سجل الاقتصاد المصري مؤشرات أداء قوية خلال العام المالي الجاري، مدعومًا بتنوع قاعدته الإنتاجية والخدمية والإجراءات الاستباقية التي اتخذتها الحكومة لمواجهة الأزمات.
وكشف الدكتور أحمد رستم، وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، عن استمرار الاقتصاد في تحقيق معدلات نمو مرتفعة للربع الثالث على التوالي، مشيرًا إلى أن قطاع الصناعات التحويلية جاء بين أبرز محركات النمو، إذ ساهم بنحو 1% من إجمالي معدل النمو البالغ 5%، بعدما حقق نموًا بنسبة 6%، بما يعكس نجاح جهود الدولة في تعميق التصنيع المحلي وتوطين الصناعة، إلى جانب الحوافز التي توفرها قوانين الاستثمار وإتاحة التمويل للقطاع الصناعي.
وأضاف أن قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات كان أيضًا من القطاعات الداعمة للنمو، مسهمًا بنحو 0.7%، بعد تحقيقه نموًا قويًا بلغ 20% خلال الربع الثالث، مدفوعًا بتوسع خدمات الاتصالات والإنترنت، وتزايد دور القطاع الخاص في هذا المجال.
ضغوط واضحة على الاقتصاد المصري
وفي هذا الشأن، أكد الدكتور محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، أن الاقتصاد المصري استطاع الصمود أمام موجة معقدة من الأزمات الإقليمية والعالمية، شملت تصاعد التوترات الجيوسياسية، واضطرابات البحر الأحمر، والضغط على إيرادات قناة السويس، وارتفاع فاتورة الطاقة، إلى جانب حالة عدم اليقين في أسواق الغذاء والطاقة العالمية.
وقال عبد الهادي إن مصر تعرضت لضغوط واضحة نتيجة تراجع حركة الملاحة في قناة السويس بسبب اضطرابات البحر الأحمر، وارتفاع تكلفة استيراد الطاقة، وزيادة الأعباء السعرية على المواطنين، مؤكدًا أن الضغوط المعيشية لا تزال قائمة، ولا يمكن التقليل من أثرها على الأسر المصرية. لكنه شدد في الوقت نفسه على أن السؤال الحقيقي ليس: هل تأثرت مصر؟ بل: لماذا لم يتحول هذا التأثر إلى انهيار؟
وأوضح الخبير الاقتصادي أن الإجابة تكمن في أن الدولة عملت خلال السنوات الماضية على بناء عدد من خطوط الدفاع الاقتصادية التي منحت الاقتصاد قدرة أكبر على امتصاص الصدمات الخارجية، وعدم الارتهان لمصدر واحد من مصادر العملة الأجنبية أو النشاط الاقتصادي.
الاحتياطي النقدي الأجنبي
وأشار عبد الهادي إلى أن أول خطوط الدفاع هو الاحتياطي النقدي الأجنبي، الذي وصل بنهاية شهر مايو إلى نحو 53 مليار دولار، معتبرًا أن هذا الرقم يمثل عنصرًا مهمًا في فترات الحروب والأزمات، لأنه يوفر للدولة قدرة على تأمين الواردات الأساسية، وفي مقدمتها الغذاء والطاقة والسلع الاستراتيجية.
وأكد أن الدولة التي لا تمتلك سيولة دولارية كافية وقت الأزمات تدخل سريعًا في أزمة توافر قبل أن تدخل في أزمة أسعار، لأن الدولار في مثل هذه الظروف يصبح أداة أساسية لتأمين احتياجات السوق، وسداد الالتزامات، والحفاظ على ثقة المستثمرين والمؤسسات الدولية. ومن هنا، فإن الاحتياطي النقدي لا يجب النظر إليه باعتباره رقمًا ماليًا فقط، بل باعتباره خط دفاع رئيسًا يحمي الاقتصاد من الصدمات المفاجئة.
