اقتصادات عربية

    لماذا ثبت البنك المركزي المصري أسعار الفائدة؟

    •آخر تحديث •4 دقائق
    لماذا ثبت البنك المركزي المصري أسعار الفائدة؟

    قررت لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري، في اجتماعها المنعقد يوم الخميس 10 يوليو 2025، الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، معتبرة أن هذا التوجه يُمثل الخيار الأنسب في المرحلة الحالية، حيث يسهم في دعم استمرار التراجع في معدلات التضخم، مع الحفاظ على التوازن الضروري بين استقرار الأسعار وتعزيز النمو الاقتصادي المستدام في الوقت ذاته.

    وقد أوضحت اللجنة أنَّ معدل التضخم العام السنوي شهد انخفاضًا ملموسًا خلال الربع الثاني من العام الجاري، إذ تراجع إلى 15.3% مقارنة بنسبة 16.5% التي سجلها في الربع الأول من العام نفسه، ويعكس هذا التراجع نجاح السياسات النقدية التي تم اتباعها في احتواء الضغوط التضخمية، وتوجيه الاقتصاد نحو قدر أكبر من الاستقرار.

    كما أرجعت اللجنة هذا الانخفاض إلى استقرار العوامل الموسمية المؤثرة في حركة الأسعار، إلى جانب التشديد النقدي الملائم الذي تم تطبيقه خلال الفترات الماضية، وكذلك تراجع آثار الصدمات الاقتصادية التي واجهها الاقتصاد المحلي والعالمي خلال العامين الأخيرين.

    تراجع معدلات التضخم في مصر

    في سياق متصل، أظهرت البيانات الصادرة عن البنك المركزي المصري تراجع المعدل السنوي للتضخم العام والأساسي خلال شهر يونيو 2025، حيث بلغ التضخم العام 14.9%، فيما سجل التضخم الأساسي 11.4%، ويرجع هذا الانخفاض بشكل رئيسي إلى تراجع التضخم الشهري، إذ سجّل كل من المؤشرين العام والأساسي معدلات سالبة بلغت -0.1% و-0.2% على التوالي.

    وقد نتج هذا الانخفاض عن تراجع أسعار المواد الغذائية، بالتوازي مع استقرار أسعار السلع غير الغذائية، وهو ما ساهم في تعزيز التوقعات الإيجابية بشأن مسار التضخم في المستقبل القريب.

    وأشارت لجنة السياسة النقدية إلى أن التوقعات الراهنة ترجّح بقاء معدلات التضخم العام عند مستوياتها الحالية خلال ما تبقى من العام 2025، على أن تشهد منحنى هبوطيًا تدريجيًا خلال عام 2026.

    كما أكدت أن وتيرة هذا التراجع ستتوقف بدرجة كبيرة على تطور أسعار السلع غير الغذائية، إلى جانب الإجراءات التي تتخذها الدولة لضبط أوضاع المالية العامة، بما في ذلك التغيرات في الأسعار الخاضعة للتنظيم الإداري وتأثيراتها المحتملة على السوق المحلي.

    ورغم التقدم الملحوظ في مؤشرات التضخم، شددت اللجنة على أهمية التروي قبل البدء في دورة جديدة من التيسير النقدي أو خفض أسعار الفائدة، وأوضحت أن هذا النهج يمنح مساحة إضافية لتقييم الآثار المحتملة للتعديلات التشريعية الأخيرة، وعلى رأسها التغيرات المرتبطة بضريبة القيمة المضافة، والتي قد تترك أثرًا مباشرًا على الأسعار وسلوك الاستهلاك لدى الأفراد.

    وفي هذا الإطار، أكد البنك المركزي التزام اللجنة باتباع نهج مرن يرتكز على التحليل المتأنّي لكل اجتماع على حدة، مع الحرص على الاستجابة للمستجدات الاقتصادية والمالية بشكل مدروس ومتوازن، وعدم التردد في استخدام كافة الأدوات المتاحة لتحقيق هدفه الاستراتيجي المتمثل في الوصول بمعدل التضخم إلى 7% (±2%) في المتوسط بحلول الربع الأخير من عام 2026.

    وفي ختام الاجتماع، أعلن البنك المركزي عن الإبقاء على أسعار العائد الأساسية دون تعديل، حيث استقر سعر عائد الإيداع لليلة واحدة عند 24%، وسعر الإقراض لليلة واحدة عند 25%، فيما سجل كل من سعر العملية الرئيسية وسعر الائتمان والخصم مستوى 24.5%.

