أبلغت الحكومة الصينية القاهرة رسميًا بقرارها إعفاء السلع المصرية من الجمارك عند دخولها السوق الصينية، في خطوة وصفت بأنها تحول استراتيجي في مسار التعاون التجاري والاستثماري بين البلدين، ودفعة مباشرة لتعزيز حضور المنتجات المصرية داخل أحد أكبر الأسواق الاستهلاكية في العالم.
وجاء الإعلان على لسان السفير الصيني في القاهرة ليا وليتشيانغ خلال مشاركته في منتدى الاستثمار المصري-الصيني، حيث أكد أن الصين تعد الشريك التجاري الأكبر لمصر للعام الثالث عشر على التوالي، مشيرًا إلى عمق العلاقات الاقتصادية الممتدة بين الجانبين، والتوافق على تعزيز التعاون في مختلف القطاعات الصناعية والاستثمارية والتكنولوجي.
تعزيز الثقة الاقتصادية بين مصر والصين
قال السفير الصيني إنَّ القرار الجديد يمثل “رسالة ثقة” في قدرة المنتج المصري على المنافسة، خصوصًا بعدما استقبلت الصين خلال الفترة الأخيرة دفعات من السلع المصرية ذات الجودة العالية مثل التمر والفراولة المجمدة، معتبرًا ذلك مؤشرًا مهمًا على أن السلع المصرية تمتلك مقومات النفاذ الناجح إلى السوق الصينية.
أضاف وليتشيانغ أنَّ الصين من أكثر الدول نشاطًا في الاستثمار داخل مصر، حيث تعمل أكثر من 2800 شركة صينية في السوق المصرية، إلى جانب المنطقة الصناعية الصينية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس التي تضم نحو 190 شركة بإجمالي استثمارات تتجاوز 3 مليارات دولار، وأكد أن وجود هذا الحجم المتزايد من الشركات يعكس مستوى الثقة المتبادلة بين القاهرة وبكين، ويدعم مسيرة التنمية الاقتصادية في مصر عبر خلق وظائف ونقل خبرات تكنولوجية وتوسيع قاعدة الصناعات التحويلية.
وأوضح السفير أنَّ الصين ستواصل دعم مصر في قطاعات استراتيجية تشمل الطاقة المتجددة، والصناعات التحويلية، والخدمات اللوجستية، بما يدعم أهداف التنمية المستدامة في البلدين، ويعزز فرص نجاح المشروعات المشتركة الحالية والمستقبلية، وقال إن قرار إعفاء السلع المصرية من الرسوم الجمركية يأتي في إطار توسيع نطاق الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي بدأت منذ عام 2014 وتطورت في 2022 خلال زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر.
وأشار إلى أن القرار يتسق مع توجه الصين من خلال مبادرة “الحزام والطريق” لتوسيع تجارتها مع الدول النامية وبخاصة إفريقيا، موضحًا أن بيانات وزارة التجارة الصينية كشفت أن حجم التبادل التجاري بين مصر والصين بلغ 9.6 مليار دولار في 2024، مع توقعات ببلوغه 15 مليار دولار بحلول 2030، وشدد على أن الخطوة تمثل بداية مرحلة أكثر شمولًا في تطوير العلاقات الاقتصادية وتوسيع صادرات مصر إلى السوق الصينية.
أهمية إعفاء السلع المصرية من الجمارك
أكدت الدكتورة شيماء وجيه، الخبيرة الاقتصادية، أن قرار الحكومة الصينية بإعفاء السلع المصرية من الجمارك، يمثل تحولًا مهمًا في العلاقات الاقتصادية بين البلدين، ويعكس إدراك بكين لأهمية مصر الإقليمية والدولية، وللقدرات الإنتاجية المتطورة التي استطاعت الدولة المصرية بناءها خلال السنوات الماضية.
وأضافت أنَّ الرسوم التي كانت تفرض سابقًا على السلع المصرية كانت تختلف بحسب البند الجمركي (HS Code)، وتتراوح بين 5% و50% لبعض المنتجات، فيما كان المتوسط المرجح يدور بين 5% و20%. واعتبرت الدكتورة أن إزالة هذه الرسوم تمنح المنتجات المصرية “ميزة تنافسية غير مسبوقة” داخل سوق يضم ربع سكان العالم.
وأوضحت وجيه أنَّ الميزان التجاري بين مصر والصين يميل بشدة لصالح الصين؛ إذ تتراوح الصادرات المصرية بين 1.8 و2 مليار دولار فقط، مقابل واردات صينية تتجاوز 15.7 إلى 18 مليار دولار سنويًا، وقالت إن القرار الصيني “يمثل نافذة حقيقية لإعادة التوازن التجاري”، ويتيح لمصر فرصة للتوسع في صادراتها بشرط تحسين الطاقة الإنتاجية والتعبئة وربط سلاسل الإمداد بالمعايير الصينية.