اقرأ أيضًا: التمويل الخارجي لمصر.. ماذا يعني العودة لسندات الساموراي؟
التعافي الاقتصادي في مصر
ولفت إلى أن ثاني خطوط الدفاع يتمثل في استمرار النمو الاقتصادي، مشيرًا إلى أن صندوق النقد الدولي أشار إلى تحسن مسار التعافي الاقتصادي في مصر، وأن النمو الحقيقي وصل إلى نحو 4.4% في السنة المالية 2025، بالتزامن مع تراجع التضخم إلى 11.9% في يناير الماضي.
وأوضح عبد الهادي أن هذه المؤشرات لا تعني أن المواطن لم يعد يشعر بالضغوط، فالمواطن لا يزال يتحمل أثر ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة، لكنها تعني أن عجلة الاقتصاد لم تتوقف. وقال:
عندما تكون دولة في منطقة مشتعلة، وقناة السويس متأثرة، والطاقة مرتفعة التكلفة، ومع ذلك يواصل اقتصادها تحقيق النمو، فهذا يعكس قدرة على الامتصاص والصمود.
سداد مستحقات الشركات الأجنبية
وتابع أن ملف الطاقة كان أحد أكثر الملفات ضغطًا على الاقتصاد المصري خلال الفترة الأخيرة، خاصة مع ارتفاع فاتورة الاستيراد، إلا أن الدولة بدأت في التعامل مع أصل المشكلة وليس نتائجها فقط، من خلال استعادة ثقة الشركاء الأجانب في قطاع البترول والغاز.
وأشار إلى أن سداد مصر بالكامل نحو 6.1 مليار دولار من المتأخرات المستحقة لشركات النفط والغاز الأجنبية يمثل خطوة شديدة الأهمية، لأنه يبعث رسالة إيجابية للمستثمرين بأن الدولة ملتزمة بسداد مستحقاتهم، وهو ما يشجعهم على ضخ استثمارات جديدة في البحث والإنتاج والتنقيب.
وأوضح أن أمن الطاقة لا يعني فقط شراء الغاز أو استيراد الوقود عند الحاجة، بل يعني بناء قدرة إنتاجية داخلية، وجذب الشركات العالمية للعمل داخل السوق المصرية، واستكشاف موارد جديدة، وزيادة الإنتاج المحلي، بما يقلل من فاتورة الاستيراد مستقبلًا ويحد من تعرض الاقتصاد للصدمات الخارجية.
اقرأ أيضًا: تراجع البورصة المصرية للجلسة الثانية.. قراءة في الضغوط البيعية
الأمن الغذائي ومشروع "مستقبل مصر"
وأضاف أن رابع خطوط الدفاع هو الأمن الغذائي، مؤكدًا أن الغذاء يتحول وقت الحروب إلى ورقة ضغط عالمية، وأن الدولة التي لا تمتلك إنتاجًا محليًا أو مخزونًا استراتيجيًا كافيًا تصبح تحت رحمة الأسواق الخارجية وأسعارها وتقلباتها.
وقال عبد الهادي إن مصر عملت خلال السنوات الأخيرة على توسيع قاعدة الإنتاج الزراعي، موضحًا أنها اشترت في موسم 2026 نحو 4.6 مليون طن من القمح المحلي من المزارعين، وهو رقم قياسي، في حين وصلت المساحة المزروعة بالقمح إلى نحو 3.7 مليون فدان، بما يعكس توجه الدولة إلى تقليل جزء من الضغط على فاتورة الاستيراد.
وأشار إلى أن مشروع “مستقبل مصر” يمثل نموذجًا مهمًا في هذا المسار، باعتباره جزءًا من مشروع الدلتا الجديدة، موضحًا أنه ليس مجرد مشروع زراعي تقليدي، وإنما محاولة لبناء قاعدة متكاملة للأمن الغذائي تشمل استصلاح أراضٍ جديدة، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتطوير منظومة التخزين والصوامع، وتحسين الخدمات اللوجستية، وربط الزراعة بالتصنيع الغذائي.
وأضاف أن جهاز “مستقبل مصر” سلّم نحو 530 ألف طن من القمح في موسم 2026، بزيادة تقدر بنحو 160% مقارنة بالعام السابق، وهو ما يؤكد أن الدولة لا تستهدف الزراعة فقط، بل بناء منظومة إنتاج وتخزين ونقل وتصنيع وتصدير، بما يعزز قدرة الاقتصاد على مواجهة أزمات الغذاء العالمية.
