أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن رسوم عبور مضيق هرمز جدلًا واسعًا داخل الولايات المتحدة وخارجها، وذلك بعدما أكد أنه لن يتم فرض أي رسوم على السفن والناقلات العابرة للمضيق بعد انتهاء مهلة الستين يومًا، إلا إذا كانت واشنطن هي الجهة التي ستفرضها لصالحها تعويضًا عن تكاليف حماية الملاحة في الشرق الأوسط.
وتأتي هذه التصريحات في وقت أكدت فيه القيادة المركزية الأمريكية والإدارة الأمريكية استمرار فتح المضيق أمام حركة السفن، بالتزامن مع استعداد واشنطن وطهران لجولة مفاوضات فنية في سويسرا، يتصدرها الملف النووي الإيراني وآليات الرقابة على تخصيب اليورانيوم.
تدوينة ترامب.. النقطة الأكثر إثارة
قال الدكتور أحمد عبدالفتاح، الخبير الاقتصادي، إن المؤشرات الرسمية الصادرة حتى الآن تؤكد أن مضيق هرمز لا يزال مفتوحًا أمام حركة السفن والناقلات، مشيرًا إلى أنه لم يصدر أي بيان يخالف هذا التوجه، سواء من القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم»، أو من الإدارة الأمريكية، إذ تؤكد البيانات المتاحة أن السفن تواصل المرور عبر المضيق، وأن القوات الأمريكية الموجودة في المنطقة تعمل على تأمين حرية الملاحة وحماية حركة العبور.
وأوضح أن واشنطن لم تصدر حتى اللحظة أي إشارة تفيد بتوقف الملاحة أو وجود تغيير جوهري في وضع المضيق، وهو ما يعني أن الحديث عن إغلاق كامل أو تعطل فعلي في حركة السفن لا يستند إلى بيانات أمريكية رسمية حتى الآن.
وأشار عبدالفتاح إلى أن النقطة الأكثر إثارة في المشهد الحالي تتمثل في تدوينة ترامب الأخيرة، التي قال فيها إنه لن يتم فرض رسوم عبور على مضيق هرمز حتى بعد انتهاء فترة الستين يومًا، إلا إذا كانت الولايات المتحدة نفسها هي الجهة التي ستفرض هذه الرسوم لصالحها، باعتبارها تعويضًا عن الخسائر التي تكبدتها في الماضي والحاضر والمستقبل مقابل الدفاع عن دول الشرق الأوسط وحمايتها.
وأكد أن هذه التدوينة تبدو، في جانب كبير منها، موجهة إلى الداخل الأمريكي، وتحديدًا إلى منتقدي ترامب الذين اعتبروا أن الإدارة الأمريكية منحت إيران اعترافًا ضمنيًا بحقها في فرض رسوم على السفن والناقلات العابرة من مضيق هرمز بعد انتهاء مهلة الستين يومًا، تحت مسميات تتعلق بالخدمات البيئية أو خدمات الأمن والسلامة البحرية.
وأضاف أن ترامب يحاول عبر تصريحاته الأخيرة التأكيد لمنتقديه أن فرض رسوم إيرانية على السفن العابرة لم يكن جزءًا من بنود التفاهم، وأن الولايات المتحدة لم تمنح طهران هذا الحق، غير أن قراءة البنود المتداولة تكشف أن المسألة أكثر تعقيدًا؛ حيث تحدثت البنود بوضوح عن عدم تحصيل رسوم من السفن والناقلات لمدة 60 يومًا، وهي المدة المخصصة للتفاوض مع الإيرانيين، لكنها لم تتضمن شرطًا صريحًا يمنع إيران من تحصيل رسوم بعد انتهاء هذه الفترة، وهو ما يترك مساحة واسعة للتأويل والخلاف السياسي والقانوني.
هذا الغموض، وفقًا للخبير، هو ما يدفع بعض الأطراف إلى القول إن الرئيس الأمريكي يحاول تجميل ما تم الاتفاق عليه أمام منتقديه في الداخل الأمريكي، خاصة أن النصوص لا تقدم ضمانة واضحة بعدم فرض رسوم مستقبلية من الجانب الإيراني بعد انتهاء مهلة الستين يومًا.
اقرأ أيضًا: حرب أمريكا وإيران تكلف الاقتصاد العالمي 2.2 تريليون دولار
انعكاسات السيطرة الملاحية في مضيق هرمز
قال عبدالفتاح إنّ القضية لا تتعلق فقط برسوم عبور مضيق هرمز المحتملة، بل بمبدأ السيطرة الاقتصادية والسياسية على مضيق هرمز، لأن أي رسوم أو ترتيبات مالية مرتبطة بالمضيق ستنعكس مباشرة على تكلفة نقل النفط والغاز والتجارة العالمية، وقد تؤثر على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد، خصوصًا إذا شعر المستثمرون أو شركات الشحن بأن العبور أصبح خاضعًا لترتيبات جديدة غير مستقرة.
