في خطوة تهدف إلى معالجة الوضع الاقتصادي المتدهور في سوريا، أعلنت حكومة تصريف الأعمال، عبر تصريحات وزير المالية محمد أبازيد، أنها تدرس بجدية خصخصة الشركات الحكومية في سوريا، وخاصة تلك التي تسجل خسائر كبيرة. تأتي هذه المبادرة في وقت تشهد فيه سوريا أزمة اقتصادية خانقة نتيجة الحرب المستمرة منذ سنوات، والتي أدت إلى تراجع الإنتاج وتآكل الإيرادات الحكومية، الأمر الذي يجعل هذه الشركات غير قادرة على تلبية احتياجات الدولة المالية.
وتسعى الحكومة السورية إلى إعادة بناء اقتصادها في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد، ومن بين القطاعات الأساسية التي سيتم التركيز عليها يأتي القطاع الصناعي الذي تعرض لخسائر كبيرة نتيجة الحرب، حيث أشار وزير المالية محمد أبازيد إلى أن القطاع فقد نحو 70% من قدراته الإنتاجية، وأكد أن إعادة بناء هذا القطاع خطوة حيوية لخلق فرص عمل جديدة وتحسين الميزان التجاري السوري، الذي يعاني من العجز الكبير..
خصخصة الشركات الحكومية في سوريا
قد لا تكون فكرة خصخصة الشركات الحكومية في سوريا جديدة، إلا أن الظروف الاقتصادية الحالية جعلت من هذه الخطوة ضرورة ملحة. ويرى الدكتور ياسر حسين، أستاذ الاقتصاد، أن الخصخصة تمثل حلاً منطقياً في ظل تدهور الأداء المالي لهذه الشركات، ويشير إلى أنّ الهدف منها هو تقليل العبء المالي على الدولة، حيث إن العديد من الشركات الخاسرة تستنزف الموارد الحكومية من خلال الدعم المستمر دون تحقيق مردود اقتصادي.
إضافة إلى ذلك، يرى الدكتور حسين أن هذه الخطوة قد تسهم في تحسين الكفاءة والإنتاجية، حيث إنَّ خصخصة هذه الشركات قد يتيح لها الإدارة وفقاً لمعايير السوق، مما يعزز من قدرتها على المنافسة وزيادة الإنتاج. ويضيف أن الخصخصة قد تفتح الباب لجذب استثمارات جديدة من القطاع الخاص، وهو ما يسهم في تحفيز الاقتصاد السوري، ويوفر فرصاً لتوسيع قاعدة الإنتاج الوطني.
اقرأ أيضًا: أزمة ثلاثية الأبعاد تهدد سوريا الحديثة
التحديات المحتملة لعملية الخصخصة
رغم الفوائد المحتملة لعملية الخصخصة، فإنها تترافق مع العديد من التحديات التي قد تعيق نجاح هذه الخطوة، منها المخاوف الاجتماعية من تسريح العمالة أو تقليص الوظائف، خصوصاً في ظل ارتفاع معدلات البطالة في البلاد. ويوضح الدكتور ياسر حسين أن هذه المخاوف قد تؤدي إلى احتجاجات اجتماعية من قبل العاملين في الشركات المخصخصة، مما قد يزيد من تعقيد الوضع الاجتماعي في سوريا.
ولفت حسين إلى ضرورة ضمان الشفافية في عملية الخصخصة، فعملية بيع الشركات الحكومية يجب أن تتم وفق معايير واضحة وشفافة، كي لا تتعرض للفساد والمحسوبية، وهو ما قد يؤدي إلى بيع الأصول الحكومية بأقل من قيمتها الفعلية أو لصالح فئات محددة، كما يجب أن تكون هناك ضمانات لحماية المصلحة الوطنية؛ فبيع الأصول الاستراتيجية قد يثير جدلاً حول القدرة على الحفاظ على استقلالية القرار الاقتصادي، خاصة في القطاعات الحيوية مثل الطاقة والنقل.