تطوير السياحة في مصر
وأكد أن خامس خطوط الدفاع يتمثل في السياحة، موضحًا أن مصر لم تعتمد فقط على عنصر الأمن والاستقرار، رغم أنه عنصر حاسم في جذب السائحين، لكنها عملت كذلك على تطوير المنتج السياحي نفسه من خلال إنشاء الطرق، وتحديث المطارات، وزيادة الطاقة الفندقية، وتطوير المدن الجديدة والمناطق السياحية، وعلى رأسها المتحف المصري الكبير، والساحل الشمالي، والعلمين الجديدة، والجلالة.
وأشار عبد الهادي إلى أن مدينة العلمين الجديدة تعكس نموذجًا واضحًا لتحويل العبء التاريخي إلى فرصة اقتصادية، فبعد أن ارتبطت لسنوات طويلة بذكريات الحرب العالمية الثانية وحقول الألغام، تحولت اليوم إلى مدينة ساحلية حديثة تضم مشروعات عمرانية وسياحية واستثمارية وفعاليات كبرى، بما يعكس قدرة الدولة على إعادة توظيف الجغرافيا والتاريخ في خدمة الاقتصاد.
ولفت إلى أن مصر استقبلت نحو 19 مليون سائح في عام 2025، في حين تستهدف الحكومة الوصول إلى 30 مليون سائح سنويًا، موضحًا أن تحقيق هذا الهدف يتطلب التوسع في الغرف الفندقية، وتحسين مستوى الخدمات، وتطوير الطرق والمطارات، ورفع جودة التجربة السياحية بالكامل.
وقال إن السياحة أصبحت خط دفاع دولاري بالغ الأهمية، خصوصًا في وقت تتعرض فيه قناة السويس لضغوط نتيجة اضطرابات البحر الأحمر وحرب الممرات البحرية، وبالتالي فإن تنويع مصادر العملة الصعبة لم يعد رفاهية، بل أصبح ضرورة اقتصادية وأمنية.
الاستثمار الأجنبي
وأوضح عبد الهادي أن سادس خطوط الدفاع هو الاستثمار الأجنبي، مؤكدًا أن المستثمر لا يأتي إلى مصر بدافع المجاملة أو المساندة السياسية فقط، وإنما لأنه يرى فرصة اقتصادية حقيقية قابلة للنمو وتحقيق العائد.
وضرب مثالًا بصفقة مشروع رأس الحكمة، التي بلغت قيمتها نحو 35 مليار دولار، منها 24 مليار دولار مقابل حقوق تطوير المشروع، مع احتفاظ الحكومة المصرية بحصة 35%، موضحًا أن هذه الصفقة تعكس قيمة الأصول المصرية عندما يتم تجهيزها وربطها بالبنية التحتية وتحويلها إلى فرص استثمارية قابلة للتنفيذ.
وأضاف أن المستثمر في مشروع بحجم رأس الحكمة يرى أرضًا متميزة على البحر المتوسط، وطرقًا تم تنفيذها، ومدنًا جديدة جرى بناؤها، وسياحة قابلة للنمو، وسوقًا كبيرًا، وبنية تحتية قادرة على دعم المشروع. وأكد أن مثل هذه الفرص لا تأتي من فراغ، بل هي نتيجة سنوات من تجهيز الأرض، وربط المناطق، وخلق قيمة اقتصادية في الساحل الشمالي.
اقرأ أيضًا: عودة الأموال الساخنة تقود الجنيه المصري لأقوى أداء عالمي
تعزيز قطاع الصناعة وزيادة الصادرات المصرية
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن سابع خطوط الدفاع هو التصنيع، موضحًا أن أي اقتصاد يريد الصمود لا يمكن أن يظل قائمًا على الاستيراد، لأن التصنيع يعني فرص عمل، وقيمة مضافة، وتقليلًا لفاتورة الواردات، وزيادة في الصادرات، وتعزيزًا لقدرة الدولة على توفير احتياجاتها من الداخل.
