملة خلال هذه الفترة.

    وارتفعت البورصة التركية بنحو 4.6% عقب تنفيذ هذه الإجراءات، لكن عمليات البيع شملت الأسهم الكبرى، بينما لا تزال تصفية الأسهم المشتبه في تضخيم أسعارها تمثل التحدي الأصعب، بسبب ضعف سيولتها واحتمال تراجع قيمتها عند طرحها للبيع.

    هاني حافظ: أزمة البورصة التركية تهدد ثقة المستثمرين

    أكد الدكتور هاني حافظ، الخبير الاقتصادي، أن أزمة البورصة التركية أضعفت ثقة المستثمرين في قدرة الحكومة على حماية استثمارات المواطنين، محذرًا من احتمال انتقال تداعياتها إلى اقتصادات أخرى، خاصة الأسواق الناشئة.

    وأوضح حافظ أن المخاوف لم تعد مقتصرة على المتعاملين في السوق التركية، بل امتدت إلى المستثمرين في صناديق الاستثمار والأوعية الادخارية بدول أخرى، مع تزايد القلق بشأن احتمالات التلاعب وتعثر الصناديق في الوفاء بالتزاماتها.

    وأشار إلى أن تراجع الثقة قد يؤثر في البورصات العالمية وأسواق الذهب، نظرًا لانتشار صناديق الاستثمار التي تدير أموالًا في الأسهم والمعادن وأصول مالية متعددة.

    وحذر من احتمال تحول الأزمة إلى اضطراب إقليمي قد يتسع لاحقًا، بالنظر إلى انتشار التعاملات المرتبطة بسوق الأوراق المالية التركية، موضحًا أن حجم التداعيات يتوقف على طبيعة استثمارات الصناديق وحجم الأموال التي تديرها ومدى قدرة السلطات على احتواء الأزمة.

    وأضاف أن الولايات المتحدة وبريطانيا شهدتا في فترات سابقة ممارسات تلاعب في أسواق الأوراق المالية، ما يؤكد أن التشريعات والأنظمة الرقابية لا توفر حماية مطلقة من المخالفات.

    هل تتحول أزمة صناديق الاستثمار إلى اضطراب مالي أوسع؟

    أوضح حافظ أن انتقال المخاوف بين الأسواق قد يؤدي إلى اتساع نطاق الأزمة، خاصة أن المستثمرين يتفاعلون سريعًا مع الأخبار المتعلقة بتعثر المؤسسات المالية أو التلاعب بأموال المساهمين.

    وأشار إلى أن مستوى المخاطر يرتبط بحجم استثمارات الصناديق وطبيعة الأصول التي تحتفظ بها، فضلًا عن كفاءة إدارتها ومدى خضوعها للرقابة.

    وأكد أن احتواء الأزمة يتطلب منظومة رقابية قادرة على اكتشاف المخالفات مبكرًا، باستخدام أدوات فعالة لمتابعة التداولات وحركة الأموال داخل الصناديق الاستثمارية.

    ولفت إلى أن وجود أنظمة رقابية متطورة لا يمنع احتمال اختراقها أو التحايل عليها، مستشهدًا بحوادث قرصنة استهدفت منصات للعملات الإلكترونية، وتجاوزات ارتكبها مديرو صناديق استثمار في أسواق مختلفة.

    وشدد على أنه لا يوجد استثمار آمن بنسبة 100%، وأن فعالية الرقابة تقاس بقدرتها على كشف الممارسات غير القانونية والتدخل قبل تفاقم آثارها.

    كيف تؤدي المعلومات المضللة إلى تضخيم أسعار الأسهم؟

    أوضح حافظ أن تسريب المعلومات يمثل أحد أبرز وسائل التأثير في أسعار الأسهم، خصوصًا مع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي وسرعة تداول الأخبار المتعلقة بقرارات البيع والشراء.

    وأشار إلى أن بعض مديري صناديق الاستثمار قد يستغلون معلومات عن أسهم معينة لتوجيه قرارات المستثمرين، دون الحاجة إلى التلاعب المباشر في الحسابات أو البيانات المالية.

    وضرب مثالًا بإمكانية تسريب معلومات تفيد باتجاه صندوق استثماري إلى شراء سهم معين، أو وجود اكتتاب مرتقب أو زيادة في رأس مال الشركة المصدرة له، ما يدفع المستثمرين إلى الإقبال على شرائه، بينما يكون الصندوق نفسه بصدد بيع الأسهم التي يمتلكها.

    وأضاف أن هذه الممارسات تستغل سلوك القطيع في الأسواق المالية، إذ يتجه المستثمرون إلى الشراء أو البيع استنادًا إلى معلومات قد تكون مضللة، ما يسمح بالتأثير في أسعار الأسهم ضعيفة التداول ورفعها إلى مستويات لا تعكس قيمتها الحقيقية.

    وأوضح أن ارتفاع أسعار هذه الأسهم بصورة مصطنعة قد يؤدي إلى تضخيم تقييم الأصول التي تمتلكها صناديق الاستثمار، وبالتالي إظهار قيم استثمارية لا تعبر عن الوضع الفعلي للأصول.

    وأكد أن تعدد المنصات الرقمية وصعوبة تتبع مصادر المعلومات المسربة يزيدان تعقيد مهمة الجهات الرقابية، خاصة عندما تؤدي الأخبار المتداولة إلى تحركات سعرية سريعة.

    وشدد على ضرورة مراقبة عمليات التداول والتحقق من المعلومات المؤثرة في الأسعار، لمنع استغلال المستثمرين وحماية أموال المساهمين في الصناديق.

