اقتصادات عالمية

    أزمة الاقتصاد البريطاني.. هل ينجح العمال في الإصلاح؟

    بقلم دانا تيسير••آخر تحديث •8 دقائق
    تمثيل بصري من الدومينو لتوضيح التضخم وأزمة الاقتصاد البريطاني.

    يواجه الاقتصاد البريطاني مرحلة حرجة ومصيرية فرضت نفسها كأولوية قصوى على أجندة الحكومة الجديدة؛ حيث تعتزم الإدارة البريطانية إطلاق عملية إصلاح اقتصادي شاملة وغير مسبوقة، وفقاً للتصريحات الرسمية الصادرة عن رئيس الوزراء "كير ستارمر" فور توليه المسؤولية.

    وتأتي هذه التوجهات بعد تحقيق حزب العمال (يسار الوسط) الذي يتزعمه فوزاً ساحقاً وتاريخياً بحصده 409 مقاعد في البرلمان، لينهي بذلك حقبة ممتدة من حكم حزب المحافظين استمرت 14 عاماً متواصلة منذ عام 2010.

    وقد شهدت السنوات الأخيرة من حكم المحافظين توالي حزمة من الأزمات العاصفة التي أنهكت المفاصل الهيكلية للدولة؛ بدءاً من التبعات المعقدة لملف الخروج من الاتحاد الأوروبي (البريكست)، مروراً بالآثار الاقتصادية لجائحة كوفيد-19 والتضخم التاريخي، وصولاً إلى حالة عدم الاستقرار السياسي المتمثلة في التغيير المتكرر لرؤساء الوزارات.

    وتجد حكومة العمال نفسها اليوم أمام طاولة مثقلة بالملفات الاقتصادية المعقدة، وفي صدارتها تفاقم الديون السيادية، واستمرار الضغوط التضخمية، وتراجع الأجور الحقيقية، فضلاً عن القضية الجيوسياسية الأبرز والمطروحة بقوة في الدوائر السياسية وهي مدى إمكانية وكيفية صياغة نمط جديد من العلاقات أو العودة التدريجية نحو الفضاء الأوروبي.

    تشريح الأزمة وتبعات الانفصال الأوروبي

    ترصد الدكتورة يمن الحماكي، أستاذة الاقتصاد بجامعة عين شمس، في تصريحات خاصة، أبعاد المشهد البريطاني مؤكدة أن المملكة المتحدة تواجه منذ مطلع عام 2024 توليفة معقدة من الأزمات الاقتصادية المتشابكة التي انعكست بشكل مباشر على الأداء المالي الوطني وعلى المستويات المعيشية اليومية للمواطنين.

    وتتنوع هذه التحديات بين التضخم المرتفع، والانكماش في معدلات النمو، والآثار المستمرة للبريكست، إلى جانب العوامل الجيوسياسية العالمية المتمثلة في اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الطاقة.

    وتفصل الدكتورة يمن الحماكي أبرز هذه المحاور اللوجستية والاقتصادية كما يأتي:

    1. التضخم الحاد وقفزات تكاليف المعيشة

    يظل التضخم المرتفع أحد أعقد التحديات الهيكلية؛ إذ سجلت البلاد قفزات قياسية في معدلات التضخم العام تجاوزت حاجز الـ 10% في بعض الأشهر. هذا الارتفاع العاصف في أسعار المستهلكين أدى إلى تآكل حاد في القدرة الشرائية الحقيقية للأفراد، ورفع تكاليف المعيشة بصفة عامة، لا سيما أسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية ومصادر الطاقة، وهو ما ضاعف من وطأة المعاناة المعيشية على الأسر البريطانية وخاصة شريحة ذوي الدخل المحدود.

    2. انكماش وتباطؤ معدلات النمو الاقتصادي

    شهدت معدلات النمو الاقتصادي في بريطانيا تباطؤاً ملحوظاً خلال عام 2024؛ حيث تشير التقارير الاقتصادية والبيانات الدورية إلى انخفاض معدل النمو إلى مستويات حرجة بلغت أقل من 1% في بعض الفصول المالية، مما عزز من مخاوف الخبراء بشأن دخول الاقتصاد في حالة ركود تقني ممتد.

