اقتصادات عربية

    هل يدعم جهاز مستقبل مصر الإنتاج المحلي ويقلل الاستيراد؟

    بقلم نهلة فياض••آخر تحديث •7 دقائق
    جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة.

    يناقش مجلس النواب خلال جلسته العامة غدًا الاثنين، 13يوليو 2026، مشروع القانون المقدم من الحكومة بشأن إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، باعتباره كيانًا ذا طبيعة خاصة، يتمتع بقدر من المرونة الإدارية والمالية، بما يتيح له استخدام آليات أكثر كفاءة وإجراءات أكثر تيسيرًا.

    وفي هذا السياق، قال الدكتور رضا عبد السلام، الخبير الاقتصادي، إن إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة يمكن أن تمثل خطوة مهمة نحو بناء كيان اقتصادي وطني قادر على إدارة الأصول العامة، وتوجيه الاستثمارات إلى القطاعات الاستراتيجية، وتعزيز قدرة الدولة على التعامل مع التحديات المرتبطة بالغذاء والطاقة والإنتاج.

    وأوضح أن إنشاء الصناديق السيادية والكيانات الاقتصادية والاستثمارية الكبرى يعد نموذجًا معمولًا به في العديد من دول العالم، بهدف إدارة الأصول العامة وتوجيه الاستثمارات إلى المجالات ذات الأولوية، مشيرًا إلى أن نجاح هذه الكيانات يرتبط بوضوح أهدافها، وكفاءة إدارتها، وتطبيق معايير الشفافية والحوكمة والمتابعة.

    الأبعاد المؤسسية لقانون "مستقبل مصر"

    وأشار عبد السلام إلى أن مشروع القانون يتضمن 13 مادة إصدار، إلى جانب نحو 82 مادة تفصيلية تشمل عددًا كبيرًا من الاختصاصات والصلاحيات، وهو ما يعكس اتساع نطاق عمل الجهاز وأهمية دراسته من جميع جوانبه الاقتصادية والمؤسسية بصورة متأنية.

    وأضاف أن إتاحة الوقت المناسب لمناقشة المشروع تساهم في الوصول إلى أفضل صياغة ممكنة، وتساعد على تحديد العلاقة بين الجهاز ومؤسسات الدولة والقطاع الخاص والجهات الرقابية، بما يضمن تكامل الأدوار ورفع كفاءة التنفيذ.

    وأكد أن الملاحظات المطروحة بشأن المشروع تستهدف دعم فكرة الجهاز وتعزيز فرص نجاحه، من خلال وضع إطار واضح يحقق التوازن بين المرونة المطلوبة لتنفيذ المشروعات وبين الالتزام بالقواعد المنظمة للعمل الاقتصادي والاستثماري.

    اقرأ أيضًا: برنامج مصر الوطني بعد صندوق النقد.. مفاتيح التعافي

    ماذا تتعلم مصر من تجارب الصين والنرويج؟

    وقال عبد السلام إن إنشاء كيان اقتصادي واستثماري وطني كبير يمكن أن يمثل إضافة مهمة للاقتصاد المصري، خاصة أن دولًا مثل الصين والنرويج وسنغافورة وروسيا والولايات المتحدة اعتمدت على صناديق ومؤسسات استثمارية ضخمة في إدارة الأصول العامة وتمويل التنمية وتأمين الاحتياجات الاستراتيجية.

    وأوضح أن الاستفادة من هذه التجارب تتطلب تحديد الإطار المؤسسي لعمل الجهاز وآليات متابعة أدائه وقياس نتائجه، مع توفير قدر مناسب من الإفصاح عن الأنشطة والاستثمارات والعوائد المحققة.

