يدفع قرار واشنطن بعزل المحكمة الجنائية الدولية عن النظام المالي، النزاع القانوني إلى قلب شبكة المدفوعات العالمية، فالمحكمة تحتاج إلى حسابات مصرفية، وتحويلات عابرة للحدود، وتأمين، ورواتب، وخدمات رقمية كي تواصل عملها، وعندما تُدرج مؤسسة دولية على قائمة العقوبات الأميركية، تصبح هذه الخدمات جزءاً من معركة سياسية.
أدرجت وزارة الخزانة الأميركية المحكمة الجنائية الدولية في 9 أكتوبر على قائمة العقوبات الخاصة (SDN)، ما يجمّد أصولها الخاضعة للاختصاص الأميركي ويمنع الأشخاص والكيانات الأميركية من تقديم أموال أو سلع أو خدمات لها أو تلقيها منها من دون ترخيص.
الأداة القانونية هنا هي العقوبات الأميركية، بينما يمنح انتشار الدولار والبنوك المراسلة هذه العقوبات قوة عملية تتجاوز الحدود الأميركية، فالمصرف أو شركة التأمين أو مزود البرمجيات الذي يرتبط بالدولار أو بمؤسسات مالية أميركية يراجع علاقته بالمحكمة، حتى حين يكون مقره خارج الولايات المتحدة.
كيف يجري عزل المحكمة الجنائية الدولية عن النظام المالي؟
تبدأ العملية من إدراج اسم المحكمة في أنظمة الامتثال المصرفي، فكل تحويل مالي أو فاتورة أو عقد تأمين أو اشتراك في خدمة رقمية يمر عبر فحوص متزايدة للتأكد من عدم مخالفة قواعد العقوبات الأميركية.
وينشأ الحظر قانونياً من الأصول والمعاملات الواقعة ضمن الاختصاص الأميركي، ومن تعامل الأشخاص الأميركيين مع المحكمة، ويتسع الأثر الاقتصادي عندما ترتبط عمليات المحكمة بحسابات بالدولار، أو بنوك مراسلة أميركية، أو موردين أميركيين، أو شركات عالمية تخشى فقدان وصولها إلى النظام المالي الأميركي.
وهنا يتحول الدولار إلى أداة ضغط، فالمحكمة لا تحتاج إلى الدولار لمجرد حفظ أموالها، بل لأنه يدخل في تمويل الخدمات الدولية، وتسوية المدفوعات، وعلاقات البنوك المراسلة، والتعامل مع شركات التكنولوجيا والتأمين، وكل مؤسسة تقرر وقف الخدمة أو تجميدها ترفع كلفة عمل المحكمة وتدفعها إلى البحث عن بدائل.
وتملك المحكمة 125 دولة طرفاً في نظام روما الأساسي، وتحتاج إلى استقبال مساهماتها وتمويل عملياتها ودفع رواتب موظفيها وخدماتها القانونية، وقالت المحكمة إن العقوبات تمثل محاولة لعرقلة العدالة ومنعها من أداء مهمتها.

مهلة حتى أبريل 2027 لشبكات البنوك والخدمات
لم تقطع واشنطن كل قنوات العمل فوراً، فقد أصدرت وزارة الخزانة الأميركية الترخيص العام رقم 13، الذي يسمح باستمرار أو تسوية العمليات والعقود الضرورية للمحكمة حتى 7 أبريل 2027.
ويشمل الترخيص مدفوعات الدول الأطراف، والرواتب، والتأمين الصحي، والإيجارات، والمرافق، والضرائب، والخدمات التجارية الاعتيادية والفواتير المرتبطة بعمليات سابقة أو قائمة.
وتمنح هذه المهلة المحكمة وقتاً لإعادة ترتيب حساباتها وخدماتها، كما تمنح الموردين والبنوك فرصة لتقييم عقودهم، غير أن تاريخ أبريل يظل نقطة ضغط مركزية، لأن استمرار هذه العمليات بعده يرتبط بقرار أميركي جديد، إما تمديد الترخيص، أو استبداله، أو تركه ينتهي.
