تقارير اقتصادية

    100 يوم من عهد ترامب الثاني.. تقلبات الأسواق واختبار الثقة الاقتصادية

    •آخر تحديث •5 دقائق
    100 يوم من عهد ترامب الثاني.. تقلبات الأسواق واختبار الثقة الاقتصادية

    تقرير: باسل محمود

    حين اعتلى دونالد ترامب منصة التنصيب للمرة الثانية وعد الأمريكيين بعصرٍ ذهبي جديد، مليء بالازدهار والوظائف والمكاسب، غير أن مرور 100 يوم فقط كان كافيًا ليكشف عن واقع مختلف تمامًا، ففي الأسواق المالية كانت الصورة قاتمة؛ حيث تهاوت الأسهم، وانخفض الدولار بشدة، واهتزت مكانة سندات الخزانة كملاذ آمن.

    وحده الذهب -الذي فُهم وعد ترامب من خلاله حرفيًا- ارتفع إلى مستويات غير مسبوقة، في انعكاس لمخاوف المستثمرين وليس لتفاؤلهم، بحسب بلومبرج.

    تصريحات الرئيس، التي افتتحت عهده بوعود ضريبية وخطط تحفيز اقتصادي، تراجعت سريعًا تحت وقع إجراءات تصعيدية غير متوقعة، بدءًا من الرسوم الجمركية العشوائية، مرورًا بسياسات الإبعاد الجماعي للعمالة المهاجرة، وصولًا إلى هجومٍ غير مسبوق على الاحتياطي الفيدرالي نفسه.

    انهيار الأسهم الأمريكية في عهد ترامب الثاني

    دخلت الأسهم الأمريكية عهد ترامب الثاني من نقطة انطلاق قوية، فقد كان مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” يحوم قرب أعلى مستوياته التاريخية، مدفوعًا بتوقعات الأسواق لخطط تحفيز مالي وضريبي تكرّس نموًا مستدامًا، لكن الصورة تغيّرت سريعًا.

    بعد فرض الرئيس رسومًا جمركية على سلسلة من الشركاء التجاريين، ثم التراجع عنها أو تعديلها فجأة، دخلت الأسواق دوامة من التقلّب غير المسبوق، لتتجه إلى أسوأ أداء بعد تنصيب رئيس جديد منذ عهد جيرالد فورد عام 1974، فقد خسر مؤشر “ستاندرد آند بورز” نحو 8%، وبدأت وول ستريت تعيد تقييم المخاطر السياسية كمصدر حقيقي للتقلب.

    يقول مارك مالك، الرئيس التنفيذي للاستثمار في “سيبرت”، إن ما حدث يُمثّل “نموذجًا مدرسيًا للمخاطر النظامية”، وقد ساهمت في ذلك قرارات طرد الموظفين الفيدراليين، والتغييرات العنيفة في السياسة التجارية التي جعلت كل قطاع عرضة لاحتمالات الاستهداف.

    تراجع الدولار الأمريكي إلى أدنى مستوياته

    منذ انتخاب ترامب، خسر مؤشر الدولار الأمريكي أكثر من 9%، في تراجع لم يشهده منذ فكّ ارتباط العملة بالذهب في أوائل السبعينيات، علمًا أنّ هذا الهبوط السريع أتى بعكس ما اعتادت عليه الأسواق عند بداية أي ولاية رئاسية جديدة، حيث غالبًا ما ترتفع العملة الوطنية بفعل الزخم السياسي والثقة.

    كل العملات العالمية، من الكرونا السويدية إلى الفرنك السويسري، ارتفعت مقابل الدولار، وحتى البيزو المكسيكي والدولار الكندي استفادا من تراجع حدّة التهديدات التجارية.

    ومما يجدر ذكره في هذا السياق أنّ ضعف الدولار لم يأتي فقط نتاج قرارات اقتصادية، بل أيضًا نتيجة شكوك عميقة في استقرار السياسات الأمريكية تحت قيادة الرئيس الجديد دونالد ترامب.

    اقرأ المزيد حول ضعف الدولار وخروج السندات.. هل تفقد أمريكا هيمنتها الاقتصادية؟

    اهتزاز مكانة سندات الخزانة كملاذ آمن

    في أيام ترامب الأولى، بدا أن سوق سندات الخزانة الأمريكية، البالغ حجمه 29 تريليون دولار، سيستفيد من المخاوف التجارية كملاذ آمن تقليدي، حيث انخفض العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 3.86%، بفعل إقبال المستثمرين على الأصول الآمنة.

    لكن ما لبث أن تبدّد هذا الاندفاع، بعد تصاعد المخاوف من دخول الاقتصاد في مرحلة ركود بسبب الرسوم الجمركية وفقدان الثقة في السياسة النقدية، فارتفع العائد لاحقًا إلى 4.59%، مسجّلًا أكبر قفزة أسبوعية منذ عام 2001، في مؤشر صريح على اضطراب أحد أهم أسواق الدَين في العالم.

