تقرير: باسل محمود
في خطوة لتعزيز الاقتصاد الوطني، تُخطط حكومة نيوزيلندا لإجراء تغييرات جذرية على برنامج “التأشيرة الذهبية” الذي يتيح للأثرياء والمستثمرين الأجانب الحصول على إقامة في البلاد مقابل استثمارات ضخمة، وفق بلومبرج.
بعد أن كان هذا البرنامج مصدرًا رئيسيًا لجذب الاستثمارات، شهد انخفاضًا ملحوظًا في عدد المتقدمين بعد التعديلات التي أُجريت عليه في 2022.
لكن الحكومة الحالية، التي تتبنى توجهًا وسطيًا – يمينيًا، تسعى لتعديل الشروط لجذب المزيد من رؤوس الأموال وتنشيط الاقتصاد المحلي من خلال استثمارات جديدة.
التأشيرة الذهبية في نيوزيلندا
برنامج التأشيرة الذهبية النيوزيلندي، الذي يُعرف باسم “تأشيرة المستثمر النشط بلس”، كان سابقًا بمثابة أداة قوية لجذب الأثرياء والمستثمرين الأجانب.
منذ إطلاقه، نجح في جمع مليار دولار نيوزيلندي سنويًا في المتوسط، أي نحو 580 مليون دولار أميركي، ولكن مع تعديل القوانين في عام 2022، بدأت الأرقام في التراجع بشكل ملحوظ.
في العامين الماضيين، تمت الموافقة على 35 طلبًا فقط، ما يمثل أقل من 10% من الأهداف المأمولة، ما أثار تساؤلات حول فعالية هذه القوانين المعدلة.
تُعزى هذه النتائج المخيبة، إلى الشروط الجديدة التي فرضت استثمارات أكبر وأدوات استثمارية أكثر تعقيدًا، إذ يتطلب البرنامج في صيغته الحالية من المتقدمين استثمارًا مباشرًا بقيمة لا تقل عن 5 ملايين دولار نيوزيلندي، أو استثمارًا سلبيًا بقيمة 15 مليون دولار نيوزيلندي، ما يُعد عائقًا أمام العديد من المستثمرين.
اقرأ أيضًا: نيوزيلندا تؤجل ضريبة انبعاثات الغازات الدفيئة بالقطاع الزراعي
نيوزيلندا تخطط لرفع التحديات
في تصريح لها مع بلومبرج، قالت وزيرة المالية نيكولا ويليس إن الحكومة الحالية تدرك تمامًا أن التغييرات التي أُدخلت في عام 2022، كانت السبب وراء التراجع الحاد في عدد المستثمرين.
“لقد شهدنا انخفاضًا ملحوظًا في عدد المستثمرين بسبب القيود التي فُرضت، ويمكنكم أن تتوقعوا منا إعلانات حول هذا الموضوع في الأسابيع المقبلة”.. قالت ويليس.
هذه التصريحات تشير إلى أن الحكومة بصدد إجراء تغييرات هامة تهدف إلى تبسيط عملية الحصول على التأشيرة وتشجيع تدفق الأموال؛ حيث تُعد هذه الخطوة جزءًا من سياسة الحكومة الساعية إلى تعزيز الاستثمار الأجنبي في الاقتصاد النيوزيلندي الذي يواجه تحديات اقتصادية خاصة بعد تداعيات جائحة كورونا.
استقطاب الأموال والمهارات والخبرات
تشير تصريحات ويليس إلى أن الهدف من تعديلات التأشيرة الذهبية لا يقتصر على جذب المال فقط، بل أيضًا على جلب المهارات والخبرات التي يمتلكها الأثرياء والمستثمرون.
“المستثمرون لا يجلبون الأموال فقط، بل يجلبون معهم أيضًا شبكات من العلاقات التجارية والخبرات التي يمكن أن تدعم الاقتصاد المحلي”، قالت الوزيرة.
هذه النقطة تعد من العوامل الأساسية التي تميز التوجهات الاقتصادية الجديدة، حيث يُنظر إلى الأثرياء والمستثمرين الأجانب كعناصر ذات قيمة مضافة يمكنها أن تسهم في تحسين بيئة الأعمال في نيوزيلندا على مختلف الأصعدة.
