تقارير اقتصادية

    10 تريليونات دولار.. هل تتوسع مدفوعات بريكس عالميا؟

    تجاوزت معاملات أنظمة الدفع الفوري في دول بريكس 10 تريليونات دولار خلال 18 شهراً، بقيادة الهند والبرازيل. ورغم نجاح «يو بي آي» و«بيكس» محلياً، يبقى التوسع الدولي أكثر تعقيداً بسبب تحويل العملات والسيولة والتسوية، ما يحدد قدرة هذه الأنظمة على تقليص الاعتماد على الدولار.

    بقلم باسل محمود••آخر تحديث •4 دقائق
    بريكس
    صورة جماعية لقادة مجموعة بريكس في نيودلهي

    تجاوزت قيمة المعاملات التي عالجتها أنظمة الدفع الفوري في دول "بريكس" 10 تريليونات دولار خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية، مع اتساع استخدامها في الأسواق المحلية وبدء استكشاف روابط دولية قد تغيّر طريقة انتقال الأموال بين الدول.

    وتبرز الهند والبرازيل في مقدمة هذا التحول، بعدما استقطب نظام "يو بي آي" الهندي أكثر من 550 مليون مستخدم، مقابل أكثر من 170 مليوناً لنظام "بيكس" البرازيلي، ويوفر النظامان تحويلات مباشرة بين الحسابات، ما يعزز منافستهما لشبكات البطاقات الأمريكية مثل "فيزا" و"ماستركارد" داخل بعض الأسواق الكبرى.

    لكن انتقال هذا النجاح إلى المدفوعات الدولية، يضع دول التكتل أمام اختبار أكثر تعقيداً، يتعلق بتحويل العملات وتوفير السيولة وتسوية المعاملات، وهي عوامل ستحدد مدى قدرة هذه الأنظمة على تقليص الاعتماد على الدولار كعملة وسيطة.

    الهند والبرازيل تقودان توسع المدفوعات الفورية

    تتيح أنظمة الدفع الفوري إرسال الأموال من حساب إلى آخر باستخدام رمز الاستجابة السريعة أو معرّف للمستخدم، ما يسهّل سداد المشتريات وتحويل الأموال دون الحاجة إلى استخدام بطاقات الخصم أو الائتمان.

    وبحسب البيانات الرسمية، عالج "بيكس" مدفوعات تجاوزت قيمتها 6.8 تريليون دولار خلال العام الماضي، بينما بلغت قيمة معاملات "يو بي آي" نحو 3.4 تريليون دولار خلال العام المنتهي في مارس.

    وأصبح "بيكس" أكثر وسائل الدفع الإلكتروني استخداماً في البرازيل من حيث عدد المعاملات منذ إطلاقه قبل نحو 6 سنوات، كما توسع ليشمل المدفوعات المتكررة الخاصة بالاشتراكات والخدمات الرقمية.

    وقال جواو ديل فالي، الرئيس التنفيذي لمنصة المدفوعات "إي بانكس"، إن شركات عالمية مثل "جوجل" و"ميتا" و"نتفليكس" تحتاج إلى قبول وسائل الدفع المحلية عند دخول السوق البرازيلية، ويعكس ذلك قدرة هذه الأنظمة على التأثير في خيارات الشركات، بعدما أصبحت جزءاً أساسياً من سلوك المستهلكين.

    وفي الهند، دعا رئيس الوزراء ناريندرا مودي، خلال خطاب بمناسبة مرور 10 سنوات على تشغيل "يو بي آي"، إلى توسيع ارتباط النظام بالدول التي تضم جاليات هندية كبيرة أو تشهد نمواً في تجارتها مع الهند.

    بريكس

    الربط الدولي يتقدم بخطوات متفاوتة

    رغم الانتشار المحلي الواسع، لا يزال الاستخدام الدولي لهذه الشبكات محدوداً؛ إذ مرّ جزء ضئيل فقط من معاملات "يو بي آي" البالغة 30 تريليون روبية، أو نحو 315 مليار دولار، خلال أغسطس عبر الحدود الهندية.

