اقتصادات عالمية

    هل ينهار حلف الناتو؟ تصريحات ترامب تعيد طرح مستقبل التحالف الأطلسي

    •آخر تحديث •6 دقائق
    هل ينهار حلف الناتو؟ تصريحات ترامب تعيد طرح مستقبل التحالف الأطلسي

    أعادت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن دور قوات حلف شمال الأطلسي الناتو في أفغانستان إشعال واحدة من أعمق أزمات الثقة، وأطلقت موجة غضب أوروبي غير مسبوقة، لم تتوقف عند حدود الاستياء السياسي، بل امتدت إلى عمق النقاش الاستراتيجي حول مستقبل الحلف ذاته، وجدوى استمرار الصيغة التي حكمت العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

    قال الدكتور محمد خيري، الباحث في الشأن السياسي، إنَّ تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن دور القوات الأوروبية في أفغانستان لم تستقبل داخل أوروبا باعتبارها زلة لسان أو خطابًا انتخابيًا عابرًا، بل جرى التعامل معها كإهانة مباشرة لتضحيات آلاف الجنود الأوروبيين الذين شاركوا في الحرب الأفغانية في إطار الالتزام بالمادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي، والتي تمثل جوهر مفهوم الدفاع الجماعي للحلف.

    وأوضح خيري أن حساسية هذه التصريحات تعود إلى أنها طالت البعد المعنوي والرمزي لمشاركة الدول الأوروبية في واحدة من أطول الحروب التي خاضها الناتو، مشيرًا إلى أن إنكار أو التقليل من الدور الأوروبي لا يعد مجرد خلاف سياسي، بل مساسًا بأساس الثقة التي بني عليها التحالف عبر عقود، وأضاف أن ردود الفعل الغاضبة في عدد من الدول الأوروبية تعكس شعورًا متناميًا بأن واشنطن لم تعد تنظر إلى حلفائها كشركاء متكافئين، بل كأطراف ثانوية في معادلة الأمن الدولي.

    كيف أساء ترامب للمجتمعات الأوروبية؟

    أشار الباحث في الشأن السياسي إلى أن توصيف ترامب لمشاركة القوات الأوروبية باعتبارها بعيدة عن الخطوط الأمامية يتجاهل الواقع الميداني للحرب الأفغانية، التي شهدت انخراطًا مباشرًا لقوات أوروبية في عمليات قتالية معقدة، وأسفرت عن خسائر بشرية كبيرة في صفوف عدد من الجيوش الأوروبية. كما لفت إلى أن هذا الطرح لا يسيء فقط إلى الحكومات، بل ينعكس سلبًا على المجتمعات الأوروبية وعائلات الجنود الذين فقدوا أبناءهم خلال تلك الحرب.

    وأضاف خيري أن الأزمة الحالية تكشف عن خلل أعمق في بنية العلاقة عبر الأطلسي، حيث لم يعد الخلاف مقتصرًا على تقاسم الأعباء العسكرية أو نسب الإنفاق الدفاعي، بل امتد إلى طريقة تقييم التضحيات وتحديد من يتحمل كلفة القرارات الاستراتيجية، وأكد أن الجدل الدائر يعكس تآكلًا تدريجيًا في الثقة السياسية، وهو ما يمثل خطرًا حقيقيًا على تماسك حلف الناتو ووحدته الداخلية.

    وأوضح أن تراجع القدرات العسكرية الأوروبية خلال العقود الماضية، نتيجة تخفيضات الميزانيات الدفاعية، يستخدم أحيانًا كذريعة للتقليل من الدور الأوروبي، إلا أن هذا الواقع لا يلغي حقيقة أن المشاركة الأوروبية في أفغانستان كانت جوهرية ومكملة للدور الأمريكي، وليست هامشية كما صوّرتها بعض التصريحات، وشدد على أن تحميل أوروبا مسؤولية هذا التراجع دون الاعتراف بإسهاماتها الفعلية يعمّق الشعور بعدم العدالة داخل الحلف.

    واختتم الدكتور محمد خيري تصريحاته بالتأكيد على أن ما جرى يمثل جرس إنذار حقيقيًا لمستقبل الناتو، إذ يفرض على الدول الأوروبية إعادة تقييم طبيعة شراكتها مع الولايات المتحدة، وعلى الحلف ككل أن يحدد ما إذا كان قادرًا على الاستمرار كتحالف قائم على الثقة المتبادلة، أم أنه يتجه تدريجيًا إلى مرحلة من التفكك السياسي حتى وإن استمر شكليًا على المستوى العسكري.

