حملت زيارة مدير صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، لمصر في طياتها إشادة ببرنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تنفذه مصر، وجاءت هذه الزيارة في وقت تواجه فيه المنطقة تحديات اقتصادية كبيرة، ما جعل الحوار حول الاشتراطات المفروضة على مصر وبرنامج التعاون المشترك أكثر أهمية من أي وقت مضى.
مفاوضات مصر مع صندوق النقد لتخفيف الاشتراطات
على هامش الزيارة، ناقشت الحكومة المصرية مع الصندوق إمكانية تخفيف بعض المعايير أو تمديد فترة تنفيذها، في محاولة لتحقيق التوازن بين الإصلاحات الاقتصادية وتحقيق الاستقرار الاجتماعي.
رافق هذه المناقشات تصريحات لمدير الصندوق تؤكد على أهمية الجهود المصرية لخفض التضخم وزيادة مساهمة القطاع الخاص، مع الإشارة إلى الإنجازات التي حققتها مصر في هذا السياق، بما في ذلك تحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي وزيادة الاستثمارات الخاصة.
وسط هذه التحركات برزت مؤشرات داعمة، مثل استقرار الاحتياطي النقدي وتحسن تصنيفات مصر الائتمانية، ما يعزز من موقفها التفاوضي مع الصندوق ويدعم قدرتها على مواصلة الإصلاحات بشكل يلبي احتياجات التنمية ويحمي الفئات الأكثر تأثراً.
وفي تعليقه على الزيارة يقول الدكتور محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، إنّ زيارة مدير صندوق النقد الدولي إلى مصر أظهرت مجموعة من النقاط الهامة المتعلقة ببرنامج الإصلاحات الاقتصادية والاشتراطات التي فرضها الصندوق على الدولة المصرية، وقد أبدت مصر رغبتها في التخفيف من الاشتراطات التي فرضها الصندوق على مصر، أو تمديد فترة تنفيذ المعايير المحددة من قِبَله.
أهداف الإصلاح الاقتصادي ودور القطاع الخاص
أكدت كريستالينا غورغييفا على أهمية قيام مصر بخطوات حاسمة لخفض معدل التضخم، وزيادة مساهمة القطاع الخاص ضمن سياسة تُعرف بـ”سياسة ملكية الدولة”، بالإضافة إلى خفض معدلات الدين والاهتمام بالبعد الاجتماعي.
وأضاف الخبير في تصريحات خاصة لـ Econ-Pedia أنّ صندوق النقد الدولي أشاد بالاقتصاد المصري، ويتوقع أن يصل معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي لمصر إلى 4.2% خلال الفترة المقبلة، وهذا يُشير إلى قدرة الاقتصاد المصري على الصمود أمام التحديات العالمية التي أثرت على العديد من اقتصادات العالم، بما فيها الاقتصاد المصري، وانعكست في تراجع الإيرادات من بعض المصادر الأجنبية مثل قناة السويس، التي انخفضت إيراداتها بنسبة تصل إلى 70%.
ومن جانبه، أكد الدكتور محمد أنيس، الخبير الاقتصادي، أنَّ زيارة مديرة صندوق النقد الدولي لمصر، وتصريحاتها فى مؤتمر مع رئيس الوزراء تؤكد أنَّ مراجعة برنامج الصندوق مع مصر موضوع قابل للمناقشة، لافتًا إلى أنَّ مديرة صندوق النقد لم تتخذ القرار النهائي.
وأضاف أنَّ مصر تعمل بنظام مالي مرن، والذي يدور في نطاق 49 جنيهًا حتى نهاية 2025، منوهًا بأنَّ سعر الصرف بعد 2025 سيكون له العديد من الحسابات، وأنَّ زيادة مشاركة القطاع الخاص في العملية التجارية سيكون لها تأثير كبير على الاقتصاد المصري.
اقرأ أيضًا: “السيسي”.. هل يُعيد حسابات مصر مع صندوق النقد؟
الاعتبارات الاجتماعية في برامج الإصلاح الاقتصادي
شدد الخبير على ضرورة مراعاة الحكومة البعد الاجتماعي للمصريين في ظل الضغوط الناجمة عن تنفيذ تعليمات الصندوق، لا سيما فيما يتعلق بالدعم الاجتماعي، وقد أبدت مدير الصندوق تفهمها لهذه النقطة التي تُساهم في تخفيف الأعباء عن المواطنين خلال الفترة المقبلة وتًتيح تمديد فترة تنفيذ خطط الصندوق.
هذا التفهم يمنح المؤسسات الدولية ثقة أكبر، مما يُمكّن من جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية إلى مصر وتفعيل سياسة ملكية الدولة، الأمر الذي من شأنه أن ينعكس إيجابياً على الاقتصاد المصري.
مؤشرات الاقتصاد المصري الداعمة للموقف التفاوضي
قال الدكتور أحمد شوقى، الخبير المصرفي، إنّ هُناك مجموعة من الأمور تدعم لموقف الاقتصاد المصري وتجعله قادرًا على العمل مع الصندوق لمراجعة شروط البرنامج الإصلاحي للاقتصاد المصري، وعلى رأسها:
- تحسن موقف الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية ليقترب من 47 مليار دولار أمريكي.