    وتأثرت جراء ذلك العديد من القطاعات التشغيلية الحيوية مثل قطاع التصنيع وقطاع الخدمات، نتيجة للتراجع الواضح في شهية الاستثمارات الرأسمالية وتباطؤ معدلات الإنفاق الاستهلاكي للمواطنين.

    3. التداعيات المستمرة لملف "البريكست"

    لا تزال الآثار المترتبة على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تفرض ظلالاً قاتمة على المشهد التجاري في 2024؛ حيث أسفر "البريكست" عن تعقيد واضح في العلاقات التجارية البينية مع الشركاء الأوروبيين، وساهم في زيادة التكاليف اللوجستية، وفرض التعريفات الجمركية، فضلاً عن الصعوبات البيروقراطية والإجرائية الكبيرة التي واجهتها الشركات البريطانية في التكيف مع القواعد التنظيمية الجديدة، مما أثر سلباً على حركة الصادرات والربحية العامة للشركات.

    4. أزمة الطاقة واضطرابات كلفة الإنتاج

    شهدت بريطانيا أزمة طاقة حادة نتيجة للارتفاعات القياسية في أسعار النفط والغاز في الأسواق العالمية، وهو ما تُرجم فوراً إلى زيادة ملموسة في تكاليف الإنتاج والنقل، ملقياً بظلاله على الأسعار النهائية للسلع والخدمات. كما أدى الارتفاع المفرط في فواتير الطاقة المنزلية والتجارية إلى وضع المستهلكين وأصحاب الأعمال تحت ضغوط مالية شديدة.

    5. البطالة وتآكل الأجور الحقيقية

    تزامناً مع الانكماش الاقتصادي، تفاقمت معدلات البطالة نتيجة لفقدان العديد من العمال لوظائفهم جراء تراجع الأنشطة التجارية وإغلاق بعض المنشآت. والأخطر من ذلك هو أن مستويات الأجور الاسمية لم تواكب الارتفاعات المتتالية لمعدلات التضخم، مما نتج عنه تآكل حاد في الأجور الحقيقية للمواطنين وزيادة رقعة الفقر.

    وفي مواجهة هذا الواقع، اتخذت الحكومة البريطانية جملة من التدابير الاستثنائية المؤقتة لتخفيف الأثر، مثل تقديم حزم دعم مالية طارئة للأسر والشركات، وتخفيض الضرائب على بعض السلع الأساسية، وتحفيز الاستثمار في قطاعات حيوية محدودة، إلا أن الدكتورة يمن الحماكي تؤكد أن هذه التدابير تظل مسكنات قصيرة الأجل، وتشدد على أن التغلب على هذه الأزمات يتطلب صياغة استراتيجيات طويلة الأجل وتكامل الجهود بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني لتحقيق الاستدامة الاقتصادية.

    اقرأ أيضًا: هل يهدد فوز ترامب الاقتصاد البريطاني؟

    أرقام غير مسبوقة للديون السيادية وأسباب تفاقمها

    من جانبه، يسلط الخبير الاقتصادي الدكتور سيد قاسم الضوء على معضلة الديون البريطانية باعتبارها واحدة من أخطر القضايا الهيكلية التي تقيد مناورات السياسة المالية للحكومة الجديدة.

    ويكشف الدكتور قاسم أن حجم الديون الوطنية لبريطانيا قد قفز إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة خلال عام 2024، حيث تجاوز الدين العام حاجز الـ 2.5 تريليون جنيه إسترليني، وهو رقم ضخم يمثل أكثر من 100% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، مما يضع السياسة المالية للحكومة تحت ضغط شديد ويعيق قدرتها الإقراضية والتنموية.

    ويرجع الدكتور سيد قاسم هذه الزيادة القياسية في حجم الديون إلى خمسة عوامل رئيسة:

    1. جائحة كوفيد-19: تسببت الجائحة في إحداث قفزة هائلة في الإنفاق الحكومي غير المخطط له لدعم المنظومة الصحية (NHS) وحماية الاقتصاد؛ حيث قدمت الدولة حزماً مالية تكميلية عملاقة للأفراد والشركات، مما عمّق العجز المالي العام واضطرها للاقتراض الكثيف.

