متد تداعيات موجة بيع السندات الأميركية إلى أسواق ديون الشركات، مع ارتفاع العائد الذي يطلبه المستثمرون لتمويل الشركات الأضعف وازدياد كلفة إعادة تمويل الديون المستحقة.
وبلغ عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات 5.31% في 5 أكتوبر، بعدما لامس 5.342% في بداية الشهر، وهو أعلى مستوى منذ أوائل 2002، وتحوّل هذا الصعود إلى ضغط مباشر على الشركات، لأن عوائد السندات الأميركية تمثل نقطة الانطلاق لتسعير معظم القروض والسندات المقومة بالدولار.

موجة بيع السندات الأميركية تضغط على الشركات الأضعف
وصل العائد الفعلي لمؤشر "ICE BofA" للسندات الأميركية المصنفة "CCC" أو أدنى إلى 17.32% في 8 أكتوبر، وتضم هذه الفئة الشركات ذات الجدارة الائتمانية الأضعف داخل سوق السندات الأميركية عالية العائد.
وسجل هامش العائد المعدل بالخيارات، وهو العائد الإضافي فوق منحنى سندات الخزانة لتعويض مخاطر الائتمان، 12.52 نقطة مئوية في اليوم نفسه، ويكشف الفرق بين الرقمين مسارين متزامنين، الأول ارتفاع عوائد السندات الحكومية، والثاني قفزة التعويض الذي يطلبه المستثمرون مقابل مخاطر التعثر.
وتواجه الشركات التي تحتاج إلى إعادة تمويل قريبة، أو تعتمد على قروض متغيرة الفائدة، أكبر ضغط، فالدين القائم ذو الفائدة الثابتة يحتفظ بسعره حتى موعد الاستحقاق، بينما تنتقل الزيادة في الفائدة بسرعة أكبر إلى القروض المتغيرة وإلى السندات الجديدة.
وتتحول الفجوة بين الفائدة القديمة والجديدة إلى عبء على التدفقات النقدية، فالشركة التي اقترضت عندما كانت الفائدة قرب الصفر قد تجد نفسها أمام كلفة تمويل أعلى بعدة نقاط مئوية عند تجديد الدين، ما يرفع حصة الفوائد من الأرباح ويقلص الأموال المتاحة للاستثمار والتوظيف والاستحواذات.
اقرأ أيضاً: النفط والديون يدفعان عوائد السندات الأميركية لذروة 24 عاماً
صفقات كبرى تختبر شهية المستثمرين
اختبرت صفقة "باراماونت سكاي دانس" لشراء "وارنر براذرز ديسكفري" قدرة السوق على استيعاب تمويلات ضخمة في وقت ترتفع فيه العوائد، وأُنجز الاستحواذ في 6 أكتوبر، وبلغت قيمة المنشأة في الصفقة 110 مليارات دولار، مقابل 81 مليار دولار قيمة لحقوق المساهمين.
وطرحت الشركة تمويلاً دائماً جديداً بنحو 51.9 مليار دولار، شمل قروضاً وسندات من درجات أولوية مختلفة، ويضع هذا النوع من التمويل المستثمرين أمام مفاضلة مباشرة بين عائد مرتفع ومخاطر أكبر، خاصة عندما يعتمد سداد الدين على قدرة الشركة المندمجة على رفع التدفقات النقدية وتحقيق وفورات التشغيل.
وتواجه "ماكورميك" حسابات مشابهة في صفقتها المقترحة لدمج أعمال الأغذية التابعة لـ"يونيليفر"، ومن المتوقع إغلاق الصفقة بحلول منتصف 2027 بعد استكمال الموافقات التنظيمية وموافقة المساهمين، وقد حصلت "ماكورميك" على تمويل جسري ملتزم به بقيمة 15.7 مليار دولار قبل ترتيب التمويل الدائم.
وتدفع هذه الظروف الشركات إلى إعادة تقييم آجال الاستحقاق، ومزيج الديون ثابتة ومتغيرة الفائدة، والعملات التي تقترض بها، وتزداد أهمية هذه الخيارات عند تمويل صفقات الاستحواذ الكبيرة أو مشروعات تحتاج إلى سنوات قبل أن تبدأ بتوليد إيرادات كافية.
اقرأ أيضاً: عوائد السندات الأميركية تتجاوز 5%.. لماذا عاد شبح الفائدة المرتفعة؟
الاستثمار يواجه اختبار كلفة التمويل
لا تتوزع الضغوط بالتساوي بين القطاعات، فالشركات ذات التصنيفات الاستثمارية المرتفعة، والقدرة القوية على توليد النقد، تستطيع غالباً الوصول إلى السوق حتى مع ارتفاع العوائد، وتواصل بعض شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الاقتراض لتمويل مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية، لأن العائد الاستراتيجي المتوقع من التوسع قد يتجاوز كلفة التمويل الحالية.
وتتقلص مرونة الشركات الأضعف عندما تتراجع شهية المستثمرين للمخاطرة، وتصبح المشروعات ذات العائد البطيء أكثر صعوبة في التمويل، فيما تحصل العمليات الضرورية أو ذات العائد المرتفع على الأولوية.
وتقدّر "إس آند بي غلوبال" استحقاق نحو 1.5 تريليون دولار من ديون الشركات الأميركية المصنفة خلال 2026، ويجعل هذا الحجم عام إعادة التمويل اختباراً لقدرة الشركات على تمرير كلفة التمويل المرتفعة إلى الإيرادات والأرباح.
الفائدة المرتفعة تنتقل من السوق إلى قرارات الإدارة
رفع الاحتياطي الفيدرالي النطاق المستهدف لسعر الفائدة إلى 3.75% - 4% في سبتمبر، وفي 7 أكتوبر، كانت أسواق العقود تشير إلى ثلاث زيادات إضافية في السيناريو الأساسي خلال الاثني عشر شهراً التالية، بحسب تقديرات مجموعة "CME".
وإذا بقيت العوائد الحكومية مرتفعة، ستعيد الشركات ترتيب أولوياتها بين الاستثمار وإعادة شراء الأسهم والاستحواذات وخفض الدين، ويصبح معيار القرار أكثر صرامة، وهو أن المشروع يحتاج إلى عائد يفوق كلفة رأس المال الجديدة، لا كلفة التمويل التي كانت متاحة قبل سنوات.
وتبدأ موجة البيع في سندات الخزانة داخل سوق حكومي، ثم تنتقل إلى موازنات الشركات وخططها، وكلما طالت فترة الفائدة المرتفعة، اتسع الفرق بين الشركات القادرة على تمويل نموها من التدفقات النقدية، والشركات التي تحتاج باستمرار إلى سوق سندات متسامحة.
