مع تصاعد الحدة الجيوسياسية الراهنة، استقرت العقوبات الاقتصادية كأبرز أدوات الردع في ترسانة السياسة الخارجية الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة. ويهدف هذا السلاح المالي إلى تقويض القدرات التشغيلية والدفاعية للدول التي تتعارض توجهاتها مع الغرب، دون الانزلاق نحو مواجهات عسكرية مباشرة.
ومع ذلك، تُظهر المؤشرات الميدانية والبيانات الجمركية الحديثة أن هذه التدابير أسفرت عن ظاهرة مغايرة تماماً للتوقعات، تمثلت في تشكّل اقتصاد ظل عالمي تقوده الصين، ويُعرف في الأوساط السياسية بـ "محور التحايل على العقوبات".
وعلى الرغم من أن القيود المالية غير المسبوقة المفروضة على دول مثل روسيا، وإيران، وفنزويلا، وكوريا الشمالية، قد ضغطت بالفعل على اقتصاداتها وحدّت من وصولها إلى الأسواق والسلع الغربية، إلا أن بكين نجحت في تقويض هذه الجهود عبر بناء شبكة روابط تجارية ونقدية موازية.
وفي مقابل هذه الاتهامات، يرى المتحدث باسم السفارة الصينية في واشنطن، ليو بينغيو، أن بكين تدير تبادلات تجارية واقتصادية طبيعية مع هذه الدول على أسس المساواة والمنفعة المتبادلة، مؤكداً أن هذه الصفقات مشروعة وتتم بموجب القانون الدولي، ومن ثم يجب احترامها وحمايتها.
إعادة تشكيل المشهد الجيوسياسي لأسواق الطاقة
وفي قراءة لأبعاد هذا الحراك، أوضحت الدكتور مها الشيخ، الأستاذ المساعد في سلاسل التوريد بجامعة الشرق الأوسط بالأردن، في تصريحات خاصة، أن العقوبات الغربية غدّت -بشكل غير مقصود- صعود محور التهريب النقدى والتجاري بقيادة الصين.
وأضافت الشيخ: "بدلاً من أن تؤدي العقوبات إلى إضعاف خصوم واشنطن، ساهمت في صياغة اقتصاد ظل معقد تلعب فيه بكين دوراً محورياً يعكس طموحها لإعادة رسم التوازنات الجيوسياسية؛ فمن خلال الاستحواذ على النفط منخفض السعر من روسيا وإيران وفنزويلا، لا تعزز الصين مرونتها الاقتصادية فحسب، بل ترسخ مكانتها كلاعب مهيمن ومتحكم في أسواق الطاقة العالمية".
اقرأ أيضًا: ما هو سبب انهيار اقتصاد فنزويلا رغم ثروتها النفطية الهائلة؟
بالأرقام: صمود الاقتصادات المستهدفة وتجاوز الصدمة الأولى
من جانبه، يرى الباحث الاقتصادي الدكتور عامر الشوبكي أن استراتيجية العقوبات الغربية بدت ذات أثر تدميري مؤقت، لكن مفعولها السياسي في تغيير سلوك الأنظمة ظل ضعيفاً. ويستدل الشوبكي بالاقتصاد الإيراني الذي وصل إلى حافة الهاوية عام 2019، قبل أن يعاود إنعاش صادراته النفطية لاحقاً وتتجنب طهران الانهيار الشامل.
وينطبق المشهد ذاته على بكين وموسكو؛ حيث يوضح الشوبكي أن الحظر الغربي المفروض على تصدير الرقائق والتكنولوجيا المتقدمة للصين دفعها لتبني استراتيجيات "الهندسة العكسية" وتطوير بدائل محلية كفؤة.
وفي الحالة الروسية، انكمش الاقتصاد بنسبة 1.5% في عام 2022 (عام اندلاع الحرب وفرض العقوبات الصارمة)، إلا أنه سرعان ما استعاد عافيته ليسجل نمواً لافتاً، وسط توقعات صندوق النقد الدولي بأن يحقق الاقتصاد الروسي نمواً بنسبة 2.8%، وهو ما يبرهن على نجاح هذه الدول في بناء قنوات التفافية مشتركة.
وتتفق رانيا جول، محللة الأسواق في الشرق الأوسط لدى "XS.com"، مع هذا التحليل، مشيرة إلى أن استمرار الحرب في أوكرانيا أثبت أن العقوبات دفعت موسكو إلى اللجوء الكامل لبكين، مما عجل بولادة قطب اقتصادي بديل. وأفادت جول بأن تبادل السلع الحيوية -مثل النفط، والتكنولوجيا الدقيقة، والطائرات بدون طيار- وفر ملاذاً آمناً لهذه الدول لتحدي الهيمنة الغربية، مما أثار هواجس أمنية بالغة لدى واشنطن وحلفائها كون هذا التقارب عزز قدرة روسيا الاستراتيجية على مواصلة عملياتها العسكرية.