    اقرأ أيضًا: ضغوط الشرق الأوسط تلهب سعر الدولار في مصر 

    أهمية تثبيت المركزي المصري أسعار الفائدة

    في تعليق له على هذا القرار، اعتبر الدكتور وليد عادل، الخبير المصرفي، أن قرار لجنة السياسة النقدية بتثبيت أسعار الفائدة في هذا التوقيت من أكثر القرارات دقة واتزانًا في ظل الوضع الراهن، خاصة مع تعقيد وتشابك العوامل الاقتصادية محليًا وعالميًا، وهو ما يتطلب إدارة دقيقة للسياسة النقدية.

    وأشار إلى أن هذا القرار لم يكن تقليديًا أو حياديًا، بل جاء نتيجة قراءة واعية لمعطيات السوق وتطورات المؤشرات، لاسيما التراجع الملحوظ في معدل التضخم السنوي الذي انخفض في يونيو إلى أقل من 16.8%، رغم بقائه فوق النطاق المستهدف للبنك المركزي.

    وأضاف عادل أن الاتجاه نحو تثبيت الفائدة بدلًا من خفضها، يعكس إدراكًا لأهمية الحفاظ على استقرار سعر الصرف وتجنب أي ضغوط جديدة على العملة المحلية، ويسهم في كبح احتمالات نشوء موجة تضخمية جديدة قد تنتج عن زيادة الاستهلاك المحلي.

    كما حذر الخبير من أن أي خفض غير مدروس للفائدة في هذا التوقيت كان من الممكن أن يؤدي إلى انسحاب جزئي للأموال الساخنة، في حال تحول العائد الحقيقي إلى سلبي، وهو ما قد يؤدي إلى هزات في السوق المالية ويضعف الثقة الاستثمارية.

    تأثير تثبيت الفائدة على الأسواق

    أشار عادل إلى أن قرار تثبيت أسعار الفائدة يرسل إشارة قوية للأسواق تؤكد أن السياسة النقدية تتحرك بحذر، وأن خفض الفائدة لن يتم إلا بعد التأكد من أن التضخم يتجه فعليًا نحو الاستقرار، وليس فقط تحت تأثير عوامل وقتية، واعتبر أن المرحلة الحالية تتطلب من صانعي السياسات النقدية التمسك بالثبات والحيطة، خصوصًا في ظل التحولات الكبرى التي شهدها الاقتصاد المصري مطلع عام 2025، مثل تعويم العملة المحلية وارتفاع معدلات الفائدة العالمية، وهي عوامل تفرض على البنك المركزي تبني توجه أكثر تحفظًا.

    وأوضح الخبير المصرفي أن هذا القرار يعزز الثقة في السوق، ويمنح الشركات المحلية وضوحًا أكبر في تخطيطها المالي، كما يحافظ على جاذبية السوق المصرية أمام المستثمرين الأجانب الباحثين عن عائد حقيقي إيجابي في بيئة استثمار مستقرة.

    وأشار إلى أن القرار يساهم أيضًا في تخفيف الأعباء المالية على الدولة، من خلال الحد من ارتفاع تكلفة خدمة الدين العام، خاصة ما يتعلق بالعوائد على أدوات الدين الحكومية مثل أذون الخزانة والسندات.

    وفي ختام حديثه، أكد الدكتور وليد عادل أن الاقتصاد المصري يمر حاليًا بمرحلة إعادة ضبط متكاملة، تتجلى ملامحها في تراجع تدريجي لمعدلات التضخم، واستقرار ملحوظ في سعر صرف الجنيه، وتوقعات إيجابية بتدفقات نقدية من دول الخليج ومؤسسات التمويل الدولية.

    ولفت إلى أن الأسواق بدأت تتهيأ فعليًا لمرحلة خفض الفائدة، والتي قد تبدأ خلال الربع الأخير من العام الجاري، شريطة استمرار التضخم في التراجع بوتيرة مستقرة، واعتبر أن قرار التثبيت جاء في توقيته الصحيح، حيث حافظ على التوازن بين دعم النشاط الاقتصادي واستقرار العملة وكبح التضخم، بما يحقق مصالح الاقتصاد الوطني في الأمدين القصير والمتوسط.

    قد يهمّك أيضًا: قراءة تحليلية في موازنة مصر 2025/2026.. أرقام متضاربة وجدالات محتدمة