تترقب الحكومة التوقيت الأنسب لبدء إصدار السندات الدولية في المغرب، في خطوة تهدف إلى تعزيز مواردها المالية ودعم مشاريعها الاقتصادية، وقد أكدت وزيرة الاقتصاد والمالية المغربية، نادية فتاح، أنَّ البلاد تتابع من كثب تطورات الأسواق المالية العالمية لتحديد اللحظة المثلى لهذه العملية، مشيرةً إلى أنَّه لا ينبغي أن تستغرق العملية وقتًا طويلاً، قائلةً: “نحن نراقب الأسواق من كثب لتحديد اللحظة المناسبة” لإجراء الإصدار، دون أن توضح تفاصيل إضافية حول العملية أو موعدها المتوقع.
تثبيت التصنيف الائتماني للمغرب
جاءت تصريحات وزيرة الاقتصاد والمالية المغربية في وقت تشهد فيه البلاد توازنًا نسبيًا في تصنيفها الائتماني، فضلاً عن إعداد الحكومة لميزانية 2025 التي تتوقع نموًا اقتصاديًا جيدًا في ظل التحديات العالمية الراهنة.
وأظهر تصريح الوزيرة أنَّ الحكومة المغربية تدرس بعناية التوقيت المناسب لتنفيذ هذه الخطوة المالية، التي تمثل إحدى أدوات التمويل التي تستخدمها الدول لسد احتياجاتها المالية وتنمية مشاريعها الاقتصادية. وفي الوقت الذي ينتظر فيه المغرب الفرصة الملائمة، تؤكد الحكومة أنها تتابع أسواق السندات بعناية.
ويُذكر أن المغرب قد تلقّى في وقت سابق من هذا العام إشارات إيجابية من وكالات التصنيف الائتماني، حيث قامت وكالة “فيتش” بتثبيت التصنيف الائتماني للمغرب عند “BB+” مع نظرة مستقبلية مستقرة، مما يعكس الوضع المالي المستقر نسبياً في البلاد.
نمو اقتصادي رغم الظروف الراهنة
أكدت الوزيرة، نادية فتاح، في تصريحات سابقة لها أن الحكومة المغربية قد أعدت مشروع ميزانية 2025 الذي يتوقع أن يشهد نموًا اقتصاديًا بنسبة 4.6%، مقارنة بنمو 3.3% كان متوقعًا لعام 2024.
كما توقعت الحكومة أن يبلغ معدل التضخم في المغرب 2%، مشيرة إلى أن إعداد قانون المالية للعام المقبل يأتي في ظروف دولية صعبة بسبب استمرار التوترات الجيوسياسية، والأزمات المناخية المتصاعدة التي تؤثر على الاقتصاد العالمي.
اقرأ أيضًا: صناعة السيارات.. الحصان الأسود في المغرب
أهداف إصدار السندات الدولية في المغرب
في محادثة خاصة أجرتها “Econ-Pedia” مع الخبير الاقتصادي محمد بنموسى، أوضح أنّ إصدارات السندات الدولية تُعد إحدى الأدوات المالية التي تستخدمها الدول لتمويل مشروعاتها وتحقيق استقرارها الاقتصادي. وفي هذا السياق، تبرز المغرب كواحدة من الدول التي تلجأ بانتظام إلى إصدار السندات الدولية، وهو ما يعكس استراتيجياتها الاقتصادية والمالية لتعزيز مكانتها على الساحة الدولية.
تمويل العجز في الموازنة
وأضاف الخبير أنّ أحد الأسباب الرئيسة التي تدفع المغرب إلى إصدار السندات الدولية هو تمويل العجز في الموازنة العامة للدولة؛ حيث إنّ الحكومة المغربية تسعى إلى تأمين تمويل مستدام لعدد من المشاريع الكبرى والخدمات العامة مثل التعليم والصحة والبنية التحتية، وهو ما يتطلب موارد مالية إضافية، وفي حالة العجز في الإيرادات المحلية تلجأ الدولة إلى الأسواق المالية العالمية لجذب الاستثمارات عبر إصدار السندات الدولية.
تعزيز الاحتياطيات من العملات
أكَّد بنموسي أنَّ إصدارات السندات الدولية يساعد في تعزيز الاحتياطيات من العملات الأجنبية، مما يسهم في تقوية موقف المغرب المالي في الأسواق العالمية، فهذه الاحتياطيات ضرورية لدعم استقرار العملة الوطنية (الدرهم)، وتحقيق توازن بين المدفوعات الخارجية والنقد الأجنبي الذي تحتاجه الدولة لتغطية وارداتها.
