نفور سياسي وتقارب اقتصادي، ربّما كان هذا أقل ما توصف به العلاقة بين الولايات المتحدة والصين، فرغم الانتقادات اللاذعة التي يوجهها البيت الأبيض لبكين، واتهامها بالمنافسة غير العادلة عبر مساعدة شركاتها، وتقييد حرية الدخول للسوق الصينية، الا أن واشنطن تحرص على إبقاء باب الحوار مفتوحًا مع بكين.
شهد العام الماضي حراكاً دبلوماسياً مكوكياً لمسؤولين أمريكيين رفيعي المستوى صوب بكين، في محاولة لترميم العلاقات التي عصفت بها التوترات، وكانت أبرز تلك التحركات زيارة وزير الخارجية “أنتوني بلينكن” الهادفة لاستعادة الاستقرار الثنائي، تلتها الزيارة الافتتاحية لوزيرة الخزانة “جانيت يلين” في يوليو 2023.
رسائل متبادلة
اليوم، وبعد مرور تسعة أشهر على زيارتها الأولى، تعود “يلين” مجدداً إلى العاصمة الصينية؛ حيث عقدت اجتماعاً حيوياً مع رئيس مجلس الدولة “لي تشيانغ”، وفي قاعة “فوجيان” العريقة بمبنى قاعة الشعب الكبرى، بعثت برسالة مفادها أن الحوار هو السبيل الوحيد لإدارة الخلافات، قائلة: “بينما يتعين علينا بذل المزيد، أعتقد أننا نجحنا خلال العام الماضي في وضع علاقاتنا الثنائية على أساس أكثر استقراراً”، مؤكدة أن الاستقرار لا يعني تجاهل التباينات، بل يعني “فهم أن التقدم مرهون بالتواصل المباشر والمنفتح”.
لم تكن زيارة يلين بروتوكولية فحسب، بل حملت ملفات اقتصادية وأمنية بالغة الحساسية، تمثلت في محورين أساسيين؛ الأول هو كبح “فائض الإنتاج”، حيث طالبت الحكومة الصينية بوضع حد للطاقة الإنتاجية الفائضة في قطاعات السيارات الكهربائية والألواح الشمسية وتكنولوجيا الطاقة النظيفة، معتبرة أن سياسة الإغراق هذه تشكل تهديداً مباشراً للشركات المنافسة في الولايات المتحدة والأسواق العالمية، أما المحور الثاني فهو الخطوط الحمراء تجاه روسيا، فقد وجهت الوزيرة تحذيراً شديد اللهجة من “عواقب قاسية” قد تواجه الشركات الصينية إذا ثبت تورطها في تقديم دعم لروسيا في حربها على أوكرانيا.
اقرأ أيضًا: الصين وأزمة الطاقة الإنتاجية.. هل يتجه الوضع نحو الأسوأ؟
بين الوعيد والمصالح.. الاقتصاد كساحة حرب “تكنولوجية”
تعكس رسائل “يلين” المزدوجة بين التحذير والمصالحة عمق الأزمة الهيكلية التي تضرب جذور العلاقة بين القطبين، وتأتي هذه التوترات مدفوعة بالقيود الأمريكية المشددة على صادرات التكنولوجيا الفائقة، وضغوط البيت الأبيض المستمرة على الحلفاء لتقييد وصول بكين إلى التقنيات الحساسة، وعلى رأسها الرقائق الإلكترونية.
ولم يقتصر النزاع على السيادة التكنولوجية، بل امتد ليشمل ملفات شائكة أخرى:
- حرب الأسعار: الاتهامات الأمريكية المتكررة لبكين باتباع سياسة “الإغراق” عبر إغراق الأسواق العالمية بضائع رخيصة الثمن، مما يقوض مبادئ المنافسة العادلة.
- الأمن القومي: التهديدات العسكرية المتبادلة بشأن جزيرة تايوان، والتحذير الأمريكي الصارم من أي محاولة صينية لتغيير الوضع الراهن بالقوة.
لكن رغم طبول الحرب الاقتصادية، تحاول الصين المناورة للحفاظ على شعرة معاوية مع الغرب، لضمان تدفق بضائعها نحو أكبر أسواق الاستهلاك العالمي؛ وهي السوق الأمريكية التي تمثل ثاني أكبر شريك تجاري للصين، بحجم تبادل ضخم يصل إلى 800 مليار دولار، أما الشريك الأكبر فهي أوروبا، حيث يبلغ حجم التبادل التجاري بين الصين والاتحاد الأوروبي نحو 1.41 تريليون دولار، وهو ما يمثل ثلث إجمالي التجارة الخارجية لدول الاتحاد مجتمعة، وفقاً لوكالة التجارة الخارجية والاستثمار الألمانية.
وفي مواجهة المطالب الأمريكية الصارمة التي نقلتها يلين، جاء الرد الصيني على لسان رئيس الوزراء الذي حاول امتصاص الزخم الهجومي بدعوة لـ “العقلانية الاقتصادية”، مؤكداً أن المصلحة العالمية تقتضي أن تكون واشنطن وبكين “شريكين وليسا خصمين”.