    كما أشار إلى أن التجربة الاقتصادية المصرية خلال العقود الماضية أظهرت أهمية التكامل بين دور الدولة ودور القطاع الخاص لتحقيق التحول الصناعي المنشود، مؤكدًا أن القطاع الخاص يمثل شريكًا رئيسًا في الاستثمار والإنتاج والتشغيل، بينما تستطيع الكيانات الوطنية الكبرى قيادة المشروعات الاستراتيجية وطويلة الأجل.

    وأوضح أن تقييم مساهمة مختلف الأطراف في التنمية يجب أن يعتمد على حجم الإنتاج والصادرات الصناعية، ومدى التوسع في الصناعات الاستراتيجية والمدن الصناعية المتخصصة، إلى جانب حجم الاستثمارات وفرص العمل التي يتم توفيرها.

    ولفت إلى أن الصادرات المصرية تدور، وفق الأرقام المشار إليها، حول 47 أو 48 مليار دولار، مقابل واردات تقترب من 85 مليار دولار، بينما يعتمد جانب من الصادرات على المواد الخام أو المنتجات محدودة القيمة المضافة، في حين تستورد مصر كميات كبيرة من السلع الإنتاجية والرأسمالية ومدخلات التصنيع.

    وأضاف أن هذه المؤشرات تؤكد أهمية توجيه مزيد من الاستثمارات إلى الصناعات الثقيلة والمتقدمة والصناعات المغذية، وزيادة إنتاج المكونات المحلية، بما يساعد على خفض الواردات وتعزيز الصادرات ورفع القيمة المضافة للمنتج المصري.

    وأوضح عبد السلام أن التجربة الصينية حققت نجاحًا من خلال الجمع بين دور الدولة والكيانات الاقتصادية الكبرى ونشاط القطاع الخاص، مع توجيه الاستثمارات إلى القطاعات التي تمثل أولوية اقتصادية واستراتيجية.

    واستشهد بتجربة صندوق الثروة السيادي النرويجي، الذي يعد من أكبر الصناديق السيادية في العالم، وتقترب أصوله من نحو 1.7 تريليون دولار، ويستثمر في قرابة 9 آلاف شركة موزعة على أكثر من 70 دولة، بما في ذلك بعض الاستثمارات داخل مصر.

    وأشار إلى أن نجاح الصندوق النرويجي يرتبط بحجم أصوله واستثماراته، إلى جانب تطبيق نظام متكامل للإدارة والرقابة والشفافية والإفصاح، وإتاحة بيانات تفصيلية عن الاستثمارات والأداء والعوائد.

    وقال إن مصر تستطيع الاستفادة من التجارب النرويجية والصينية والسنغافورية وغيرها، واختيار ما يتناسب مع طبيعة الاقتصاد المصري وأهدافه التنموية، خاصة فيما يتعلق بإدارة الأصول وتنويع الاستثمارات وتحقيق عوائد طويلة الأجل.

    اقرأ أيضًا: ماذا يعني تمديد اتفاق تبادل العملات بين مصر والصين للاقتصاد المصري؟

    دور الجهاز في تأمين الغذاء وتوطين الدواء

    وفي السياق ذاته، أكد عبد السلام أن وجود كيان اقتصادي وطني كبير يمكن أن يساعد على تكوين رؤية شاملة لخريطة الموارد والأصول والمشروعات، وتوجيه الاستثمارات بصورة متكاملة، وتحقيق قدر أكبر من التنسيق بين القطاعات الاقتصادية المختلفة.

    وأضاف أن السنوات الماضية شهدت تحديات مرتبطة بتوافر بعض السلع الغذائية واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، ما يؤكد أهمية وجود خطط متكاملة للأمن الغذائي والطاقة والإنتاج الزراعي والصناعي.

    وأشار إلى أن جهاز مستقبل مصر يمكن أن يؤدي دورًا مهمًا في توفير السلع الاستراتيجية، وزيادة معدلات الاكتفاء الذاتي، واستغلال الأصول العامة وإدارتها بكفاءة، بما يحقق عوائد اقتصادية مستدامة.