على الرغم من أن بعض هؤلاء المستثمرين قد يركزون في البداية على القطاعات المالية أو العقارية، إلا أن كثيرين منهم يسهمون في تعزيز الابتكار والنمو من خلال استثماراتهم المتنوعة.
القوانين الحالية في نيوزيلندا
تُعتبر القوانين الحالية، بالنسبة لبرنامج “التأشيرة الذهبية” أكثر تشددًا مقارنة بالفترات السابقة، فقد كانت نيوزيلندا تتمتع بشروط أقل صرامة، حيث كان يمكن للمستثمرين الأجانب شراء عقارات وسندات أسهم دون الحاجة إلى الامتثال لمتطلبات كبيرة، لكن مع التعديلات التي أُدخلت في 2022، أصبحت الأرقام أكثر تعقيدًا وأعلى بكثير مما كان عليه الحال في الماضي.
هذه القيود الجديدة تشمل حظر شراء العقارات من قبل الأجانب، وهو ما يُعد أحد المواضيع المثيرة للجدل في السياسة الاقتصادية النيوزيلندية.
في عام 2018، أُقر قانون يمنع الأجانب (باستثناء الأستراليين والسنغافوريين) من شراء العقارات السكنية، ويُنظر إلى هذا الحظر كإجراء يهدف لحماية سوق العقارات والحفاظ على توازن الأسعار في وجه الطلب الأجنبي.
اقرأ أيضًا: الفيدرالي أمام المعركة الاخيرة لعام 2024
نقاش حول تخفيف الحظر
في إطار التعديلات على قوانين الاستثمار، أثار موضوع الحظر على شراء المنازل من قبل الأجانب جدلاً كبيرًا في الأوساط السياسية.
في حديثه بعد الانتخابات العامة في 2023، أشار وينستون بيترز، زعيم حزب “الوطن أولاً”، إلى إمكانية السماح للأجانب بشراء المنازل الفاخرة التي تتجاوز قيمتها مليوني دولار نيوزيلندي إذا قرروا الاستثمار في البلاد، في المقابل، قالت ويليس إن الاتفاق على عدم تخفيف الحظر لا يزال قائمًا، لكنها أكدت أن الحكومة ستجري “نقاشات متعددة” حول هذا الموضوع في المستقبل.
يبدو أن هذا التوجه يهدف إلى تحقيق توازن بين جذب المستثمرين الأجانب والحفاظ على مصالح المواطنين المحليين في سوق العقارات.
تعزيز البيئة الاستثمارية
أوضح بعض المحللين، أن التعديلات المقبلة على قوانين الاستثمار قد تشمل تبسيط الإجراءات وتقليل العوائق البيروقراطية التي كانت تفرض تحديات أمام المستثمرين الأجانب.
يُتوقع أن تتضمن الإصلاحات تسهيلات أكبر في الحصول على تأشيرات استثمارية، وهو ما سيساعد في استعادة الجاذبية التي كان يتمتع بها البرنامج في السابق.
يأمل المسؤولون في نيوزيلندا، أن تُسهم هذه التعديلات في تحقيق أهداف الحكومة الاقتصادية الطموحة، التي تركز على جذب المزيد من الاستثمارات في القطاعات الحيوية مثل التكنولوجيا، والطاقة، والبنية التحتية، التي تتطلب موارد مالية ضخمة، هذا يتماشى مع رؤية نيوزيلندا في تعزيز مكانتها على الساحة الاقتصادية الدولية.
تعد التعديلات التي تخطط لها الحكومة النيوزيلندية خطوة استراتيجية تهدف إلى استعادة جاذبية برنامج التأشيرة الذهبية وجذب المستثمرين الأجانب.
رغم الجدل الذي يدور حول بعض النقاط مثل حظر شراء المنازل وتخفيف القيود، يبدو أن التوجه العام يهدف إلى خلق بيئة اقتصادية أكثر انفتاحًا وتنافسية.
مع تنفيذ هذه الإصلاحات، تتطلع نيوزيلندا إلى جذب رؤوس الأموال الأجنبية، وتنشيط قطاعات الاقتصاد المتنوعة والارتقاء بمستوى الحياة في البلاد من خلال استثمارات مبتكرة تعزز من فرص العمل وتدعم نمو الأعمال المحلية.
موضوع ذو صلة: عقوبات أميركا على إيران تُربك أسواق النفط الصينية