وأصدرت الخزانة الأميركية أيضاً الترخيص العام رقم 14، الذي يسمح بخدمات الاتصالات والإنترنت والبرمجيات المؤسسية والتخزين السحابي والنسخ الاحتياطي والأمن السيبراني.
وتظهر هذه الاستثناءات أن العزل المالي لا يعتمد على إيقاف كل خدمة في يوم واحد، بل على إعادة تشكيل البيئة التي تعمل فيها المحكمة، فالمورد الذي يملك تصريحاً قانونياً قد يواصل الخدمة، لكنه يواجه حسابات امتثال ومخاطر سمعة وعلاقات مصرفية أكثر تعقيداً.
من القضاة إلى المؤسسة نفسها
سبقت إدراج المحكمة عقوبات أميركية طالت 13 قاضياً ومدعياً ومسؤولاً فيها، وجاء التصعيد بعد اعتراض واشنطن على تحقيقات المحكمة في أفغانستان، ثم على مذكرتي التوقيف الصادرتين بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت.
وبإدراج المؤسسة نفسها، انتقلت العقوبات من الضغط على أشخاص إلى الضغط على البنية التي يحتاج إليها مكتب الادعاء والقضاة والإدارة، فالمشكلة لم تعد مرتبطة فقط بالسفر أو الأصول الشخصية، بل بقدرة المحكمة على تحويل الأموال، ودفع تكاليف المحامين، وتجديد التأمين، والتعاقد مع مزودي الخدمات.
وقالت نائبة المدعي العام نزهات شميم خان، إن المحكمة بدأت بالفعل ترتيب بدائل لبعض خدماتها، بما في ذلك الانتقال من برامج "مايكروسوفت" إلى منصة "openDesk" الألمانية، والبحث عن بدائل مصرفية وتأمينية، كما انتهى عقد التأمين الصحي مع "أكسا" باتفاق متبادل.
اقرأ أيضا: أقوى أسلحة أميركا؟ ليس الجيش ولا F-35.. بل الدولار
أوروبا بين حماية المحكمة وقوة النظام المالي الأميركي
أعلنت هولندا - الدولة المضيفة للمحكمة - أنها ستواصل الدفاع عنها، وقال وزير الخارجية توم بيرندسن إن مهلة الأشهر الستة تتيح مساحة للحوار وتسمح لمقدمي الخدمات بالاستمرار خلال الفترة الانتقالية.
وأعرب الاتحاد الأوروبي عن أسفه للعقوبات، مؤكداً استعداده لاتخاذ تدابير تمكّن المحكمة من أداء عملها، ويظل "قانون التعطيل" الأوروبي خارج تطبيقه المباشر على هذه القضية، إذ يقتصر ملحقه الحالي على إجراءات أميركية تخص كوبا وإيران، ويحتاج إدراج عقوبات المحكمة ضمنه إلى قرار أوروبي جديد.
وتكشف هذه الفجوة حجم النفوذ الأميركي، إذ تستطيع أوروبا سياسياً إعلان دعم المحكمة، بينما تواجه شركاتها عملياً أسئلة أكثر تعقيداً حول المصارف والدولار والتأمين وعلاقاتها التجارية في الولايات المتحدة.
وفي اليوم نفسه الذي أُعلنت فيه العقوبات، منحت لجنة نوبل للسلام جائزتها لعام 2026 للقاضية الجنوب أفريقية نافانيثيم "نافي" بيلاي، القاضية السابقة في المحكمة الجنائية الدولية، تقديراً لعملها في خدمة القانون الدولي.
ويضع القرار الأميركي المحكمة أمام اختبار مالي لا قضائي فقط، والسؤال خلال الأشهر المقبلة لن يتعلق بملفاتها القانونية وحدها، بل بمن يدفع الفواتير، وأي بنك يمرر التحويلات، وأي شركة تؤمّن موظفيها، ومدى قدرة المحكمة على بناء شبكة خدمات أقل اعتماداً على البنية المالية المرتبطة بالدولار.
