تتجه واردات القمح في تونس إلى التراجع من حيث الكمية خلال موسم 2026/2027، بعد موسم زراعي رفع إنتاج الحبوب إلى نحو 1.8 مليون طن، ولكن انخفاض عدد الأطنان المطلوبة من الخارج، لا يضمن وحده تراجع فاتورة الاستيراد بالدينار أو الدولار، لأن السعر العالمي وكلفة الشحن وسعر الصرف تحدد معاً ما تدفعه الدولة فعلياً.
وقدّرت منظمة الأغذية والزراعة "فاو" احتياجات تونس من واردات القمح بنحو 1.8 مليون طن في الموسم التسويقي الممتد من يوليو 2026 إلى يونيو 2027، أي أقل بنحو 8% من متوسط السنوات الخمس الماضية، مدفوعة بحصاد محلي للقمح يفوق المتوسط.
واردات القمح في تونس تتراجع بالكميات
تقدير "فاو" يعني أن متوسط احتياجات الاستيراد خلال السنوات الخمس السابقة يقارب 1.96 مليون طن، وبذلك، يوفر الموسم الحالي خفضاً محتملاً بنحو 157 ألف طن من القمح مقارنة بالمتوسط التاريخي.
هذا التراجع مهم للاقتصاد الخارجي لأنه يقلل كمية السلع التي تحتاج البلاد إلى شرائها من الأسواق الدولية، لكنه يظل توقعاً للاحتياجات في موسم كامل، لا قيمة مشتريات متعاقداً عليها، ولا يحدد حجم الوفر المالي الذي سيتحقق عند وصول الشحنات، كما أن الرقمين المتشابهين عند 1.8 مليون طن لا يعنيان أن تونس أصبحت مكتفية من القمح؛ فالأول يمثل إجمالي إنتاج الحبوب، بما يشمل محاصيل مختلفة، بينما الثاني يخص احتياجات استيراد القمح وحده، وتتوقع "فاو" أن تستمر الواردات في تغطية أكثر من 50% من إمدادات القمح المحلية.

محصول الحبوب يخفف الاعتماد ولا ينهيه
بدأ حصاد الحبوب الشتوية في أواخر مايو واكتمل بحلول يونيو، بعد تحسن الأمطار منذ ديسمبر 2025، وساعدت الأمطار في تجديد رطوبة التربة وتحسين أوضاع المحاصيل في مناطق الإنتاج الرئيسية، ومنها باجة وجندوبة والكاف وسليانة.
وقدرت المنظمة إجمالي إنتاج الحبوب في 2026 بنحو 1.8 مليون طن، أعلى بنحو 20% من متوسط السنوات الخمس، وهذا يرفع المعروض المحلي ويمنح تونس مجالاً أقل للجوء إلى الأسواق الخارجية مقارنة بموسم ضعيف.
لكن الاعتماد على الاستيراد يبقى كبيراً، لأن إنتاج الحبوب لا يساوي تلقائياً احتياجات الاستهلاك من القمح بحسب أنواعه واستخداماته، ولذلك، يكمن أثر الموسم الجيد أساساً في تخفيف فجوة العرض، لا في إلغاء الحاجة إلى استيراد القمح.
اقرأ أيضاً: انفراجة مرتقبة بأزمة الخبز في تونس
لماذا لا تنخفض فاتورة الاستيراد تلقائياً؟
تتحدد فاتورة الاستيراد - بصورة مبسطة - من خلال كمية القمح المستورد مضروبة في كلفة الطن عند الشراء، تضاف إليها كلفة الشحن والتأمين والتفريغ، ثم تتأثر بسعر صرف الدينار عند السداد، لذلك قد ينخفض الإنفاق إذا تراجعت الكمية وظلت كلفة الطن مستقرة أو انخفضت، لكن ارتفاع أسعار القمح العالمية أو النقل البحري أو سعر الصرف، يمكن أن يمتص جزءاً من الوفر الناتج عن تقليص الواردات.
حسابياً، تكفي زيادة تقارب 8.7% في متوسط كلفة الطن لمعادلة خفض الكمية المتوقع بنحو 8%، قبل احتساب أي تغير في الشحن أو التأمين، ولا يعني ذلك أن الفاتورة التونسية ستسجل هذه النسبة، بل يوضح حساسية قيمة الواردات لتحركات السعر.
هذه المخاطرة حاضرة في السوق العالمية، إذ قالت "فاو" إن عروض أسعار القمح الدولية ارتفعت في أغسطس 2026 بنسبة 2.6% على أساس شهري و15% على أساس سنوي، وفق بيان المنظمة عن مؤشر أسعار الغذاء، لكن هذه المؤشرات لا تمثل سعر العقود التونسية أو كلفة الشحن الفعلية إلى الموانئ التونسية.
أثر محدود ومشروط على أسعار الغذاء
تباطأ التضخم السنوي للغذاء في تونس إلى 6.6% في يوليو 2026، مقارنة مع 8.2% في أبريل ومايو، بحسب موجز "فاو"، ولكن هذا التباطؤ لا يثبت انخفاض كلفة القمح أو الخبز، لأن الضغوط السعرية في تلك الفترة جاءت أساساً من اللحوم والفواكه الطازجة، بينما انخفضت أسعار الزيوت الغذائية والبيض على أساس سنوي.
ويمر أثر الحصاد الجيد على المستهلك عبر مراحل عدة، أبرزها حجم ما يصل فعلياً إلى الصوامع، وتوقيت الاستيراد، وكلفة الطحن والتوزيع، وسياسة تسعير منتجات القمح، لذلك قد يتحسن أمن الإمدادات قبل أن يظهر أثر واضح في أسعار التجزئة.
ويوفر محصول 2026 لتونس مساحة لتقليص حاجتها المادية إلى القمح المستورد، ويخفف انكشافها على الأسواق الخارجية، أما انخفاض فاتورة الاستيراد، فيبقى رهناً بكلفة شراء الشحنات خلال موسم 2026/2027، لا بحجم الحصاد وحده.