    وشدد على أهمية أن يمتلك الجهاز خطة واضحة لتوطين الصناعات الاستراتيجية، وفي مقدمتها صناعة الدواء، خاصة أن نسبة كبيرة من الأدوية المنتجة محليًا تعتمد على مواد خام ومدخلات إنتاج مستوردة، رغم وجود عدد كبير من المصانع العاملة في القطاع.

    وأوضح أن تطوير صناعة دوائية متكاملة يتطلب التوسع في إنتاج المواد الفعالة ومستلزمات الإنتاج محليًا، إلى جانب دعم البحث والتطوير ونقل التكنولوجيا، بما يقلل الاعتماد على الاستيراد ويرفع القدرة التصديرية للقطاع.

    وقال إن الأمر نفسه ينطبق على صناعات الطاقة والغذاء والزراعة، خاصة في ظل استيراد مصر كميات كبيرة من القمح والسلع الغذائية الأساسية، وهو ما يجعل زيادة الإنتاج الزراعي وتحسين الإنتاجية من الأولويات الاقتصادية المهمة.

    وطالب عبد السلام بأن تتضمن استراتيجية الجهاز أهدافًا واضحة لتحقيق مستويات أعلى من الاكتفاء الذاتي من السلع الأساسية والمواد الصناعية، إلى جانب الاستثمار في المشروعات التي تحقق عائدًا ماليًا واقتصاديًا للدولة.

    وأضاف أن بعض الصناعات الاستراتيجية تحتاج إلى استثمارات طويلة الأجل ورؤوس أموال كبيرة، وقد لا تحقق عوائد سريعة، ولذلك يمكن للجهاز أن يؤدي دورًا داعمًا في إطلاق هذه المشروعات بالشراكة مع القطاع الخاص والمستثمرين.

    الشراكة بين الجهاز والقطاع الخاص

    وأشار عبدالسلام إلى أهمية وضع قواعد واضحة تضمن المنافسة المتوازنة داخل السوق، بحيث تساعد المزايا والمرونة الممنوحة للجهاز على تنفيذ المشروعات الاستراتيجية دون التأثير سلبًا في قدرة شركات القطاع الخاص على العمل والاستثمار.

    وأضاف أن تحقيق الحياد التنافسي وتشجيع الشراكات بين الجهاز والقطاع الخاص يمكن أن يساهما في توسيع النشاط الاقتصادي، وجذب الاستثمارات، ونقل التكنولوجيا، ورفع كفاءة سلاسل الإنتاج والتوريد.

    كما أكد عبد السلام أن العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص يجب أن تقوم على التكامل والشراكة، وليس على إحلال طرف محل آخر، بحيث تتولى الدولة والكيانات التابعة لها دعم المشروعات الاستراتيجية، بينما يشارك القطاع الخاص في التمويل والإنتاج والتشغيل والتطوير.

    وأوضح أن القطاع الخاص يستطيع قيادة عدد كبير من الأنشطة عندما تكون السوق منظمة، وتتوفر قواعد منافسة عادلة، ومعلومات واضحة، وبيئة استثمارية مستقرة، فيما يمكن للدولة التدخل لدعم القطاعات التي تحتاج إلى استثمارات كبيرة أو فترات طويلة لتحقيق العائد.

    وأوضح أن تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي يعد أمرًا معمولًا به حتى في الاقتصادات الرأسمالية، عندما تواجه الأسواق صعوبات في توفير بعض السلع والخدمات أو التعامل مع الأزمات بالسرعة المطلوبة، وهو ما يعرف اقتصاديًا بـ"فشل السوق".

    وأشار إلى أن الحروب والأزمات الغذائية واضطراب أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد قد تتطلب وجود كيانات اقتصادية قوية، قادرة على التحرك السريع لضمان توافر السلع واستمرار الإنتاج وتلبية الاحتياجات الأساسية.