    هل يحصل 455 ألف مستثمر على تعويضات؟

    وفيما يتعلق بإمكانية تعويض المستثمرين المتضررين من أزمة صناديق الاستثمار التركية، أوضح حافظ أن بعض الأسواق المالية تمتلك صناديق مخصصة لحماية المستثمرين، تتولى صرف تعويضات في الحالات التي تستوفي الشروط القانونية.

    وأشار إلى أن الحصول على التعويض يتطلب دراسة طبيعة المخالفة والتحقق من مدى انطباق القواعد المنظمة على الواقعة، ولا يترتب تلقائيًا على تعرض المستثمر لخسائر مالية.

    وأضاف أن صناديق حماية المستثمرين تعتمد على موارد مخصصة لتمويل التعويضات، من بينها رسوم مرتبطة بالتعاملات المالية، موضحًا أن مسؤولية الصرف تقع على الصندوق المختص وفقًا للقواعد المنظمة لعمله، وليس بالضرورة على الحكومة مباشرة.

    وأكد ضرورة توضيح السلطات التركية آليات حماية حقوق المتضررين وإجراءات التعويض المتاحة، بعد استكمال التحقيقات وتحديد المسؤوليات القانونية وحجم الخسائر.

    تأثير أزمة البورصة على الليرة والاقتصاد التركي

    رجح حافظ أن يظل التأثير المباشر للأزمة على الاقتصاد التركي محدودًا، رغم التحديات التي يواجهها، موضحًا أن خسائر سوق الأوراق المالية لا تعني بالضرورة انتقال التداعيات بالحجم نفسه إلى النشاط الاقتصادي العام.

    وأشار إلى أن الأضرار تتركز بصورة أساسية في المتعاملين بالبورصة والمساهمين في صناديق الاستثمار المتعثرة، بينما يضم الاقتصاد التركي قطاعات إنتاجية واستثمارية وأوعية ادخارية أخرى خارج سوق الأسهم.

    وأوضح أن مدى تأثر الليرة التركية والاقتصاد خلال الفترة المقبلة يرتبط بتطور الأزمة وقدرة السلطات على احتوائها، إلى جانب استعادة ثقة المستثمرين في المؤسسات المالية.

    وشدد على أهمية إعلان نتائج التحقيقات وتوضيح الإجراءات القانونية المتاحة لحماية المستثمرين، بما يحد من استمرار المخاوف بشأن سلامة الاستثمارات.

    أزمة البورصة تفرض مراجعة الرقابة داخل المؤسسات التركية

    وحول التداعيات السياسية للأزمة، يرى حافظ أن اكتشاف ممارسات فساد أو تلاعب داخل إحدى المؤسسات لا يعني بالضرورة مسؤولية الحكومة بأكملها، مرجحا أن يكون تأثير القضية على صورة الحكومة التركية والرئيس رجب طيب أردوغان محدودًا.

    لكنه أكد أن التطورات الأخيرة تفرض مراجعة آليات اختيار المسؤولين، وتطوير أدوات الرقابة الداخلية، وتعزيز قواعد الحوكمة داخل المؤسسات المالية التركية.

    وأشار إلى أن الانتقادات المتعلقة ببعض التعاملات المالية وتدفقات الأموال الساخنة تزيد أهمية مراجعة الضوابط المنظمة لهذه الأنشطة، متوقعًا اتخاذ الحكومة إجراءات لمعالجة أوجه القصور وتحسين صورتها أمام المستثمرين المحليين والأجانب.

    وأضاف أن المعارضة التركية قد تستغل الأزمة لتوجيه انتقادات إلى الحكومة والتشكيك في قدرتها على إدارة الاقتصاد، خاصة في ظل الخلافات السياسية القائمة والمطالبات بإجراء تغييرات في بعض الحقائب الوزارية.

    ولم يستبعد أن تدفع نتائج التحقيقات الرئيس التركي إلى إعادة تقييم أداء بعض المسؤولين، أو إجراء تغييرات وزارية إذا كشفت القضية عن مخالفات تستدعي ذلك.

    433 مشتبهًا به.. هل تكشف التحقيقات عن أسماء جديدة؟

    وفيما يتعلق بالتحقيقات التي تشمل 433 مشتبهًا به في القضية، توقع حافظ احتمال الكشف عن مستفيدين آخرين من عمليات التداول أو المعلومات المسربة، موضحًا أن عدد الأشخاص الذين حققوا مكاسب من هذه الممارسات قد يتجاوز نطاق التحقيقات الأولية.

    وأشار إلى أن قضايا التلاعب في أسواق المال قد تشمل أطرافًا متعددة، سواء من المسؤولين عن تسريب المعلومات أو المتعاملين الذين استفادوا منها في تنفيذ عمليات البيع والشراء.

    وأوضح أن سرعة انتشار الأخبار عبر وسائل الاتصال الحديثة تجعل تتبع مصادر المعلومات وتحديد جميع المستفيدين منها أمرا معقدا، خاصة عندما تنتقل المعلومات بين أعداد كبيرة من المتعاملين خلال فترات قصيرة.

    ورجح أن تكشف مراجعة عمليات التداول المرتبطة بالأسهم والصناديق محل التحقيق عن أسماء إضافية، مؤكدا أن نتائج التحقيقات ستحدد نطاق المخالفات والأطراف المسؤولة عنها.

    اقرأ أيضًا: تركيا وسوريا: هل تعيد اتفاقيات الحدود البحرية تشكيل المشهد الإقليمي؟