تنويع مصادر التمويل
يرى الخبير أنَّه من خلال إصدار السندات الدولية يمكن للمغرب تحسين استقرار نظامه المالي من خلال تنويع مصادر التمويل، فهذه السندات تمنح الحكومة قدرة أكبر على ضبط معدلات الدين العام والحد من المخاطر الناتجة عن تقلبات الأسواق المحلية، كما تتيح للحكومة المغربية استخدام الأموال التي يتم جمعها من هذه السندات في تمويل مشاريع تنموية طويلة الأجل.
ووفقًا للخبير، تُعد إصدارات السندات الدولية جزءًا من سياسة تنويع أدوات التمويل التي تعتمد عليها الحكومة المغربية، إلى جانب القروض الثنائية ومتعددة الأطراف من المؤسسات المالية الدولية، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي؛ حيث توفر السندات الدولية بديلاً مرنًا يمكن التحكم في شروطه حسب الحاجة، الأمر الذي من شأنه أن يقلل الاعتماد على مصدر واحد للتمويل، ويعزز قدرة الدولة على تلبية احتياجاتها المالية بشكل مستدام.
جذب الاستثمارات الأجنبية
يعتبر إصدار السندات الدولية وسيلة لجذب الاستثمارات الأجنبية، خاصة من الشركات والمؤسسات المالية الدولية التي تبحث عن فرص استثمارية في الدول ذات الاقتصاد الناشئ؛ حيث يمكن للمغرب من خلال إصدار السندات إظهار استقراره المالي والاقتصادي للمستثمرين الدوليين، مما يعزز ثقة هؤلاء المستثمرين في الاقتصاد المغربي.
التفاؤل باقتصاد المغرب في 2025.. هل يتحقق؟ اطّلع على التفاصيل!
المغرب داعم للاستثمار في أفريقيا والعالم
يرى الدكتور محمد جدري، الخبير الاقتصادي، أن إصدار السندات الدولية يتيح للمغرب توسيع علاقاته الاقتصادية مع المؤسسات المالية الدولية والبنوك الأجنبية، ويمكن أن يكون ذلك بمثابة خطوة لتوطيد العلاقات مع البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، والبنوك الكبرى مثل البنك الأوروبي للاستثمار، أو البنك الأفريقي للتنمية، مما يُسهم في تعزيز مكانة المغرب كداعم للاستثمار في أفريقيا والعالم.
وأضاف الخبير في تصريحات خاصة لـ “Econ-Pedia” أنّه يمكن للمغرب في بعض الحالات أن تُصدر السندات الدولية في بيئات اقتصادية عالمية تتميز بأسعار فائدة منخفضة، مما يجعل تكلفة الاقتراض أقل، وهذا يوفر للمغرب فرصة لتمويل مشروعاته الكبرى بتكلفة منخفضة نسبيًا، مما يقلل الضغط على الميزانية الوطنية.
السندات الدولية تحقق التنمية المستدامة
وأكد أنَّ السندات الدولية تساهم في تمويل المشاريع التنموية التي تهدف إلى تحقيق التنمية المستدامة في المغرب، مثل مشاريع الطاقة المتجددة، والبنية التحتية الخضراء، وتعزيز الابتكار في القطاعات الصناعية، وبالتالي فهي تسهم في تحقيق أهداف المغرب التنموية على المدى الطويل، وتدعيم دوره كمركز مالي في منطقة شمال إفريقيا.
وفي النهاية، اتفق الخبراء على أنَّ إصدار المغرب للسندات الدولية يمثل إحدى الركائز الأساسية لاستراتيجياته الاقتصادية؛ فمن خلال هذه الأدوات المالية يضمن المغرب تأمين تمويل مستدام لمشروعاته التنموية، ويعزز مكانته الاقتصادية على الصعيدين الإقليمي والدولي.
وفي ظل الأهداف المنظورة التي تشمل تمويل العجز، وتعزيز الاحتياطيات، وجذب الاستثمارات الأجنبية، تعتبر السندات الدولية بمثابة أداة أساسية لتحقيق أهداف التنمية الاقتصادية والتوسع المستدام في الأسواق المالية العالمية.
قد يهمّك أيضًا: كيف يؤثر تحرير سوق الكهرباء في المغرب على المواطن؟