    2. البريكست وتكلفة إعادة الهيكلة: فرض خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تحديات تجارية جديدة وتكاليف إضافية باهظة لإعادة تنظيم وإدارة القطاعات الاقتصادية بعيداً عن المظلة الأوروبية المشتركة.

    3. الركود الاقتصادي وتراجع الإيرادات: أدى تباطؤ النمو الاقتصادي في السنوات الأخيرة إلى تراجع حاد في الحصيلة الضريبية السيادية للدولة، مما دفع الحكومة لتوسيع الاقتراض لسد الفجوة وتمويل الإنفاق العام الجاري.

    4. زيادة كلفة الإنفاق على الخدمات العامة: توسعت السياسات الحكومية في الإنفاق على قطاعات خدمية حيوية متزايدة الكلفة كالرعاية الصحية، والتعليم، وتطوير البنية التحتية الأساسية.

    5. تضخم عبء الفوائد (خدمة الدين): مع الارتفاع المتتالي لحجم الدين العام وتزامن ذلك مع رفع أسعار الفائدة من قبل بنك إنجلترا لكبح التضخم، تضخمت تكاليف خدمة الدين عبر مدفوعات الفوائد السنوية، مما يلتهم جزءاً كبيراً من الموارد المالية ويحرم القطاعات الأساسية من الاستثمارات.

    وحذر الدكتور قاسم من أن هذه المستويات القياسية للديون تقود مباشرة إلى تقليل الثقة في الاقتصاد البريطاني، مما يؤثر سلباً على جاذبية البلاد للاستثمارات الأجنبية والمحلية على حد سواء، فضلاً عن تقييد السياسة المالية التوسعية؛ إذ تضطر الدولة لتوجيه الموارد لخدمة الدين بدلاً من ضخها لتحفيز الأسواق.

    استراتيجية حزب العمال ومحاور المواجهة المستقبلية

    أمام هذه المؤشرات، رصد الدكتور سيد قاسم أبرز الخطوط العريضة للاستراتيجية التي يتعين على حزب العمال تبنيها لإدارة هذه الأزمات وتأمين الاستقرار؛ أولها ضبط صارم للإنفاق العام، وذلك من خلال العمل على إعادة ترتيب أولويات النفقات الحكومية وتحديد المستحقين بدقة لتحقيق توازن مالي أفضل بين الإيرادات والمصروفات.

    كما سلّط قاسم الضوء على أهمية السعي لضخ استثمارات موجهة نحو البنية التحتية المتطورة، التكنولوجيا، ومجالات الابتكار لرفع كفاءة الإنتاجية الوطنية. وذلك بالإضافة إلى مراجعة وإصلاح النظام الضريبي لضمان تحصيل إيرادات أعلى، من خلال تحسين كفاءة التحصيل وزيادة العبء الضريبي على الشركات الكبرى والفئات الأكثر ثراءً، وإرساء قواعد قوية لإدارة الدين العام لتعزيز ثقة المستثمرين الدوليين في استقرار الأسواق البريطانية.

    وشدد قاسم على أن التحديات أمام "العمال" لا تقتصر على الاقتصاد فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اجتماعية وسياسية معقدة؛ مثل معالجة التفاوت والعدالة الاجتماعية، ومكافحة ارتفاع معدلات الفقر، وانعدام المساواة، وأزمة الإسكان وتوفير سكن ملائم وبأسعار معقولة، فضلاً عن الجانب السياسي المتمثل في تعزيز الوحدة الوطنية ومعالجة الانقسامات المجتمعية والسياسية العميقة الناتجة عن استفتاء البريكست، جنباً إلى جنب مع مواجهة التغيرات المناخية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