- انخفاض الدين الخارجي للاقتصاد المصري ليصل إلى 152 مليار دولار أمريكي مقابل 168 مليار دولار أمريكي.
- استمرارية الاقتصاد المصري في مواجهة واحتواء التضخم بأدوات السياسة النقدية.
- إدراج 30% من أسهم المصرف المتحد في البورصة المصرية، مما يبرز التوجه نحو تنفيذ تخارج الدولة من المؤسسات المالية ضمن وثيقة سياسة ملكية الدولة.
- رفع مؤسسة “فيتش” للتصنيف الائتماني تصنيف مصر إلى B.
تأثير المؤشرات الاقتصادية على شروط الصندوق
أكد الخبير أنّ كل المؤشرات والدلالات الاقتصادية الإيجابية، في ظل التوترات الاقتصادية بمنطقة الشرق الأوسط، ستدعم موقف الاقتصاد المصري في مفاوضاته مع الصندوق لإرجاء بعض الشروط، مما سيسهم في استمرارية الاقتصاد المصري في تنفيذ البرنامج، خاصة ما يتعلّق بإرجاء رفع الدعم عن المحروقات لما له من أثر مباشر على ارتفاع الأسعار، وعدم التوجه إلى تحريك سعر الصرف في ظل السيطرة على السوق الموازي، وعدم ظهوره منذ الإجراءات المطبقة في مارس الماضي.
ستدعم هذه الخطوات قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة التضخم واستمرار تنفيذ الإصلاحات الهيكلية، والعمل نحو إشراك القطاع الخاص في شرايين الاقتصاد المصري، وزيادة معدلات التوظيف، وخفض البطالة، وتقليل معدلات الفقر.
للاطلاع على رؤية أوسع: زيارة مديرة صندوق النقد الدولي لمصر.. هل تحمل تعويم جديد؟
الشراكة المثمرة بين مصر وصندوق النقد
في مؤتمر صحفي مشترك عقد بمقر الحكومة في العاصمة الإدارية الجديدة، أشاد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، بالشراكة المثمرة بين مصر وصندوق النقد الدولي، والدعم الذي يقدمه الصندوق لمصر في خططها وبرامجها الوطنية للإصلاح الاقتصادي. وجاء المؤتمر بحضور السيدة كريستالينا غورغييفا، مدير عام الصندوق، والوفد المرافق لها، إلى جانب محافظ البنك المركزي وعدد من الوزراء.
وأكَّد مدبولي أن زيارة غورغييفا تأتي في بداية ولايتها الثانية، وهي رسالة مهمة تعكس الدعم المستمر لمصر، وبدوره قام بتهنئتها على إعادة تعيينها، مؤكداً أن هذا يعكس ثقة الدول والشركاء الدوليين في كفاءتها، كما أشار إلى لقاء مثمر مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، حيث تمَّت مناقشة مستقبل التعاون بين مصر وصندوق النقد الدولي.
أعلن مدبولي أن المراجعة الرابعة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي ستبدأ قريباً، مع بدء فريق الصندوق عمله بالتعاون مع الجهات المعنية في البنك المركزي والوزارات المختلفة.،وأعرب عن سعادته بوجود السيدة غورغييفا في العاصمة الإدارية الجديدة.
إشادة بالإنجازات وتأكيد على استمرارية الإصلاحات
أثنت غورغييفا على الرئيس والحكومة والشعب المصري لجهودهم الملحوظة في مواجهة التحديات الإقليمية، معربة عن تقدير الصندوق للشراكة العميقة مع مصر والدعم المقدم لتحقيق الاستقرار والتنمية الاقتصادية، وذكرت أن الصندوق زاد من حجم برنامجه مع مصر إلى 8 مليارات دولار في أبريل الماضي، مؤكدةً إدراك الصندوق لمدى التحديات التي تواجهها مصر والتزامها بتعزيز المرونة الاقتصادية.
ومن جهة أخرى، أشارت غورغييفا إلى نجاح مصر في تحقيق نظام مرن لسعر الصرف وزيادة دور القطاع الخاص بشكل يدعم النمو الاقتصادي ويوفر فرص العمل، خاصة للشباب، وأوضحت أن مصر بدأت تدريجياً في توجيه الدعم إلى الفئات المستحقة، مما أسهم في تعزيز الاستقرار الاقتصادي، كما توقعت ارتفاع معدل النمو إلى 4.2% للعام المالي 2024-2025، مع انخفاض التضخم إلى ما بين 16% و17% في نهاية العام المالي الحالي.
وفي سياق حديثها عن أهمية الإصلاحات، أكدت غورغييفا أن النتائج ستظهر في صورة اقتصاد أكثر ديناميكية، وأشارت إلى العاصمة الإدارية الجديدة كمثال للإصرار على تحقيق النجاح، كما أوضحت أن السياسات المستقبلية يجب أن تركز على تحقيق الاستقرار الاقتصادي، ودعم القطاع الخاص، وتعزيز السياسات الخضراء لتحقيق التنمية المستدامة، مشيرةً إلى سرعة التغيرات العالمية وأهمية المرونة والبحث عن الفرص لتحقيق مصلحة مصر.
قد يهمّك أيضًا: هل تنجح الحكومة المصرية في تخفيف الأعباء المالية على المواطن؟