    التحولات الاستراتيجية في التفكير الأمريكي تجاه حلف الناتو

    في هذا السياق، يرى الدكتور أحمد عناني، خبير العلاقات الدولية، أن الأزمة الحالية لا يمكن اختزالها في إطار تصريحات استفزازية لرئيس أمريكي معروف بخطابه الصدامي، بل يجب فهمها ضمن مسار أطول من التحولات الاستراتيجية في التفكير الأمريكي.

    وقال عناني إنَّ “ما عبّر عنه ترامب هو صياغة فجّة وصريحة لما تفكر فيه قطاعات مؤثرة داخل المؤسسة الأمريكية منذ سنوات، وهو أن أوروبا أصبحت عبئًا استراتيجيًا أكثر منها شريكًا متكافئًا”.

    وأضاف عناني أن الولايات المتحدة، منذ نهاية الحرب الباردة، بدأت تدريجيًا في إعادة تقييم كلفة قيادة النظام الدولي، ومع صعود الصين وتزايد التحديات الداخلية الأمريكية أصبح الميل واضحًا نحو تقليص الالتزامات الخارجية، ونقل جزء أكبر من الأعباء إلى الحلفاء، خصوصًا الأوروبيين. “لكن الإشكالية”، بحسب عناني، “أن واشنطن تطالب أوروبا بالاستقلال وتحمل المسؤولية، وفي الوقت نفسه تقوض أي محاولة أوروبية لبناء استقلال حقيقي في القرار الدفاعي أو الاقتصادي”.

    هذا التناقض يظهر بوضوح في ملفات الطاقة والأمن، فقد بنت ألمانيا خلال عهد المستشارة أنجيلا ميركل علاقات استراتيجية عميقة مع روسيا، جعلت الغاز الروسي ركيزة أساسية للنمو الصناعي الألماني، وهو ما منح أوروبا قدرًا من الاستقلال النسبي في ملف الطاقة، غير أن قرار وقف تدفقات الغاز الروسي إلى أوروبا لم يكن قرارًا أوروبيًا خالصًا، بل جاء نتيجة ضغوط وقرارات أمريكية مباشرة، تزامنت مع تفجير خطي “نورد ستريم 1 و2” في ظروف غامضة لم تحسم نتائج التحقيقات بشأنها حتى الآن.

    قد يهمّك أيضًا: ترامب يهدد كندا برسوم 100%: الصين لا تمر عبر أوتاوا

    هل أصبح الناتو أداة لتحقيق أولويات أمريكية؟

    أشار الدكتور أحمد عناني إلى أن “الولايات المتحدة دفعت أوروبا دفعًا إلى واجهة الصراع مع روسيا في أوكرانيا، ثم طالبتها بدفع الكلفة الاقتصادية والسياسية والعسكرية لهذه المواجهة، وفي الوقت ذاته اتهمتها بالتقصير والاعتماد المفرط على واشنطن”.

    ويرى أن هذا السلوك أسهم في تعميق الشعور الأوروبي بأن الحلف الأطلسي بات أداة لتحقيق أولويات أمريكية، أكثر منه إطارًا متوازنًا للأمن الجماعي.

    ولا يتوقف الأمر عند روسيا، بل يمتد إلى الصين، فبينما لا تصف الوثائق الأمريكية الحديثة بكين صراحةً باعتبارها “التهديد الأكبر”، تعكس السياسات العملية لواشنطن استراتيجية تطويق واضحة للصين، عبر تحالفات عسكرية في شرق آسيا، وضغوط تكنولوجية واقتصادية، وإجبار دول أوروبية على إلغاء عقود مع شركات صينية كبرى مثل هواوي في مجال الجيل الخامس، وأكد عناني أن “أوروبا وجدت نفسها مرة أخرى طرفًا في صراع لا تملك السيطرة الكاملة على مساراته، لكنها تتحمل جزءًا كبيرًا من كلفته”.

    وأضاف عناني أن حلف شمال الأطلسي، بوصفه تحالفًا دفاعيًا، أخفق في أكثر من مناسبة في حماية المصالح الأوروبية المباشرة، سواء في شرق المتوسط أو في حالات تهديد ناقلات النفط الأوروبية، حيث وجدت الدول الأوروبية نفسها مطالبة بتحمّل كلفة الحماية مرتين: الأولى عبر مساهماتها في ميزانية الناتو، والثانية من خلال ترتيبات أمنية إضافية خارج إطار الحلف.