    اقرأ أيضًا: هل تتراجع البورصة المصرية لسوق مبتدئة؟ الأبعاد والتداعيات

    آليات المتابعة والحوكمة في جهاز مستقبل مصر

    وقال عبدالسلام إن كيانًا بحجم جهاز مستقبل مصر يمكنه الاستفادة من “اقتصاديات الحجم الكبير”، وذلك من خلال إدارة مشروعات واسعة وشراء المستلزمات والتكنولوجيا بكميات كبيرة، بما يساهم في خفض متوسط التكلفة ورفع كفاءة التشغيل.

    وأكد أهمية وجود منظومة متكاملة لمتابعة أداء الجهاز ومراجعة نتائجه المالية والاستثمارية، بما يتوافق مع الممارسات الدولية في إدارة الصناديق والكيانات الاقتصادية الكبرى.

    ولفت إلى أن الصندوق السيادي النرويجي يعمل وفق منظومة رقابية واضحة، كما يخضع استخدام جزء من عوائده لصالح الموازنة العامة لقواعد محددة، بينما ترتبط الكيانات الاستثمارية الصينية بالمؤسسات المركزية للدولة.

    وشدد على أهمية حماية حقوق الملكية الخاصة وحقوق المواطنين والمستثمرين والمتعاملين مع الجهاز، وتوفير آليات واضحة لتسوية النزاعات والحفاظ على مصالح جميع الأطراف.

    وأوضح أن تطبيق قواعد الحوكمة يساعد على تحقيق التوازن بين سرعة اتخاذ القرارات الاستثمارية والحفاظ على الأصول العامة وحسن إدارتها، بما يدعم استدامة المشروعات ويعزز ثقة المستثمرين.

    وأضاف أن مفهوم التنمية المستدامة يقوم على الحفاظ على أصول الدولة ومواردها، وتحقيق التوازن بين الاستفادة من الموارد في الوقت الحالي مع ضمان استمرارها للأجيال القادمة.

    وأشار إلى أن تجميع الأصول وإدارتها وفق معايير احترافية يمكن أن يكون خطوة إيجابية، كما أن منح الجهاز قدرًا مناسبًا من المرونة الإدارية والمالية قد يساعد على جذب الكفاءات وتسريع تنفيذ المشروعات.

    مؤشرات النجاح الحقيقية

    وطالب عبد السلام بتطبيق مستويات مرتفعة من الشفافية في عمل جهاز مستقبل مصر، من خلال نشر بيانات الأصول والاستثمارات والعوائد والنتائج المالية بصورة دورية، بما يتيح تقييم أدائه وقياس مدى تحقيقه للأهداف المحددة.

    وأشار إلى أن الأصول التي يديرها الجهاز تمثل موارد عامة، ولذلك يجب توجيه عوائدها إلى دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتحسين الخدمات، وزيادة الإنتاج، والحفاظ على حقوق الأجيال الحالية والمقبلة.

    وأوضح أن النقاش العام بشأن الجهاز ينبغي أن يركز على الجوانب الاقتصادية والفنية، وعلى كيفية تعظيم العائد من الأصول العامة ورفع كفاءة الاستثمار، بعيدًا عن حالة الاستقطاب بين التأييد الكامل والرفض المسبق.

    ومن ناحية أخرى، أكد عبد السلام أن المواطن المصري يتطلع إلى رؤية نتائج ملموسة للمشروعات التنموية، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القوة الشرائية، .

    وأوضح أن نجاح جهاز مستقبل مصر لن يقاس فقط بحجم الأراضي أو الشركات أو الأصول التابعة له، وإنما بقدرته على دعم الإنتاج، وتوفير فرص العمل للمواطنين، وزيادة الصادرات، وخفض الواردات، وتحقيق عوائد تدعم الموازنة العامة وتنعكس على مستوى معيشة المواطنين.

    قد يهمّك أيضًا: لماذا ثبت المركزي المصري أسعار الفائدة للمرة الثالثة؟