شهد سعر الدولار تراجعًا ملحوظًا أمام الجنيه المصري خلال الأسابيع الأخيرة، بعدما فقد نحو 5.41 جنيه من قيمته منذ بلوغه أعلى مستوى عند 54.65 جنيه في السابع من أبريل الماضي، ليهبط إلى نحو 49.23 جنيه، مدعومًا بتحسن تدفقات النقد الأجنبي وعودة استثمارات الأجانب في أدوات الدين وارتفاع تحويلات المصريين بالخارج.
وفي تعليقه على تراجع الدولار، قال الدكتور أحمد شوقي، الخبير الاقتصادي، إن التراجع الأخير في سعر الدولار أمام الجنيه المصري يطرح تساؤلًا مهمًا حول ما إذا كان الجنيه قد بدأ بالفعل في استعادة جزء من قوته، أم أن ما يحدث لا يزال مرتبطًا بعوامل مؤقتة فرضتها تحولات الأسواق وتراجع حدة التوترات الجيوسياسية في المنطقة.
وأوضح شوقي أن الدولار كان قد سجل أعلى مستوى له أمام الجنيه منذ تصاعد التوترات الإقليمية في السابع من أبريل الماضي، عندما وصل إلى نحو 54.65 جنيه، مدفوعًا بحالة القلق التي سيطرت على الأسواق العالمية والمحلية، وزيادة الطلب على العملة الأمريكية باعتبارها ملاذًا آمنًا في أوقات الاضطراب.
وأضاف أن الدولار تراجع حاليًا بشكل لافت من حيث الحجم والسرعة، رغم أن سعر الدولار لا يزال أعلى من مستواه البالغ 47.87 جنيه في نهاية فبراير الماضي، أي قبل اندلاع الأزمة والتصعيد الذي انعكس على حركة الأسواق.
7 عوامل لصعود الجنيه المصري أمام الدولار
وأشار شوقي إلى أن هذا التراجع لا يمكن قراءته باعتباره نتيجة عامل واحد فقط، بل جاء نتيجة تزامن مجموعة من العوامل الإيجابية التي عززت المعروض من النقد الأجنبي داخل السوق، ورفعت درجة الثقة في الاقتصاد مصري، سواء لدى المستثمرين المحليين أو الأجانب.
وأكد أن العامل الأول يتمثل في عودة الاستثمارات الأجنبية بقوة إلى أذون وسندات الخزانة المصرية، بعد انحسار نسبي في التوترات الجيوسياسية، واستمرار جاذبية العائد على أدوات الدين المحلية. ولفت إلى أن التقديرات تشير إلى ارتفاع استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية لتتجاوز نحو 366.28 مليار جنيه، بما يعادل قرابة 7.35 مليار دولار، خلال يونيو 2026 وحده، وهو ما يعكس وجود تدفقات قوية عبر السوق الثانوي للبورصة، وتعافيًا واضحًا في ثقة المستثمرين، بما دعم استقرار سوق الصرف.
وأضاف أن العامل الثاني يتمثل في استمرار تحويلات المصريين العاملين بالخارج في تسجيل مستويات تاريخية، بعدما تجاوزت 34.9 مليار دولار خلال أول تسعة أشهر من العام المالي 2025/2026، مع توقعات بأن تتجاوز 46 مليار دولار بنهاية العام المالي، لتظل التحويلات المصدر الأكبر والأكثر استدامة للنقد الأجنبي في الاقتصاد المصري.
وأوضح شوقي أن العامل الثالث يرتبط بارتفاع الاحتياطي النقدي الأجنبي لدى البنك المركزي المصري إلى نحو 53.13 مليار دولار بنهاية مايو 2026، وهو أعلى مستوى في تاريخ مصر، بما يعكس قوة مركز السيولة الخارجية، وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الخارجية، فضلًا عن دوره في تعزيز الثقة في سوق الصرف.
أما العامل الرابع، وفقًا لشوقي، فيتمثل في التحسن الملحوظ لصافي الأصول الأجنبية لدى الجهاز المصرفي، مدعومًا بزيادة التدفقات الدولارية من تحويلات المصريين العاملين بالخارج والاستثمارات الأجنبية، وهو ما عزز قدرة البنوك على تلبية الطلب على العملات الأجنبية، وساهم في تقليص الضغوط على سعر الدولار.
ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن العامل الخامس يتعلق بتراجع حدة التوترات الجيوسياسية في المنطقة، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب على الدولار كملاذ آمن، وانعكس إيجابيًا على شهية المستثمرين تجاه الأسواق الناشئة، وفي مقدمتها السوق المصرية، التي استفادت من عودة جزء من التدفقات الاستثمارية.
وأضاف أن العامل السادس يتمثل في انخفاض الطلب على الدولار لأغراض التحوط، مع انحسار مخاوف التصعيد العسكري، وتراجع الطلب الاحترازي على العملة الأمريكية من جانب بعض المستثمرين والمتعاملين، وهو ما ساهم في زيادة المعروض من الدولار داخل السوق، ودعم استقرار سعر الصرف.
ومن ناحية أخرى، أكد شوقي أنّ استمرار السياسة النقدية في دعم استقرار سوق الصرف يعد العامل السابع، وذلك من خلال الحفاظ على مرونة سعر الصرف، والمضي في تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي، بما ساهم في تعزيز ثقة المؤسسات الدولية والمستثمرين في قدرة الاقتصاد المصري على التعامل مع الضغوط الخارجية.
اقرأ أيضًا: عودة الأموال الساخنة تقود الجنيه المصري لأقوى أداء عالمي
هل تحسن الجنيه المصري بالفعل؟
وشدد شوقي على أنه رغم التحسن الحالي في أداء الجنيه المصري، فإن الحكم على هذا التحسن يجب أن يكون بحذر، إذ إن القوة الهيكلية لأي عملة لا تُقاس بمجرد انخفاض سعر صرف الدولار أمامها خلال فترة وجيزة.
ومع ذلك، استدرك شوقي مؤكداً أن تراجع الدولار بنحو خمسة جنيهات خلال مدة قصيرة ليس حركة عابرة أو وليدة مؤشر منفرد؛ بل هو انعكاس مباشر لتحسن متزامن وملموس في حزمة من المؤشرات الاقتصادية والمالية الكلية التي تضافرت لتدعيم موقف العملة المحلية في سوق الصرف.
واختتم الدكتور أحمد شوقي تصريحاته بالتأكيد على أن التحدي الحقيقي أمام الاقتصاد المصري خلال المرحلة المقبلة لا يتمثل فقط في الحفاظ على سعر صرف مستقر، بل في تحويل هذا التحسن إلى اتجاه مستدام، يقوم على زيادة الإنتاج، وتعميق التصنيع المحلي، ودعم الصادرات، وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر، وتعزيز قدرة الاقتصاد على توليد النقد الأجنبي بصورة حقيقية، بما يضمن استقرار سوق الصرف على المدى الطويل.
اقرأ أيضًا: هل تجاوز الاقتصاد المصري اختبار التوترات الجيوسياسية؟
