تترقب الساحة السياسية البريطانية مرحلة جديدة عقب إعلان رئيس الوزراء كير ستارمر استقالته وتحديد الجدول الزمني لمغادرة منصبه، بعد اتساع الضغوط داخل حزب العمال وتبدل نبرة الوزراء الذين تحولوا من الدفاع عن بقائه إلى التمهيد لرحيله.
ورغم أن ستارمر كان يؤكد في كل مناسبة أنه لن ينسحب، وأنه مستعد لخوض أي معركة على قيادة الحزب، فإن الساعات الأخيرة كشفت تغيراً واضحاً في حسابات الحكومة والحزب معاً، فداخل الدوائر العمالية لم يعد النقاش يدور فقط حول تراجع شعبية الحكومة أو صعوبة مواجهة المعارضة، بل حول حتمية تنحي ستارمر لمنع تفاقم الأزمة.
ضغط من داخل الحزب لا من المعارضة فقط
خلال الأشهر الماضية، تراكمت الأزمات حول رئيس الوزراء البريطاني، فقد واجه صعوبات في تنفيذ وعوده الخاصة بتحريك الاقتصاد، وإصلاح الخدمات العامة، وتخفيف أعباء المعيشة، بينما زادت الأخطاء السياسية من ضعف موقعه داخل الحزب.
لكن التحول الأهم جاء من داخل الحكومة نفسها، فتصريحات وزير الأعمال بيتر كايل عكست نبرة مختلفة، حين ألمح إلى أن ستارمر سيتخذ القرار الذي يصب في مصلحة البلاد، وهو ما مهد عملياً لقرار الاستقالة في ظل الحقائق السياسية القائمة.
هذه العبارة فُهمت داخل حزب العمال على أنها تمهيد لاحتمال فتح باب الخروج المنظم، لا مجرد دفاع تقليدي عن رئيس الوزراء. وكانت الأحاديث المتداولة قبل التنحي قد أكدت أن عدداً من الوزراء أبلغوا ستارمر صراحة بضرورة الاستقالة، وهو ما عكس تراجع سلطته الفعلية وتسارع وتيرة خروجه من رئاسة الحكومة.
اقرأ أيضًا: الأزمة الاقتصادية في بريطانيا تتصاعد.. ضرائب قياسية وموازنة صعبة
فوز بيرنهام يفتح باب البديل
جاءت انتخابات ماكرفيلد الفرعية لتمنح الضغوط على ستارمر دفعة حاسمة، فقد حقق آندي بيرنهام، عمدة مانشستر الكبرى السابق، وأحد أبرز وجوه حزب العمال، فوزاً مريحاً أعاده إلى مجلس العموم، وفتح أمامه الطريق عملياً لتحدي ستارمر على قيادة الحزب.
ولم يكن فوز بيرنهام مجرد انتصار محلي؛ فبالنسبة إلى نواب حزب العمال القلقين من صعود حزب "ريفورم يو كيه" بقيادة نايجل فاراج كان فوزه دليلاً على أن بيرنهام قادر على مواجهة هذا التحدي انتخابياً، فقد حصل على نحو 55% من الأصوات، متقدماً بأكثر من 9 آلاف صوت على مرشح "ريفورم يو كيه" الذي جاء في المركز الثاني.
وبعد إعلان النتيجة، قدّم بيرنهام نفسه باعتباره وجهاً قادراً على تغيير مسار الحزب والحكومة، وقال في خطاب الفوز إن الجميع يشعر بأن السياسة لا تعمل كما ينبغي، وأن البلاد ليست في المكان الذي يجب أن تكون فيه، معتبراً أن تلك الليلة قد تكون نقطة تحول.
هذه الرسالة وصلت بوضوح إلى نواب حزب العمال، فبيرنهام لم يعد مجرد شخصية شعبية خارج البرلمان، بل أصبح نائباً قادراً على دخول سباق القيادة رسمياً، ويحظى بزخم سياسي يصعب تجاهله.
سيناريوهات انتقال السلطة في بريطانيا
مع إعلان ستارمر رسمياً عن جدول تنحيه، يتركز السؤال الآن داخل حزب العمال حول طريقة اختيار خليفته، وما إذا كان بيرنهام سيصل إلى القيادة عبر منافسة مفتوحة أم بتوافق داخلي واسع.
