تقرير: باسل محمود
في قلب لندن، وتحديداً تحت شوارعها الصاخبة، تختزن خزائن ضخمة ما يُقدر بـ800 مليار دولار من الذهب، لكن في شهر يناير الماضي، شهدت هذه الخزائن حركة غير مسبوقة، حيث خرج ما يقارب 4.9 مليون أوقية من المعدن الأصفر في اتجاه واحد، وهو الولايات المتحدة، بحسب بلومبرج.
هذه الحركة ليست مغامرة سينمائية، بل اتجاه مدروس من المستثمرين الذين يسابقون الزمن لتفادي مخاطر جمركية محتملة، واستغلال فرص الربح الناتجة عن فروق الأسعار بين لندن ونيويورك.
خزائن لندن تفقد بريقها
لطالما كانت لندن القلب النابض لتداول الذهب عالمياً، بفضل نظامها المالي المتين وسمعتها كمركز موثوق لتخزين المعادن الثمينة. مع ذلك، شهد شهر يناير الماضي تراجعاً تاريخياً في حجم الذهب المخزن في خزائن العاصمة البريطانية، حيث انخفضت الكميات بمقدار 4.9 مليون أوقية، وهو أدنى انخفاض شهري منذ بدء رصد البيانات في عام 2016.
هذا التدفق غير المسبوق للخارج بلغ قيمته نحو 14 مليار دولار، مما أدّى إلى تقليص المخزونات بنسبة 1.7% مقارنة بشهر ديسمبر 2024، ورغم أنَّ لندن ما زالت تحتفظ بمكانتها كمركز رئيس، فإنَّ هذه الحركة تعكس تحولات ديناميكية في الأسواق العالمية، حيث يسعى المستثمرون إلى استغلال كل فرصة تلوح في الأفق، خاصّة عندما تكون مدفوعة بمخاوف من تغييرات سياسية محتملة.
مخاوف ترامب تدفع بالذهب إلى نيويورك
أحد المحركات الرئيسة لهذا النزوح الذهبي هو الخوف المتزايد من احتمال فرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لرسوم جمركية على المعادن الثمينة، بما في ذلك الذهب. وعلى الرغم من عدم وجود أيّ تأكيد رسمي من البيت الأبيض حتى الآن، إلَّا أنَّ التحليلات التي أجرتها مؤسسة “Citigroup” تُشير إلى وجود احتمال بنسبة 20% لفرض رسوم جمركية شاملة بنسبة 10% على جميع الواردات.
هذه التوقعات دفعت بأسعار الذهب في الولايات المتحدة إلى تجاوز نظيرتها في لندن الشهر الماضي، مما أوجد فرصة نادرة للمستثمرين للاستفادة من التراحُل على الفارق، وهي عملية استغلال الفروق السعرية بين الأسواق لتحقيق أرباح سريعة، فلم يتردد التجار في شحن كميات ضخمة من الذهب عبر الأطلسي للاستفادة من هذه الفوارق.
اقرأ أيضًا: 5 أسرار تقود أسعار الذهب إلى القمة
كيف تفاعل السوق مع تدفقات الذهب؟
لم تقتصر التدفقات الخارجة على الذهب فقط، بل شهدت مخزونات الفضة أيضاً أكبر تدفق خارجي مسجل، نتيجة لفارق التسعير المشابه بين لندن ونيويورك، وبينما بدأ فارق أسعار الذهب يتقلص هذا الأسبوع، لا يزال الفارق في الفضة قائماً، ما يفتح الباب لمزيد من التحركات في الأسواق.
جمعية سوق الذهب في لندن “LBMA” أوضحت أنَّ هذه التحركات تعكس ديناميكيات السوق الحالية، مشيرةً إلى أنَّ انخفاض المخزونات بمقدار 151 طناً في يناير كان متوقعاً إلى حدٍّ كبير في ظل التقلبات السوقية المستمرة.
رغم ذلك، فإنّ ما يثير القلق هو الارتفاع الحاد في معدلات تأجير الذهب الشهري، الذي يمثل تكلفة الاقتراض قصير الأجل للمعدن، حيث وصلت هذه المعدلات إلى أعلى مستوياتها منذ عقود.
تأثير التدفقات على السوق العالمي
مع استمرار خروج الذهب والفضة من خزائن لندن، بدأ التأثير يظهر بشكل ملحوظ على الأسواق العالمية؛ فقد شهدت البنوك والمؤسسات المالية الكبرى، مثل JPMorgan Chase & Co وBrink’s Co، التي تدير خزائن ضخمة للمعادن الثمينة، انخفاضاً كبيراً في مخزوناتها.
حتى بنك إنجلترا، المعروف بسياساته الحذرة، لم يكن بمنأى عن هذه التحولات، حيث شهد تشكيل صفوف طويلة لسحب الذهب، مما أدى إلى خصومات غير اعتيادية على الذهب المخزن هناك مقارنة بالسوق الأوسع.
ورغم حجم التدفُّقات الخارجة، إلَّا أنَّ الأسواق لا تزال حذرة في توقعاتها للمستقبل، ومع أنَّ المؤشرات تُشير إلى احتماليّة فرض رسوم جمركية، لم تصدر حتى الآن أيّ إشارات رسمية من الإدارة الأمريكية الحالية بهذا الشأن.
هذا يعني أنَّ المستثمرين قد يجدون أنفسهم في موقف غير مريح إذا لم تتحقق هذه المخاوف، لكن تظل التقلُّبات السياسية والاقتصادية العالمية عاملاً مهماً في تحديد اتجاهات السوق، وفي حال استمرَّت المخاوف من فرض رسوم جمركية أو زادت حدة التوترات التجارية بين الولايات المتحدة وباقي العالم، فقد نشهد المزيد من التدفقات الخارجة من مراكز التخزين التقليدية مثل لندن.
اطّلع أيضًا على تغيّرات أسعار الذهب المتوقّعة في 2025
سباق مستمر أم فقاعة مؤقتة؟
لا يمكن اعتبار تدفقات الذهب من لندن إلى نيويورك في يناير مجرد حركة عابرة، فهي تعكس تحولات أعمق في هيكل السوق العالمي، وما بين مخاوف السياسات الجمركية وفرص التراحُل على الفارق والارتفاع الحاد في تكلفة تأجير الذهب، يبدو أنَّ المستثمرين يسابقون الزمن لضمان مواقعهم في سوق يشهد تحولات متسارعة.
السؤال الذي يبقى: هل ستستمر هذه الموجة من التدفقات أم أنها مجرد فقاعة مؤقتة؟ الإجابة تعتمد بشكل كبير على التطوّرات السياسية في الولايات المتحدة وتغيُّرات الأسعار في الأسواق العالمية، لكن في كل الأحوال، يبقى الذهب المعدن الذي لا يفقد بريقه، حتى لو تنقَّل بين خزائن القارات.
موضوع ذو صلة: السياسات النقدية العالمية ترسم ملامح أسعار الذهب في 2025