وقال إن أرقام الصادرات المصرية غير البترولية تعكس تحسنًا واضحًا في هذا الملف، حيث وصلت في عام 2025 إلى نحو 49 مليار دولار، بزيادة 17% مقارنة بعام 2024، وفقًا لبيانات وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية، وهو رقم مهم لأنه يؤكد أن مصر لا تسعى فقط للحصول على الدولار من السياحة أو الاستثمار الأجنبي أو تحويلات المصريين بالخارج، بل تعمل أيضًا على زيادة مواردها من التصدير.
وأكد عبد الهادي أن التصدير يمثل الاختبار الحقيقي لأي اقتصاد، لأنه يعني أن المنتج المحلي قادر على المنافسة خارج الحدود، سواء من حيث الجودة أو السعر أو القدرة على دخول أسواق جديدة. وأضاف أن الدولة التي تصدر للخارج تمتلك منتجًا وسوقًا وثقة في قدرتها الإنتاجية، وهو ما يجب البناء عليه خلال المرحلة المقبلة.
البنية التحتية
ولفت إلى أن ثامن خطوط الدفاع هو البنية التحتية، مشيرًا إلى أن الطرق والكباري والموانئ والمطارات والمدن الجديدة ليست رفاهية أو مجرد مشروعات إنشائية، بل تمثل شبكة بقاء اقتصادي وقت الأزمات.
وقال إنّه عندما تمتلك الدولة طرقًا قادرة على نقل السلع بسرعة، وموانئ تستوعب التجارة، ومطارات تخدم السياحة والاقتصاد، ومدنًا جديدة تفتح فرصًا للاستثمار، فإنها لا تبني خرسانة فقط، بل تبني قدرة على الصمود.
تحديات تواجه الاقتصاد المصري
وأكد عبد الهادي أن الاقتصاد المصري لا يزال يواجه تحديات حقيقية، ولا يصح تصوير المشهد وكأنه خالٍ من الضغوط؛ فهناك ضغوط أسعار على المواطن، وملف الدين وخدمة الدين لا يزال حساسًا، وفاتورة الطاقة ما زالت ثقيلة، كما أن الوصول إلى 30 مليون سائح يحتاج إلى غرف فندقية أكثر، وخدمات أقوى، ومنتج سياحي أكثر تنوعًا وجودة.
وأضاف أن ملف التصنيع يحتاج كذلك إلى طاقة وتمويل وتسهيلات أكبر، إلى جانب تقليل البيروقراطية، وتوسيع قاعدة الإنتاج المحلي، وتعزيز القدرة التنافسية للصادرات المصرية. وأكد أن الطريق لم يكتمل بعد، لكن ما تحقق حتى الآن يشير إلى أن الاقتصاد المصري، رغم الضغوط، لم ينكسر.
واختتم الدكتور محمد عبد الهادي تصريحاته بالتأكيد على أن مصر صمدت لأنها لم تعتمد على خط دفاع واحد، بل بنت شبكة متعددة من مصادر القوة الاقتصادية، حتى تحولت التنمية في مصر خلال السنوات الأخيرة من مشروع داخلي إلى أداة أمن قومي، لأن كل قطاع أصبح يساعد الآخر وقت الأزمات؛ فعندما يتوتر البحر الأحمر تساعد السياحة والاستثمار في دعم موارد العملة، وعندما تتأثر قناة السويس تصبح الصادرات وتحويلات المصريين والاستثمار مصادر بديلة، وعندما ترتفع فاتورة الطاقة يصبح سداد مستحقات الشركات وتشجيع الإنتاج المحلي ضرورة، وعندما تتقلب أسواق الغذاء عالميًا تصبح الزراعة ومشروع مستقبل مصر جزءًا من منظومة الحماية الاقتصادية.
رغم ذلك، شدد عبد الهاددي على أنّ هذه الشبكة لا تلغي التحديات، لكنها تفسر لماذا تمكن الاقتصاد المصري من عبور مرحلة شديدة التعقيد دون أن يتحول التأثر إلى انهيار.
اقرأ أيضًا: أذون الخزانة في البورصة المصرية يشعل الجدل
