في الوقت الذي يتركز فيه اهتمام العالم على تداعيات التوترات الجيوسياسية في منطقة الخليج وتأثيرها على أسواق الطاقة، تتزايد التحذيرات من أزمة غذائية كبرى قد تكون في طريقها إلى التشكل بصمت، فالتداعيات المحتملة لإغلاق مضيق هرمز لا تقتصر على النفط والغاز والتجارة الدولية، بل تمتد إلى الغذاء والأسمدة وسلاسل الإمداد الزراعية التي يعتمد عليها مليارات البشر حول العالم.
ويرى خبراء الاقتصاد والتنمية أن الأزمة الحالية قد تمثل خامس أزمة غذائية عالمية كبرى خلال أقل من عقدين، فقد كشفت أزمة الغذاء والوقود في عامي 2007 و2008 عن هشاشة النظم الغذائية العالمية أمام ارتفاع أسعار الطاقة وتقلبات الأسواق المالية والسلعية وقيود التصدير.
كما أظهر الارتفاع الحاد في أسعار الغذاء عام 2011 كيف يمكن للصدمات المناخية والقيود التجارية أن تؤدي إلى اضطرابات سياسية واسعة، وهو ما تجسد في موجات الاحتجاجات التي اجتاحت عددًا من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال فترة الربيع العربي.
وفي عام 2020 كشفت جائحة كورونا عن ضعف سلاسل التوريد والخدمات اللوجستية العالمية، بينما أظهر الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 مدى خطورة الاعتماد على عدد محدود من الدول في أسواق الحبوب والأسمدة العالمية.
أما في عام 2026، فإن الأزمة المرتبطة بإيران ومضيق هرمز جمعت بين معظم هذه المخاطر في وقت واحد، من اضطراب الطاقة ونقص الأسمدة وعدم استقرار الشحن وارتفاع التضخم وتراجع المساعدات الدولية وتصاعد الانقسامات الجيوسياسية.
أزمة غذائية كبرى.. ما علاقة مضيق هرمز؟
لم يعد الخطر اليوم مرتبطًا بصدمة منفردة، بل بتراكم عدة ضغوط متزامنة داخل نظام اقتصادي وغذائي شديد الترابط. وتشير التقديرات إلى أن استمرار الاضطرابات الحالية قد يؤدي إلى اختفاء ما يعادل 10 مليارات وجبة غذائية أسبوعيًا من النظام الغذائي العالمي نتيجة خسائر الإنتاج المرتبطة بنقص الأسمدة وتعطل سلاسل التوريد.
كما تشير تقديرات برنامج الأغذية العالمي إلى أن نحو 45 مليون شخص إضافي قد يواجهون الجوع الحاد نتيجة تداعيات أزمة الخليج العربي إذا استمرت الاضطرابات الحالية لفترة طويلة.
تكمن خطورة الوضع في أن مضيق هرمز يعد أحد أهم الممرات المرتبطة بإمدادات الأسمدة؛ حيث يمر عبره ما يقارب ثلث تجارة الأسمدة المنقولة بحرًا، بالإضافة إلى نحو 20% من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال عالميًا.
وهذا يعني أن أي تعطيل طويل الأمد للمضيق لا يهدد الطاقة فحسب، وإنّما يضرب أسس الإنتاج الزراعي الحديث الذي يعتمد بصورة كبيرة على الأسمدة والوقود بشكل مباشر.
اقرأ أيضًا: ماذا لو لم يُفتح مضيق هرمز بالكامل مجددًا؟
المراحل الثلاث لتطور صدمة الغذاء
تبدأ المرحلة الأولى بارتفاع أسعار الوقود والنقل والشحن، وهو ما يرفع تكاليف إنتاج الغذاء ونقله وتوزيعه.
أما المرحلة الثانية فتظهر خلال الأشهر التالية عندما تبدأ ندرة الأسمدة في التأثير على قرارات المزارعين بشأن المساحات المزروعة وكميات الإنتاج المتوقعة.
وتأتي المرحلة الثالثة مع مواسم الحصاد التالية، حيث يؤدي انخفاض الإنتاج الزراعي إلى تراجع الإمدادات الغذائية وارتفاع الأسعار بصورة أكبر.
وبالتالي فإن العالم لا يواجه صدمة مؤقتة، بل دورة تضخم غذائي قد تمتد على مدار عام كامل.
اقرأ المزيد حول: ارتفاع أسعار الأسمدة بسبب حرب إيران وعلاقته بأزمة الغذاء
التضخم الغذائي يضغط على الدول الفقيرة
تشير البيانات الحديثة إلى أن معدلات التضخم الغذائي تجاوزت 100% في إيران، بينما لا تزال دول مثل تركيا والأرجنتين تسجل معدلات تفوق 30%.
كما تعاني دول عديدة منخفضة ومتوسطة الدخل مثل لبنان ونيجيريا وأنغولا وملاوي من معدلات تضخم غذائي مرتفعة نتيجة تراجع العملات المحلية والاعتماد على الواردات وارتفاع تكاليف النقل والطاقة واستمرار النزاعات.
وتزداد خطورة الوضع لأن الأسر في هذه الدول تنفق ما بين 40% و60% من دخولها على الغذاء، ما يعني أن أي زيادة إضافية في الأسعار تتحول سريعًا إلى جوع وديون ومشكلات اجتماعية واسعة.
مسببات الأزمة.. نقص الأسمدة واحتكار السلع
يعتبر قطاع الأسمدة أحد أكثر القطاعات تعرضًا للخطر في الأزمة الحالية؛ فدول الخليج تمثل مركزًا رئيسًا لإنتاج الأسمدة العالمية، خاصة الأسمدة النيتروجينية المعتمدة على الغاز الطبيعي.