اقرأ أيضًا: الصين وأمريكا.. من وهم الشراكة إلى حرب النفوذ
لغة المصالح: كيف يتكامل محور التهريب؟
يقوم محور التحايل على توازن دقيق وتوافق وثيق في الاحتياجات التجارية؛ فالصين -باعتبارها أكبر مستورد للنفط عالمياً- تشتري أكثر من 11 مليون برميل يومياً لتغذية مصانعها، وتحصل على حصة ضخمة منها من ثلاثة منتجين رئيسين في منظمة "أوبك" (روسيا وإيران وفنزويلا) بأسعار مخفضة للغاية. وفي المقابل، تستخدم هذه الدول العائدات النفطية الدولارية أو البديلة لشراء السلع الاستراتيجية والتكنولوجية المحظورة غريباً من الصين.
وفي هذا السياق، ترى كيمبرلي دونوفان، الباحثة في "مجلس الأطلسي" بواشنطن، أن التدفقات المالية الناتجة عن مبيعات النفط للصين تقوض مباشرة فاعلية العقوبات. ونبّهت دونوفان إلى أن اعتماد هذه الدول على اليوان الصيني وأنظمة الدفع التابعة لبكين (مثل نظام CIPS) يحجب البيانات المالية عن الرقابة السلطات الغربية، مما يضعف قدرتها الاستقصائية والتنفيذية على ملاحقة الأموال.
اقرأ أيضًا: مصادرة أسطول الظل تضرب شريان نفط روسيا
الفوضى الدولية ومحدودية الخيارات الغربية
وحذر الدكتور عامر الشوبكي من أن هذا الانقسام الحاد خلق حالة من الفوضى الاقتصادية والسياسية العالمية؛ حيث يسعى كل قطب لاستمالة الدول النامية، وهو ما تفسره سلسلة الانقلابات والاضطرابات السياسية الأخيرة في إفريقيا، فضلاً عن تراجع أمن الممرات البحرية الحيوية.
ويرى الشوبكي أن الخيارات الغربية باتت محدودة جداً ومحفوفة بالمخاطر؛ إذ إن استمرار نمو الاقتصادين الصيني والروسي رغم القيود قد يدفع النظام الدولي نحو نقطة صدام مباشر. واعتبر أن خيار "الدبلوماسية والتفاهم" وصياغة أسس تجارية أكثر عدالة ومنطقية يظل أجدى بكثير للغرب من مواصلة سياسة العقوبات غير الفعالة.
بينما لفتت الدكتورة مها الشيخ إلى أن ترسيخ الصين لنفوذها التجاري عبر القارات يشير إلى تحول عميق وجذري في موازين القوى العالمية، يحمل تداعيات استراتيجية بعيدة المدى على الاستقرار الجيوسياسي الدولي.
العقوبات كسلاح ذي حدين
وصفت رانيا جول العقوبات الاقتصادية بأنها أداة "ارتدادية وعكسية" في كثير من الأحيان؛ حيث تسببت في تقوية جبهة الخصوم بدلاً من تفكيكها. ودعت جول العواصم الغربية إلى ضرورة إعادة تقييم استراتيجياتها، وعدم الاعتماد على الحصار المالي كأداة وحيدة، والتركيز بدلاً من ذلك على المسارات الدبلوماسية وتنويع الحلول الدولية.
واختتم الخبراء بالتشديد على الدور الحيوي والوجودي للصين في هذا المشهد؛ فبدون الثقل الصناعي والنقدي لبكين، لم يكن لـ "محور التحايل" أن يتشكل أو يصمد؛ فالصين أمنّت لروسيا منافذ تصديرية بديلة للنفط وعوّضتها عن التكنولوجيا الغربية المفقودة، ووفرت لكوريا الشمالية المكونات الدقيقة لصناعاتها العسكرية، مثلما أمدّت إيران بالقطع الحيوية لتصنيع الطائرات المسيرة، مما جعل من هذه الكتلة الاقتصادية الموازية حائط صد جداري في وجه الحرب المالية الأمريكية.
ولمواجهة هذا التحدي المركب، توصي الدكتورة مها الشيخ القوى الغربية بتبني استراتيجية متعددة المحاور، ترتكز على تحديث آليات الرقابة عبر تشديد التنظيم على المعاملات المالية المشبوهة العابرة للحدود، وصياغة أطر تجارية بديلة بهدف تقديم حوافز اقتصادية للدول النامية وموازنة التمدد الصيني المتنامي في قارات العالم الحيوية.
