تحدثت الحكومة المصرية مؤخراً عن إمكانية تبني “اقتصاد الحرب” في حال تفاقم الأوضاع الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، خاصة مع تصاعد التوترات الإقليمية، وقد جاءت تصريحات رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي كمحاولة لاستباق الأحداث والتحضير لسيناريوهات اقتصادية تتضمن اتخاذ تدابير صارمة لمواجهة الأزمات المحتملة.
وأشار المستشار محمد الحمصاني، المتحدث باسم رئاسة الوزراء، إلى أن تبني “اقتصاد الحرب” سيتطلب اتخاذ تدابير استثنائية لضمان استمرارية سلاسل الإمداد، خصوصاً في حال تفاقمت الأزمات العسكرية في المنطقة، مؤكدًا أن الأولويات تشمل تأمين السلع الأساسية والأدوية ومصادر الطاقة؛ لضمان استقرار الاقتصاد، وتلبية احتياجات المواطنين.
وقد تم إطلاق مصطلح “اقتصاد الحرب” ليٌعبّر عن اتخاذ تدابير اقتصادية متشددة تهدف إلى حماية الموارد الوطنية في مواجهة أزمات داخلية أو خارجية، ويتضمن هذا النهج وضع الاقتصاد في حالة تأهب قصوى، وإعادة ترتيب الأولويات في الإنفاق العام لضمان تلبية الاحتياجات الأساسية للدولة، مع تقليص النفقات غير الضرورية.
في ضوء هذه التصريحات، سلطت الأوساط الاقتصادية الضوء على تأثير هذا النهج على الاقتصاد المصري الذي يعاني من تحديات مستمرة منذ سنوات، منها الأثر المباشر للصراعات الإقليمية، مثل الحرب على غزة، وتزايد التوترات في لبنان، والمواجهات المتوقعة مع إيران.
اقرأ أيضًا: “السيسي”.. هل يُعيد حسابات مصر مع صندوق النقد؟
مؤشرات وأرقام
تشير الإحصاءات الرسمية إلى زيادة عجز الميزان التجاري بنسبة 27% منذ يونيو الماضي، مع انخفاض عوائد قناة السويس بنسبة 25% على أساس سنوي لتصل إلى 6.6 مليار دولار، متراجعة بنحو 2.2 مليار دولار، كما بقيت واردات البترول ثابتة عند 13.4 مليار دولار، في حين انخفضت صادرات الغاز الطبيعي إلى 6.6 مليار دولار مقارنة بـ 7.2 مليار دولار في العام السابق.
يرجع السبب في هذه التراجعات إلى التوترات في منطقة البحر الأحمر التي أثرت على حركة الملاحة البحرية، ودفعت بعض شركات الشحن إلى تغيير مساراتها. كما أثرت الأحداث الراهنة على تحويلات المصريين العاملين بالخارج، التي انخفضت بنسبة 0.6% إلى 21.9 مليار دولار بعد أن كانت 22.1 مليار دولار في يونيو 2023.
ووفقًا للخبراء قد يؤدي تطبيق “اقتصاد الحرب” إلى اتخاذ قرارات تؤثر بشكل مباشر على الفئات المختلفة من المواطنين، سعياً للسيطرة على معدلات التضخم وزيادة الإيرادات، مؤكدين الحاجة إلى وضع جدول زمني واضح لتنفيذ خطة تنموية بقيادة القطاع الخاص، للتخفيف من الأعباء على المواطنين.
إجراءات لحماية المواطنين
ومن جانبه يقول الدكتور ناصر النجار، الخبير الاقتصادي، إن التصريحات الحكومية حول “اقتصاد الحرب” تأتي كمؤشر على الاستعداد لمواجهة أزمات محتملة بسبب تصاعد الصراع في المنطقة، وقد أوضح أن هذه الفكرة ليست جديدة، فقد تم استخدامها من قبل الحكومة بعد ثورة 30 يونيو 2013، حينما تم اتخاذ مجموعة من الإجراءات لمواجهة الأزمات، وأشار إلى أن أزمة الطاقة ستكون محورية، وأنه من المحتمل أن تتخذ الحكومة سياسات لضمان تأمين واردات النفط والغاز لمواجهة أي تداعيات مستقبلية.