أهمية اختيار الشركات المناسبة
يرى الدكتور ياسر حسين أن الأولوية يجب أن تكون للشركات ذات الأداء الضعيف أو تلك التي تعمل في قطاعات غير حيوية للاقتصاد السوري، مثل تلك التي لا تمس بشكل مباشر الأمن القومي أو تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، وفي المقابل يجب الإبقاء على ملكية الدولة للشركات التي تؤثر بشكل مباشر على استقرار الاقتصاد السوري، مثل تلك التي تدير الموارد الطبيعية أو تقدم الخدمات الحيوية.
وأكد حسين أنّه في حال تم تنفيذ عملية الخصخصة بشكل مدروس وسليم، فإنها قد تسهم بشكل كبير في تحسين الاقتصاد السوري مشيرًا إلى ضرورة أن يكون هناك برنامج متكامل لتطوير القطاعات الإنتاجية، يتضمن أيضًا سياسات لدعم العاملين المتأثرين بالخصخصة من خلال برامج إعادة تأهيل وتوفير فرص عمل بديلة. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن يكون هناك نظام رقابي فعال لضمان أن تحقق الخصخصة أهدافها دون المساس بالمصلحة العامة.
واختتم الخبير قائلًا: “في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة، قد تكون خصخصة بعض الشركات الحكومية في سوريا خطوة ضرورية، لكنها تحمل في طياتها العديد من المخاطر التي تتطلب إدارة دقيقة”، وأشار إلى أن النجاح في هذه الخطوة يعتمد على تحقيق التوازن بين تحسين الكفاءة الاقتصادية وجذب الاستثمارات من جهة، وحماية حقوق العمال والمصلحة الوطنية من جهة أخرى.
اقرأ أيضًا: البتكوين مستقبل سوريا الحديثة
تقليل العبء المالي على الدولة
من جانبها، أوضحت حنان رمسيس، الخبيرة الاقتصادية، أن خصخصة الشركات الحكومية الخاسرة يمكن أن تحمل العديد من الفوائد التي من شأنها أن تساهم في تحسين الاقتصاد الوطني. وأكدت في تصريحات خاصة لـ “Econ-Pedia” أن أحد أبرز هذه الفوائد هو تحسين الكفاءة والإنتاجية داخل الشركات التي تعاني من خسائر، فالشركات الحكومية غالبًا ما تعاني من نقص في الكفاءة الإدارية بسبب البيروقراطية وضعف التحفيز، وعند خصخصتها يتم نقلها إلى إدارات أكثر فعالية وابتكارًا، مما يؤدي إلى تحسين أدائها وزيادة إنتاجيتها بشكل عام.
كما أشارت رمسيس إلى أنَّ الخصخصة يمكن أن تساهم بشكل كبير في تقليل العبء المالي على الدولة، خصوصًا تلك الشركات التي تتطلب دعمًا ماليًا مستمرًا لتغطية خسائرها، وقالت إن الدولة، عبر خصخصة الشركات الخاسرة، ستتمكن من تقليص هذا العبء المترتب على موازنتها، ما سيمكنها من توجيه هذه الأموال إلى قطاعات أخرى أكثر أهمية، وبالتالي تقليل العجز المالي.
وأضافت رمسيس أن الخصخصة يمكن أن تساهم في جذب الاستثمارات الأجنبية والمحلية، الأمر الذي يعزز من نمو الاقتصاد؛ فالشركات المخصخصة تفتح الأفاق للمستثمرين، سواء المحليون أو الأجانب، ما يؤدي إلى ضخ أموال جديدة ويحفز النشاط الاقتصادي. كما أكدت أن زيادة المنافسة في السوق نتيجة للخصخصة ستساهم في تحسين جودة المنتجات والخدمات، كما ستؤدي إلى تقليل الأسعار لصالح المستهلكين.
وفيما يتعلق بالشفافية والمساءلة، قالت رمسيس أن الشركات الخاصة تخضع لمعايير رقابية ومساءلة أكثر صرامة مقارنة بالشركات الحكومية، مما يعزز من الشفافية ويحد من الفساد، وقد يؤدي ذلك أيضًا إلى تحسين الأداء العام داخل هذه الشركات.
هل يشهد التعاون الاقتصادي بين الأردن وسوريا انطلاقة جديدة؟ التفاصيل في التقرير الكامل