    غير أنّ الهجمات المتكررة التي شنَّها ترامب على رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، زادت الطين بلّة، إذ دفعت المستثمرين لإعادة التفكير في مكانة سندات الخزانة كأصول خالية من المخاطر.

    شلل في سوق الائتمان الأمريكي بسبب سياسات ترامب

    في البداية، عمّ التفاؤل أسواق السندات ذات العائد المرتفع، مع تراجع الفارق بين سندات الشركات وسندات الخزانة إلى أدنى مستوياته منذ 1998، لكن مع إطلاق ترامب موجة جديدة من الرسوم الجمركية مطلع أبريل انعكست الأوضاع بسرعة.

    انهارت أسعار السندات، وارتفعت الفروقات الائتمانية، وتجمدّت الأسواق تمامًا لعدة أيام، كما توقفت الشركات عن إصدار ديون جديدة، وارتفعت مؤشرات المخاطر، في تكرار لحالة الذعر التي أعقبت أزمة البنوك الإقليمية في 2023.

    ورغم الإعلان عن تجميد مؤقت للرسوم لمدة 90 يومًا، لم تعد الأسواق إلى سابق عهدها، بل ظلت تتحسّس خطواتها في بيئة غير مستقرة، إلى أن أعادت صفقات كبرى، مثل صفقة “إكس هولدينغز”، شيئًا من الثقة الهشة.

    العملات المشفّرة.. وعود كبيرة ونتائج محدودة

    في تحوُّل لافت، تحوّل دونالد ترامب من منتقد شرس للعملات المشفرة إلى مؤيد قوي لها، فعيّن في إدارته منظّمين مؤيدين للقطاع، وأسقطت لجنة الأوراق المالية قضايا بارزة ضد شركات كبرى، لكن رغم المكاسب السياسية لم تستطع “بيتكوين” الحفاظ على الزخم، وتراجعت بنسبة تزيد على 7% منذ يوم التنصيب، لتظل تحت ضغط البيئة الكلية المضطربة.

    ريتشارد غالفين، الشريك المؤسس في “DACM”، يرى أنَّ السوق تأثرت بمزيج من التفاؤل التنظيمي والمخاوف المالية، وبحسب قوله: “الأسواق استجابت سريعًا للبيئة الجديدة، لكن مع تصاعد التقلبات في الأسهم والسندات، أصبحت العملات المشفّرة بدورها ضحية لحالة عدم اليقين”.

    ورغم التراجع، لا تزال “بيتكوين” مرتفعة بنحو 30% عن مستويات ما قبل الانتخابات، في مؤشر على صمودها النسبي، لا سيما إذا استقرّت السياسات تجاهها.

    اقرأ أيضًا: العملات المشفرة لعائلة ترامب تحفز الأسواق الرقمية

    أسعار النفط تتأرجح بفعل التوترات التجارية

    أسعار النفط لم تنجُ من تداعيات السياسة التجارية الجديدة، فقد تراجعت العقود الآجلة لخام “برنت” إلى 58.40 دولارًا للبرميل، قبل أن ترتفع مجددًا إلى نحو 65 دولارًا.

    ورغم أن تراجع الأسعار قد يبدو إيجابيًا لترامب، خاصة مع وعوده بخفض التضخم وأسعار الوقود، فإن السبب الرئيسي خلف الانخفاض لم يكن تحسّن العرض، بل توقعات بتباطؤ عالمي نتيجة القيود الجمركية.

    وفي خلفية السوق، بدأت منظمة “أوبك” وشركاؤها باستعادة بعض الإنتاج، ما زاد الضغوط على الأسواق، وعزّز المخاوف من تخمة في المعروض إذا ما تراجعت وتيرة الطلب العالمي.

    اقرأ أيضًا: كيف أثرت الرسوم الجمركية الأمريكية على أسواق النفط؟ 

    الذهب يسجل أرقامًا قياسية

    ربما يكون الذهب هو السلعة الوحيدة التي صدقت الوعد الرئاسي، فمنذ فوز ترامب سجّل المعدن الأصفر 28 رقمًا قياسيًا جديدًا، ليصل إلى ذروة عند 3500 دولار للأونصة، في تأكيد على مكانته كملاذ أول للمستثمرين الباحثين عن الأمان في ظل الغموض السياسي والاقتصادي.

    وبينما خشي البعض في البداية أن يطال الذهب إجراءات الرسوم الجمركية، سرعان ما تبيّن أن المعدن الثمين سيكون في منأى عن تلك التدابير، ليتحوّل إلى وجهة رئيسية لرؤوس الأموال الهاربة من الأسهم والسندات.

    الذهب، الذي يُعد مقياسًا لحالة الخوف في الأسواق، بات ينافس “ستاندرد آند بورز 500” كأحد أفضل الأصول أداءً خلال السنوات الخمس الأخيرة.

    اقرأ المزيد في هذا التقرير: الذهب يكسر 3500 دولار.. هل يصل إلى 4 آلاف دولار؟