ولفت الخبير إلى أن تصاعد الصراع في المنطقة قد يؤدي إلى نقص في سلاسل الإمداد، ما يدفع الحكومة إلى تبني سياسات أكثر صرامة، تشمل ترشيد استهلاك السلع وضبط الإنفاق العام، وحظر استخدام النقد الأجنبي في استيراد الكماليات، مع فرض قيود صارمة لتجنب هدر الموارد.
وبالتالي، تأتي تصريحات الحكومة بشأن “اقتصاد الحرب” كجزء من الاستعداد للتحديات الإقليمية والداخلية التي قد تؤثر بشكل كبير على الاقتصاد المصري، حيث تسعى الحكومة إلى حماية الاقتصاد وتأمين احتياجات المواطنين في مواجهة أي أزمات محتملة من خلال تبني سياسات متشددة وترشيد الإنفاق.
ومن جهته أوضح الدكتور عمرو يوسف، أستاذ الاقتصاد والتشريعات المالية، أن “اقتصاد الحرب” هو نمط اقتصادي تتبناه الدول أثناء فترات الصراع المسلح، حيث يتم توجيه الموارد الاقتصادية؛ بما في ذلك العملة، والإنتاج، والتجارة، لصالح الجهود العسكرية، وذلك بهدف دعم متطلبات الحرب عن طريق تنظيم الاقتصاد بشكل يتماشى مع الاحتياجات العسكرية الأساسية، مما يتطلب تغييرات كبيرة في الإنتاج والاستهلاك وتخصيص الموارد في كثير من الأحيان.
اقرأ أيضًا: كيف تؤثر زيادة أسعار الوقود في مصر على المواطن؟
متى تطبق الدول اقتصاد الحرب؟
قال الدكتور عمرو يوسف إنّ الدول تطبق “اقتصاد الحرب” في حالات الصراع المسلح أو الطوارئ الوطنية الكبرى، عندما تتطلب الظروف تعبئة شاملة للموارد لتحقيق الأهداف العسكرية، وعادةً ما يحدث ذلك في الحروب الكبيرة، مثل الحروب العالمية، أو عند مواجهة تهديدات وجودية تستلزم تركيز الجهود الاقتصادية لضمان البقاء وتعزيز القدرات الدفاعية. فضلًا عن ذلك، قد تلجأ الدول إلى اقتصاد الحرب في حالات النزاع الداخلي، كالحروب الأهلية، أو في ظل ضغوط خارجية تهدد الاقتصاد الوطني بشكل مباشر.
سمات اقتصاد الحرب
عادةً ما يحمل نظام “اقتصاد الحرب” سمات معيّنة، وهي كما يأتي:
- تعبئة الموارد: يتم توجيه كافة الموارد الاقتصادية، سواء كانت بشرية أو مادية، لدعم المجهود الحربي، ويمكن أن يشمل ذلك تحويل المصانع المدنية إلى مصانع إنتاج عسكري، وتجنيد عدد كبير من الأفراد في القوات المسلحة.
- السيطرة الحكومية: يتسم اقتصاد الحرب بزيادة السيطرة الحكومية على الأنشطة الاقتصادية؛ مثل تحديد الأسعار، وفرض الحصص على السلع الاستهلاكية، ومراقبة التجارة، وذلك بهدف ضمان توفر الموارد الأساسية وعدم انقطاع الإمدادات الحربية.
- زيادة الإنفاق العسكري: ترتفع ميزانية الدفاع بشكل كبير، مما يؤدي إلى تحويل جزء كبير من الإنفاق الحكومي نحو دعم الأنشطة العسكرية على حساب الإنفاق المدني.
- التقنين والرقابة: يتم فرض إجراءات تقنين على المنتجات الغذائية والسلع الأساسية، لضمان استخدامها بشكل عادل وكافٍ لدعم الجنود والسكان.
تبعات اقتصاد الحرب
تطبيق اقتصاد الحرب يمكن أن يحمل معه العديد من التبعات على مختلف الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية:
- التضخم وانخفاض مستوى المعيشة: تؤدي زيادة الطلب على السلع العسكرية إلى نقص في المنتجات الاستهلاكية، مما يتسبب في ارتفاع الأسعار، وبالتالي تضخم اقتصادي يؤثر سلبًا على مستوى المعيشة للسكان.