    وأوضح عناني أن هذه المفارقة تطرح سؤالًا جوهريًا حول من يحمي من داخل الناتو، ولصالح من تُدار أولويات الحلف في لحظات الاختبار الأمني الفعلي.

    اقرأ أيضًا: أنصار ترامب وأوروبا.. صدام قيم يتجاوز السياسة

    تراجع الأهمية النسبية لأوروبا في الحسابات الاستراتيجية

    الأزمة الحالية، بحسب عناني، تعكس لحظة مفصلية في تاريخ التحالف الأطلسي، فالولايات المتحدة، خاصة في ظل عودة ترامب أو صعود التيار ذاته داخل السياسة الأمريكية، تتجه نحو التركيز على نصف الكرة الغربي ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، باعتبارهما مسرحَي الصراع الأساسيين في العقود المقبلة، ما يعني تراجع الأهمية النسبية لأوروبا في الحسابات الاستراتيجية الأمريكية.

    ويرى عناني أن هذا التحول يفرض على أوروبا خيارًا صعبًا: إما الاستمرار في الاعتماد على مظلة أمريكية متآكلة، أو الشروع الجدي في بناء قدرة دفاعية واستراتيجية مستقلة، غير أن هذا المسار الأخير يواجه تحديات هائلة، من بينها الانقسامات السياسية داخل الاتحاد الأوروبي، وتباين أولويات الدول الأعضاء، وصعود التيارات الشعبوية واليمينية المتطرفة، فضلًا عن القيود الاقتصادية والمالية.

    وفي هذا الإطار، لا يستبعد عناني أن نشهد خلال السنوات المقبلة محاولات أوروبية لإعادة تشكيل العلاقة داخل الناتو، عبر بناء “جناح أوروبي” أكثر استقلالية، قادر على الدفاع عن القارة ضمن إطار الحلف، لكن دون الارتهان الكامل للقرار الأمريكي، غير أنه يحذر من أن نجاح هذا السيناريو يتطلب إرادة سياسية موحدة، واستثمارات ضخمة في الصناعة العسكرية الأوروبية، وهي شروط لم تتوافر بعد بالقدر الكافي.

    ويزداد المشهد تعقيدًا مع مؤشرات تقارب أمريكي–روسي محتمل، وتصريحات روسية عن إمكانية عودة العلاقات مع واشنطن إلى طبيعتها، ما يثير مخاوف أوروبية من أن يتم التوصل إلى تفاهمات كبرى على حساب الأمن الأوروبي. وفي ظل هذه المعادلة، تجد أوروبا نفسها محاصرة بين تراجع الالتزام الأمريكي، وتصاعد التهديدات الروسية، والمنافسة الاقتصادية الصينية، دون امتلاك أدوات كافية لإدارة هذا المثلث المعقد.

    هل لا تزال أوروبا شريكًا استراتيجيًا متكافئًا للولايات المتحدة؟

    يرى الدكتور أحمد عناني أن أزمة تصريحات ترامب بشأن أفغانستان ليست سوى عرض لمرض أعمق يعاني منه النظام الأطلسي، يتمثل في اختلال ميزان المصالح وتباعد الرؤى بين ضفتي الأطلسي.

    ويخلص إلى أن مستقبل الناتو لن يحسم عبر تصريحات إعلامية أو سجالات سياسية، بل عبر إجابة واضحة عن سؤال جوهري: هل لا تزال أوروبا شريكًا استراتيجيًا متكافئًا للولايات المتحدة، أم أنها تتحول تدريجيًا إلى ساحة تدار فيها صراعات القوى الكبرى؟

    واختتم عناني تصريحاته قائلاً: “إن العالم يدخل مرحلة انتقالية لم تعد فيها التحالفات التقليدية ثابتة أو مضمونة، وإن أوروبا، إذا لم تدرك حجم التحول الجاري، قد تجد نفسها على هامش نظام دولي جديد تعاد فيه صياغة موازين القوة، بعيدًا عن القواعد التي حكمت النصف الثاني من القرن العشرين”.

    اقرأ أيضًا: أوروبا تلوّح بسلاح الرسوم أمام ترامب بسبب غرينلاند