    ومع ذلك، تتسع محاولات الربط، فقد ارتبط النظام بشبكة المدفوعات السنغافورية منذ عام 2023، بينما أبدت دول، من بينها الإمارات وسريلانكا، اهتماماً بقبول مدفوعاته.

    ويعمل البنك المركزي الأوروبي أيضاً على مشروع لربط منصة التسوية الفورية الأوروبية "تيبس" بنظام "يو بي آي"، مع تجربة مرتقبة في النصف الأول من العام المقبل، كما تُجرى دراسات أولية بشأن ربط محتمل مع "بيكس"، وفق عرض قدمه المركزي الأوروبي.

    وتشير هذه التحركات إلى أن توسع الشبكات يتجاوز عضوية "بريكس"، ويفتح مجالاً للتعاون مع مؤسسات مالية خارج التكتل، لكن مستوى التقدم يختلف بين روابط قائمة، ومشروعات تجريبية، ومناقشات لا تزال في بدايتها.

    اقرأ أيضاً: البرازيل تلغي فكرة العملة المشتركة لمجموعة “بريكس” البديلة للدولار

    تحويل العملات يعقّد طموحات بريكس

    تواجه دول المجموعة صعوبة في تحويل نجاح أنظمة الدفع الوطنية إلى منظومة مترابطة، بسبب اختلاف سياسات الصرف والقيود المفروضة على حركة رؤوس الأموال، فالتكتل يضم عملات تخضع لضوابط وإدارة لسعر الصرف، مثل الرنمينبي الصيني، وأخرى تتمتع بمرونة أكبر في التداول، مثل الريال البرازيلي، ويجعل هذا التباين التحويل المباشر والسريع بين العملات أكثر تعقيداً، خاصة عندما تكون السيولة المتاحة محدودة.

    ويؤدي الدولار دور العملة الوسيطة في كثير من هذه العمليات، مستفيداً من عمق أسواقه وسهولة تداوله، لذلك يرتبط نجاح الربط الدولي بوجود آليات تسمح بتحويل العملات وتسوية المدفوعات بكفاءة.

    وتضيف اختلالات التجارة عقبة أخرى؛ فالهند تدفع بصورة متزايدة ثمن النفط الروسي بالروبية، بينما تواجه موسكو صعوبة في استخدام هذه الأرصدة بسبب محدودية مشترياتها من السلع والخدمات الهندية.

    وقال دبلوماسي من إحدى دول "بريكس" إن مناقشات دمج أنظمة الدفع لا تزال في مراحلها الأولى، وإن التعاون بالعملات المحلية سيعتمد أيضاً على رغبة القطاع الخاص وشروط عقود التصدير.

    اقرأ أيضاً: بريكس الجديدة وتأثيرها على الاقتصاد العالمي

    التسوية الدولية تحدد حجم المنافسة

    قد يساعد التوصل إلى آلية مشتركة للتسوية في توسيع استخدام هذه الشبكات، سواء في المدفوعات الصغيرة أو التحويلات المرتبطة بالتجارة الثنائية، ومن الاحتمالات النظرية، استخدام أصل مرجعي يرتبط بالذهب أو بسلة عملات لتسهيل التسوية بين الأنظمة، غير أن هذا التصور يظل مشروطاً باتفاق البنوك المركزية على آلية قابلة للتطبيق، ولا يمثل نظاماً معتمداً بالفعل.

    وتتهم الولايات المتحدة "بريكس" بالسعي إلى خفض الاعتماد على الدولار، وهو ما تنفيه دول أعضاء، من بينها الهند، وفي المقابل، ترى شركات المدفوعات فرصة في منح الدول مرونة أكبر لإتمام معاملاتها الثنائية.

    وسيتحدد أثر هذا التوسع بقدرة الأنظمة الوطنية على تجاوز عقبات تحويل العملات والسيولة والاختلالات التجارية، فإذا نجحت في ذلك، فقد تنتقل المنافسة من وسائل الدفع المستخدمة داخل المتاجر إلى البنية التي تُسوّى من خلالها المدفوعات الدولية، بما يقلّص تدريجياً الحاجة إلى العملات الوسيطة في بعض المعاملات.