- تغيير هيكل الاقتصاد: ينتج عن توجيه الموارد نحو الصناعة العسكرية تحوّل في هيكل الاقتصاد الوطني، حيث يصبح الإنتاج الصناعي العسكري أكثر أهمية، بينما يتم تقليل الإنتاج في القطاعات المدنية الأخرى، الأمر الذي قد يؤثر على تنوع الاقتصاد وقدرته على التعافي بعد انتهاء الحرب على المدى الطويل.
- التأثير على القوى العاملة: يؤدي تجنيد أعداد كبيرة من العمال والمهنيين في الجيش إلى نقص في الأيدي العاملة في القطاعات المدنية؛ مما قد يعرقل عمليات الإنتاج المدني، ويؤثر على حياة الناس اليومية، وفي بعض الأحيان يتم تجنيد النساء والأطفال لسد هذه الفجوات.
- زيادة الدين العام: غالبًا ما تلجأ الحكومات إلى الاقتراض أو إصدار سندات لتمويل الإنفاق العسكري الضخم، مما يؤدي إلى تراكم الدين العام، وقد يصبح التعافي من هذا الدين تحديًا كبيرًا في فترة ما بعد الحرب.
- تأثيرات اجتماعية وسياسية: قد يترتب على اقتصاد الحرب تزايد الضغوط الاجتماعية بسبب التقنين وتدهور الأوضاع المعيشية، وهذا قد يؤدي إلى قيام الاحتجاجات والإضرابات، كما أن السيطرة الحكومية المتزايدة قد تُغير النظام السياسي وتزيد الاستبداد بحجة تحقيق الأمن الوطني.
أمثلة تاريخية
أشار يوسف إلى وجود العديد من الأمثلة التاريخية على تطبيق “اقتصاد الحرب”، ففي الحرب العالمية الثانية مارست العديد من الدول الكبرى، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا، نظام “اقتصاد الحرب”؛ حيث تم تعبئة الموارد البشرية والمادية بشكل غير مسبوق لدعم المجهود الحربي، وهذ أدى بالفعل إلى تحقيق الإنتاج الحربي الضخم، لكنه جاء بتكلفة اقتصادية واجتماعية كبيرة.
والاتحاد السوفيتي كذلك اتبعت هذا النظام خلال الحرب الباردة، ففي ظل مواجهة تهديدات دائمة من الغرب، اعتمدت بشكل دائم على “اقتصاد الحرب”؛ حيث تم توجيه نسبة كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي نحو الإنفاق العسكري.
أما في منطقة الشرق الأوسط فهناك دول مثل العراق وإيران خلال حربهما في الثمانينيات، وكذلك سوريا خلال الحرب الأهلية، اعتمدت بشكل كبير على تعبئة الموارد لتمويل العمليات العسكرية، مما أثر بشكل مباشر على الاقتصاد والمجتمع.
ويرى يوسف أن اقتصاد الحرب في العصر الحالي، قد يكون أقل وضوحًا منه في النماذج التقليدية، لكنه ما يزال ظاهرًا في سياقات مختلفة؛ مثل الحروب التجارية، أو الأزمات الصحية الكبرى التي تتطلب توجيه الموارد بشكل سريع ومنظم، كما حدث خلال جائحة كورونا، كما يُمكن أن تؤدي الأزمات الأمنية والصراعات الإقليمية إلى اتخاذ تدابير اقتصادية مشابهة لاقتصاد الحرب بهدف تعزيز القدرات الدفاعية والأمن القومي.
وفي نهاية حديثه أوضح الخبير أن “اقتصاد الحرب” هو أداة تلجأ إليها الدول لضمان تحقيق الانتصار أو البقاء في أوقات الأزمات الكبرى، لكنه يأتي بتبعات اقتصادية واجتماعية قد تكون طويلة الأمد، فضلًا عن أنّ إدارة “اقتصاد الحرب” تتطلب توازناً دقيقاً بين توجيه الموارد لدعم الجهود العسكرية، والحفاظ على استقرار الاقتصاد المدني لضمان عدم تدهور الأوضاع بعد انتهاء النزاع.