وقد بدأت آثار الأزمة بالفعل في الظهور داخل عدد من الدول الزراعية؛ ففي شمال نيجيريا ارتفعت أسعار الأسمدة إلى مستويات جعلتها بعيدة عن متناول كثير من صغار المزارعين، ما دفع بعضهم إلى تقليل استخدامها رغم المخاوف من تراجع المحاصيل خلال الموسم المقبل.
وفي باكستان، يؤجل عدد من المزارعين قرارات الزراعة بسبب عدم وضوح الرؤية بشأن أسعار الوقود والأسمدة.
تزداد أزمة الأغذية تعقيدًا بسبب التركز الشديد في إنتاج وتصدير السلع الغذائية الأساسية؛ فبحسب تقديرات وزارة الزراعة الأمريكية تسيطر سبع دول فقط على نحو 84% من صادرات القمح العالمية، بينما تتحكم ست دول في أكثر من 92% من صادرات الذرة العالمية.
كما تهيمن الصين على جزء كبير من المخزونات العالمية للقمح والذرة والأرز، بينما تمتلك الصين والهند معًا غالبية احتياطيات الأرز العالمية.
وتكمن المشكلة في أن هذه الاحتياطيات لا تكون متاحة بالكامل للأسواق الدولية خلال الأزمات، إذ تعطي الحكومات الأولوية للأمن الغذائي المحلي على حساب الصادرات الخارجية.
إلى جانب العوامل الجيوسياسية والاقتصادية، تساهم التغيرات المناخية في تعميق المخاطر؛ فموجات الجفاف والفيضانات وارتفاع درجات الحرارة والإجهاد المائي والتقلبات المناخية المرتبطة بظواهر مثل النينيو تضيف ضغوطًا إضافية على الإنتاج الزراعي العالمي.
تراجع المساعدات الإنسانية
في الوقت الذي تتزايد فيه الاحتياجات الغذائية عالميًا، تتراجع الموارد المتاحة للاستجابة الإنسانية. وتشير البيانات الأولية لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن المساعدات الإنمائية الرسمية المقدمة من كبار المانحين انخفضت بأكثر من 23% خلال عام 2025، وهو أكبر تراجع يتم تسجيله على الإطلاق.
وبسبب هذا التراجع، يتوقع برنامج الأغذية العالمي تقديم مساعدات لنحو 60 مليون شخص فقط خلال العام الحالي بتمويل يقدر بنحو 6 مليارات دولار، مقارنة بأكثر من 160 مليون شخص حصلوا على مساعدات تجاوزت قيمتها 14 مليار دولار في عام 2022.
رغم تعدد الأزمات التي شهدها العالم خلال العقدين الماضيين، فإن التقدم في معالجة الأسباب الهيكلية لانعدام الأمن الغذائي ظل محدودًا؛ فقد تحسنت أنظمة الإنذار المبكر نسبيًا وأصحبحت سلاسل الإمداد أكثر كفاءة ولكن أقل مرونة، بينما بقي التمويل الإنساني رهينة للدورات السياسية قصيرة الأجل، وأصبح النظام الغذائي العالمي أكثر هشاشة في مواجهة الصدمات المتكررة.
تحذيرات مجموعة السبع واستراتيجيات احتواء أزمة الغذاء
اعترف وزراء مالية ومحافظو البنوك المركزية في مجموعة السبع خلال اجتماعاتهم الأخيرة بحجم التحديات التي تفرضها أزمة هرمز على أسواق الغذاء والطاقة، وشددوا على أهمية الحفاظ على التجارة الحرة وتجنب قيود التصدير وتنويع سلاسل الإمداد وتعزيز التعاون الدولي لمواجهة التداعيات المحتملة.
يرى الخبراء أن الأمن الغذائي لم يعد مجرد قضية إنسانية، بل أصبح ركيزة أساسية من ركائز الأمن الاقتصادي والاستقرار السياسي العالمي، لذلك يتعين على دول مجموعة السبع ومجموعة العشرين الالتزام بالحفاظ على انسياب تجارة الغذاء والأسمدة والطاقة خلال الأزمات، وتجنب السياسات التي تزيد من تقلبات الأسواق.
كما ينبغي الاستثمار في بناء أنظمة غذائية أكثر تنوعًا ومرونة، وتقليل الاعتماد المفرط على عدد محدود من الموردين أو الدول المسيطرة على المدخلات الزراعية الأساسية. ومن الضروري أيضًا إعادة بناء قدرات الاستجابة الإنسانية من خلال زيادة التمويل المخصص للمساعدات الغذائية وتعزيز المؤسسات الدولية المعنية بالتدخل المبكر.
كذلك يتطلب الأمر إنشاء منظومة عالمية أكثر تكاملًا لإدارة المخاطر، تربط بين مخاطر الغذاء والطاقة والمناخ والتمويل بدلًا من التعامل معها بشكل منفصل.
الخطر الحقيقي لا يتمثل فقط في اندلاع أزمة غذائية جديدة، بل في تحول الأزمات الغذائية إلى ظاهرة متكررة ومزمنة في عالم يزداد اضطرابًا عامًا بعد عام، فالأمن الغذائي أصبح مرتبطًا ارتباطًا مباشرًا بالاستقرار الاقتصادي والهجرة والأمن القومي والشرعية السياسية للدول، وإذا لم يتم التعامل مع جذور المشكلة بصورة جادة فقد يجد العالم نفسه أمام أزمات متلاحقة تصبح جزءًا من الواقع الطبيعي للنظام الاقتصادي العالمي، بدلاً من أن تكون استثناءً عابرًا.
اقرأ أيضًا: أرباح الحرب ترفع ثروات مليارديرات الطاقة في مجموعة السبع مع تراجع المساعدات