مواءمة المعايير المصرية مع المتطلبات الصينية
أشارت الدكتورة شيماء وجيه إلى أنَّ الدولة المصرية عملت على مواءمة المواصفات القياسية للمنتجات الصناعية والزراعية مع المعايير الصينية، وهو ما سهّل إجراءات الفحص والقبول والجودة، ومهّد الطريق لهذه الخطوة، وأكدت أن قطاعات الحاصلات الزراعية مثل البرتقال والعنب والبلح والفراولة المجمدة، ومواد البناء مثل الرخام والجرانيت، إضافة إلى الألياف الطبيعية والقطن طويل التيلة، ستكون أول المستفيدين من القرار، لأن هذه المنتجات تمتلك طلبًا قائمًا بالفعل داخل السوق الصينية.
ولفتت إلى أنَّ الصين تعد أكبر مستورد عالمي للقطن المصري طويل التيلة، كما تستورد كميات كبيرة من الكتان والألياف النسجية الطبيعية، مؤكدة أن هذه المنتجات يمكن أن تشهد قفزة كبيرة في حجم صادراتها خلال الفترة المقبلة، خاصة مع إعفاء الرسوم الجمركية.
وفي جانب آخر، أشارت الدكتورة شيماء إلى أن عدد الشركات الصينية العاملة في مصر تجاوز 3,000 شركة بإجمالي استثمارات يقارب 9 مليارات دولار، أغلبها في الصناعات التكاملية والملابس الجاهزة، وقالت إن هذه الشركات ستكون من أكبر المستفيدين من القرار لأنها تعتمد على استيراد خامات من الصين ثم إعادة التصدير من مصر، وبالتالي فإن الإعفاء سيزيد من تنافسية منتجاتها داخل السوق الصينية ذاتها.
ولفتت الخبيرة الاقتصادية إلى أن الثورة الزراعية التي شهدتها مصر خلال السنوات الأخيرة هي أحد أسباب اهتمام الصين المتزايد بالسلع المصرية، مشيرة إلى التوسع في الرقعة الزراعية، وتطوير نظم الري، وتبطين الترع، وتدوير المياه، وتوطين البذور عالية الإنتاجية، والتوسع في الصوب الزراعية المتقدمة، كلُّها عوامل عزَّزت الجودة ورفعت إنتاجية الحاصلات الزراعية المصرية.
دوافع التوسع الصيني في السوق المصرية
في سياق متصل، صرح الدكتور محمد الشوربجي، الخبير الاقتصادي، أنَّ إعفاء السلع المصرية من الجمارك يعتبر “خطوة محورية” لأنها تأتي من أكبر شريك تجاري لمصر منذ أكثر من عقد. وأشار الشوربجي إلى أن هذا القرار سيسهم في تعزيز تدفّق الصادرات المصرية إلى الصين ويدعم توسع الشراكات بين القطاع الخاص في البلدين، مما يعمّق التعاون الصناعي ويفتح مجالات جديدة أمام مجتمع الأعمال المصري.
وأضاف الشوربجي أن مصر بَنَت خلال السنوات الماضية شبكة علاقات قوية ومتوازنة مع القوى الاقتصادية الكبرى، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي وتكتل نافتا وتجمع بريكس، الذي يضم الصين وروسيا والبرازيل والهند وجنوب إفريقيا وإيران وإثيوبيا والإمارات وإندونيسيا، ما وضع مصر في موقع قوي يسمح لها بالاستفادة من القرارات الاستراتيجية مثل الإعفاء الجمركي الصيني.
وأوضح أن المنتجات الزراعية والغذائية المصرية، إلى جانب الأسمدة، تأتي ضمن أهم السلع المصدرة للأسواق العالمية ومنها الصين، نتيجة الطفرة الزراعية التي حققتها مصر عبر تحسين كفاءة استخدام الأرض والمياه، وأكد أن هذه الطفرة لم تكن لتتحقق دون سياسات واضحة للتوسع الزراعي وتطوير البنية التحتية ودعم سلاسل القيمة الصناعية.
وختم الدكتور محمد الشوربجي بالقول إن القرار الصيني يأتي في وقت بدأت فيه ملامح تعافي الاقتصاد المصري من آثار التضخم العالمية، ما يشكل قاعدة صلبة لزيادة الصادرات المصرية وجذب استثمارات جديدة وتوسيع التعاون الاقتصادي مع الصين.
اقرأ أيضًا: أسباب تأخر الطروحات الحكومية المصرية.. قراءة في حسابات الدولة والسوق