اقرأ أيضًا: سباق النفوذ بين الصين والغرب في إفريقيا
تراشق الانتقادات بين الطرفين
تزايدت حدة الاستياء الأمريكي جراء سياسات الإغلاق الصينية الصارمة خلال أزمة كورونا، وما خلفته من ارتباك واسع في سلاسل التوريد الحيوية. وفي إطار التضييق على الاستثمارات الأجنبية، أقرت بكين مؤخراً قانوناً جديداً لمكافحة التجسس يدرج أبحاث السوق الروتينية ضمن الأنشطة المحظورة، كما فرضت قيوداً على تصدير معدني “الغاليوم” و”الجرمانيوم” الضروريين لصناعة أشباه الموصلات، مما أثار غضب إدارة بايدن.
ومن ناحية أخرى، ينتقد المسؤولون الصينيون توجه الإدارة الأمريكية نحو حظر الاستثمار في قطاعات التكنولوجيا الصينية ذات الاستخدامات العسكرية، مسبوقاً بقرار بايدن حظر تصدير رقائق الحاسوب الأكثر تطوراً إلى الصين.
كما تبدي بكين اعتراضها على استمرار إدارة بايدن في نهج سلفه ترامب بشأن التعريفات الجمركية، فضلاً عن تبني واشنطن تشريعات مثل “قانون الرقائق والعلوم” و”قانون خفض التضخم”، والتي تهدف إلى تقديم إعانات ضخمة للشركات داخل الولايات المتحدة، مع وضع أحكام تحرم الشركات الصينية من تلك المزايا، وتمنع الجهات المستفيدة من الإعانات من الاستثمار في السوق الصينية.
علاقة متينة بين واشنطن وبكين
أكد الرئيس الصيني “شي جين بينغ” خلال مارس الماضي، أن بكين تمضي قدماً في تخطيط وتنفيذ حزمة من الإجراءات لتعميق الإصلاح الشامل، بهدف تهيئة بيئة أعمال ذات طابع دولي ترتكز على سيادة القانون، وتوفر فرصاً توسعية للشركات العالمية، وفي مقدمتها الشركات الأمريكية.
وفي رسالة وجهها نحو واشنطن، حث الرئيس الصيني الولايات المتحدة على ضرورة العمل المشترك وبناء تصور استراتيجي صحيح، مع التأكيد على أهمية التعامل السليم مع القضايا الحساسة؛ وذلك لضمان الحفاظ على الزخم اللازم لاستقرار العلاقات الثنائية ومنع انزلاقها نحو مسارات هبوطية.
جاءت هذه التصريحات خلال لقاء موسع عقده “شي” في بكين مع نخبة من ممثلي الأوساط التجارية والاستراتيجية والأكاديمية الأمريكية، ضمت شخصيات بارزة منها:
- إيفان غرينبيرغ: رئيس مجلس إدارة اللجنة الوطنية للعلاقات الأمريكية – الصينية.
- ستيفن شوارزمان: رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمجموعة “بلاكستون”.
- كريستيانو آمون: الرئيس والمدير التنفيذي لشركة “كوالكوم”.
- غراهام أليسون: العميد المؤسس لكلية “جون كيندي” بجامعة هارفارد.
- كريغ ألين: رئيس مجلس الأعمال الصيني الأمريكي.
اقرأ أيضًا: صفعة تكنولوجية جديدة على وجه الصين
هل يمكن العودة بالعلاقات إلى المسار المستقر؟
شدد الرئيس الصيني “شي جين بينغ” على أن العلاقات بين بكين وواشنطن تمثل المحور الأهم في منظومة العلاقات الدولية، مؤكداً أن طبيعة هذه العلاقة، سواء اتخذت مسار التعاون أو المواجهة، تترك أثراً مباشراً وعميقاً على رفاهية الشعبين، بل وتحدد ملامح مستقبل البشرية ومصيرها.
وأشار “شي” بوضوح إلى أن النجاحات التي يحققها أي من الطرفين تمثل فرصاً للآخر وليست تهديداً، موضحاً أن تحسن العلاقات مرهون بتوفر ثلاثة شروط أساسية؛ وهي الاحترام المتبادل واعتبار الآخر شريكاً حقيقياً، والتعايش السلمي كقاعدة ثابتة للتعامل، بالإضافة إلى التعاون الاستراتيجي لتحقيق نتائج تعود بالفائدة على الجانبين (Win-Win).
كما استعرض الرئيس الصيني واقع العلاقات في السنوات الأخيرة، مقراً بما شهدته من تقلبات ومنعطفات حادة وتحديات جسيمة، معتبراً إياها دروساً تستحق الاستيعاب بعمق. واختتم رؤيته بتأكيد واقعي: “إن العلاقات الصينية الأمريكية قد لا تعود إلى عهدها الماضي، لكنها تمتلك وبكل تأكيد القدرة على بناء مستقبل أفضل”.
اقرأ أيضًا: الصين والعرب.. شراكة أم نفوذ؟