هُنا يُطرح اسم ويس ستريتينغ، وزير الصحة البريطاني السابق، باعتباره منافساً محتملاً في حال فتح باب السباق، لكن حلفاءه يشيرون الآن إلى أن المرحلة قد تحتاج إلى محادثات بين المرشحين المحتملين حول شكل المستقبل، لا إلى معركة داخلية طويلة تستنزف الحزب والحكومة.
وتبقى العقبة التنظيمية حاضرة أمام أي مرشح جديد، إذ يحتاج من يرغب في دخول السباق إلى تأمين دعم 81 نائباً للوصول إلى ورقة اقتراع القيادة، ومع سرعة التطورات واتساع التأييد لبيرنهام قد يجد أي منافس محتمل نفسه أمام وقت محدود لبناء كتلة داعمة.
أما داخل الكتلة البرلمانية لحزب العمال، فهناك خلاف آخر لا يقل أهمية، وهو مدة الانتقال، فبعض المقربين من بيرنهام يفضلون انتقالاً قرب موعد المؤتمر السنوي للحزب في أواخر سبتمبر، باعتبار أن ذلك يمنحه وقتاً لترتيب فريقه والاستعداد للحكم. وفي المقابل، يرى آخرون أن انتظاراً يمتد ثلاثة أشهر سيترك الحكومة في حالة فراغ سياسي، ويفتح الباب أمام تكهنات يومية حول خطط بيرنهام وفريقه الوزاري.
وقال أحد الوزراء إن طول المرحلة الانتقالية قد يربك فرصة بيرنهام في تقديم نفسه للجمهور، لأن الجدل سيتركز على التكهنات بدلاً من برنامجه السياسي.
وزارة الخزانة تختبر اتجاه الحكومة
حتى قبل حسم مصير ستارمر، بدأ النقاش داخل حزب العمال ينتقل إلى شكل الحكومة المحتملة إذا وصل بيرنهام إلى رئاسة الوزراء، والسؤال الأكثر حساسية يدور حول هوية وزير الخزانة المقبل، لأن هذا الاختيار سيعطي أول إشارة واضحة إلى الاتجاه الاقتصادي والسياسي للحكومة الجديدة.
وخلال الأيام الأخيرة، دار الحديث داخل الحزب عن أسماء عدة، بينها إد ميليباند، وزير الطاقة والزعيم السابق لحزب العمال، وشبانة محمود، وزيرة الداخلية، لكن التوقعات تميل الآن إلى بقاء شبانة محمود في موقعها الحالي إذا تولى بيرنهام رئاسة الحكومة، ما يجعل اسم ميليباند أكثر حضوراً في نقاشات وزارة الخزانة.
هذا الاحتمال يثير قلق الجناح اليميني داخل حزب العمال، الذي يعتبر تعيين ميليباند في هذا المنصب تحولاً واضحاً نحو اليسار، وقال أحد الوزراء إن اختيار ميليباند قد يدفع نحو 100 نائب من حزب العمال إلى الغضب منذ البداية، كما حثت شارون غراهام، الأمينة العامة لنقابة "يونايت"، بيرنهام علناً على عدم تعيينه في هذا المنصب.
في المقابل، التزم بيرنهام وحلفاؤه الصمت خلال عطلة نهاية الأسبوع، في محاولة لترك مساحة لستارمر كي يراجع نتيجة ماكرفيلد ويحدد موقفه من دون ضغوط علنية إضافية.
وبعد حسم ستارمر لقراره وإبلاغ الحزب باستقالته بعد أقل من عامين على فوزه الكبير في 2024، يقف حزب العمال أمام لحظة فارقة لترتيب بيته الداخلي واستعادة المبادرة السياسية. ويرى مراقبون أن خطوة الاستقالة فتحت الباب أمام انتقال منظم للقيادة يتيح لبيرنهام تولي المسؤولية وتفادي معركة داخلية طويلة.
اقرأ أيضًا: أزمة غير مسبوقة.. نصف جامعات بريطانيا في مرمى الإفلاس