وأكد أن مضيق هرمز يمثل شريانًا حيويًا للاقتصاد العالمي، وأي حديث عن رسوم أو قيود أو ترتيبات أمنية جديدة داخله يرفع درجة الحساسية في أسواق النفط والشحن والتأمين البحري، لأن الشركات تتعامل مع المضيق باعتباره ممرًا استراتيجيًا لا يحتمل الغموض الطويل.
وأضاف أن محاولة ترامب حصر حق فرض الرسوم، إن وجدت، في الولايات المتحدة وحدها تعكس رغبته في تأكيد أن واشنطن ما زالت صاحبة الدور الأكبر في حماية الملاحة في المنطقة، وأنها لا تريد أن تظهر أمام الداخل الأمريكي وكأنها قدمت تنازلًا مجانيًا لإيران.
اقرأ أيضًا: مضيق هرمز بعد الاتفاق.. لماذا يستغرق تعافي النفط وقتاً؟
المفاوضات الفنية المرتقبة في سويسرا
قال عبدالفتاح إن واشنطن تتعامل مع المفاوضات الفنية المرتقبة في سويسر باعتبارها جولة مهمة يمكن أن تحدد مستقبل التفاهم مع طهران، موضحًا أن كلًا من ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر موجودان في سويسرا لقيادة فريق تفاوض أمريكي واسع يضم خبراء ومسؤولين من مجالات مختلفة.
وأشار إلى أن وجود فريق تفاوض كبير يعكس رغبة الإدارة الأمريكية في الدخول إلى المحادثات بتصورات تفصيلية تشمل الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية، وليس فقط الملف النووي، خاصة أن أي اتفاق مع إيران ستكون له انعكاسات مباشرة على أسواق الطاقة وحركة الملاحة والاستقرار الإقليمي.
وأوضح عبدالفتاح أن نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس قد ينضم إلى المفاوضات خلال اليوم أو اليومين المقبلين إذا تطلبت المحادثات قرارات أو تعهدات أعلى من المستوى الفني، لكن ذلك سيعتمد على طبيعة الأجواء في بداية التفاوض، ومدى إظهار كل من الطرفين الأمريكي والإيراني حسن النية في إدارة هذه الجولة.
كما أكد عبدالفتاح أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يراقب مجريات الأمور من كثب، وأن قرارات إضافية قد تُتخذ بناءً على مسار المفاوضات، سواء فيما يتعلق بتشكيل فريق التفاوض أو مستوى المشاركة الأمريكية أو طبيعة النقاط التي سيتم طرحها خلال المحادثات.
أجندة محادثات سويسرا
قال عبدالفتاح إن الملف النووي الإيراني سيكون النقطة الأولى والرئيسة على طاولة التفاوض، بما يشمل اليورانيوم المخصب، والغبار النووي، وطموحات إيران النووية، وآليات الرقابة والتحقق من عدم سعي طهران إلى امتلاك سلاح نووي.
وأضاف أن هذا الملف سيظل محورًا أساسيًا لأي تفاهم أمريكي إيراني، لأن واشنطن تريد ضمانات واضحة وقابلة للتحقق، بينما تسعى طهران في المقابل إلى الحصول على مكاسب اقتصادية وسياسية، وفي مقدمتها تخفيف الضغوط والعقوبات، وفتح مسار أوسع لاستعادة بعض مكاسبها التجارية والمالية.
وأوضح أن الربط بين ملف مضيق هرمز والرسوم المحتملة من جهة، والملف النووي من جهة أخرى، يكشف أن المفاوضات المقبلة لن تكون فنية فقط بالمعنى الضيق، بل ستكون جزءًا من مساومة أوسع تشمل الأمن الإقليمي، وحركة الطاقة والملاحة والعقوبات، ومستقبل العلاقة بين إيران والولايات المتحدة.
واختتم الدكتور أحمد عبدالفتاح تصريحاته بالتأكيد على أن تدوينة ترامب بشأن رسوم عبور مضيق هرمز لا يمكن فصلها عن الضغوط الداخلية الأمريكية ولا عن المفاوضات المرتقبة في سويسرا، مشددًا على أن أي غموض في بنود التفاهم الخاصة بالمضيق قد يتحول إلى مصدر جديد للتوتر في أسواق الطاقة، خصوصًا إذا استمرت الخلافات حول حق فرض الرسوم بعد انتهاء مهلة الستين يومًا.
وأكد أن الاقتصاد العالمي يراقب هذه التطورات بحذر، لأن استقرار مضيق هرمز لا يخص إيران والولايات المتحدة وحدهما، بل يتعلق بأمن الطاقة العالمي، وتكلفة النقل والتأمين، وأسعار النفط، واستقرار الأسواق في مرحلة شديدة الحساسية.
اقرأ أيضًا: ماذا بعد الاتفاق الأمريكي الإيراني وهدوء الخليج؟