    اقرأ أيضًا: نمو أمريكا مقابل ركود اليابان وبريطانيا.. تحليل المسارات

    الاقتصاد البريطاني في مرآة G7

    وفي قراءة سياسية واقتصادية متكاملة، يتفق الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، مع الأطروحات السابقة، مؤكداً أن الأزمات الاقتصادية والمالية تقع في قلب التحديات الكبرى والوجودية التي يواجهها حزب العمال؛ حيث عانى اقتصاد المملكة المتحدة طويلاً من أجل تحقيق معدلات نمو حقيقية، بالتزامن مع وقوع قطاع الخدمات الصحية (NHS) والخدمات العامة الأخرى تحت ضغوط تشغيلية وتمويلية شديدة الحرجة في ظل حيز مالي ضيق جداً للمناورة والإصلاح.

    ويشير الدكتور طارق فهمي إلى أن بريطانيا سجلت نمواً بطيئاً للغاية طوال الفترة التي أعقبت الأزمة المالية العالمية (2008-2009). ورغم أن النمو الإجمالي في بريطانيا منذ عام 2010 قد يبدو في بعض الفترات أقوى ظاهرياً من قوى أوروبية مثل ألمانيا، أو فرنسا، أو إيطاليا، إلا أن المقارنة الحقيقية القائمة على نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي تكشف عن أداء أقل جودة وتراجع واضح.

    ويضيف الدكتور فهمي مستعرضاً مقارنات الأداء المالي: "إذا أخذنا في الاعتبار التغيرات الديموغرافية والنمو السكاني، فإن نمو نصيب الفرد في بريطانيا منذ 2010 كان أضعف من نظيره في ألمانيا، ويتأخر بمسافات شاسعة عن الولايات المتحدة الأمريكية. ونتيجة لذلك، تشير التوقعات الاقتصادية إلى أن مستويات المعيشة في بريطانيا متجهة لتسجيل أول انخفاض حقيقي لها خلال فترة برلمانية كاملة منذ خمسينيات القرن الماضي. ومنذ تفشي جائحة كوفيد-19، استقر الاقتصاد البريطاني في المرتبة الثانية كأضعف اقتصاد ضمن مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى (G7)".

    معضلة الفقر وملف الهجرة

    ولفت فهمي إلى أنه بالرغم من تباطؤ وتيرة تراجع معدلات الفقر منذ عام 2010، إلا أن ملف الهجرة يبرز كعقبة اقتصادية واجتماعية هيكلية؛ إذ فشلت الحكومات المحافظة المتعاقبة في تحقيق وعودها الانتخابية بخفض صافي الهجرة حتى بعد تفعيل البريكست وانفصال البلاد عن حرية الحركة الأوروبية.

    وقال إنه رغم انخفاض صافي الهجرة إلى 685 ألف شخص في عام 2023 مقارنة بالمستوى القياسي البالغ 764 ألف شخص في عام 2022، إلا أن هذا الرقم يظل أكبر بنحو أربعة أضعاف تقريباً من مستويات عام 2019، عندما تعهد رئيس الوزراء الأسبق بوريس جونسون بخفضه بشكل حاسم.

    واختتم الدكتور طارق فهمي تحليله بالإشارة إلى أن حزب العمال يملك بالفعل برنامجاً ورؤية معلنة، لكن التحدي الجوهري يكمن في مدى قدرة الحزب على الانتقال السلس والناجح إلى مربع إدارة السلطة والتنفيذ بعد 14 عاماً متواصلة قضاها في مقاعد المعارضة.

    وشدد على أنّ هذا الواقع يتطلب تعديلاً جذرياً للرؤية الاقتصادية البريطانية، مما يفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات حتمية ومطروحة بقوة على الساحة السياسية والدولية: هل سيتجه حزب العمال على المدى المتوسط نحو صياغة استراتيجية مغايرة تماماً، قد تشمل فتح قنوات العودة التدريجية للاتحاد الأوروبي وإعادة ربط المفاصل الاقتصادية البريطانية بالفضاء الأوروبي المشترك كسبيل وحيد لاستعادة التوازن والنمو؟

    اقرأ أيضًا: الأثرياء يخططون للهروب من بريطانيا بسبب الضرائب