بينما تواجه أوروبا موجات حر شديدة، تسجل أجهزة التكييف الصينية حضوراً متزايداً في الأسواق الأوروبية، لتوفر للمستهلكين جزءاً من الراحة التي يحتاجونها في ظل ارتفاع درجات الحرارة.
لكن هذا المشهد يتجاوز الطلب الموسمي على الأجهزة المنزلية، فهو يسلط الضوء على طبيعة العلاقة الاقتصادية بين الصين والاتحاد الأوروبي، وهي علاقة لا تقوم فقط على المنافسة، بل على تشابك عميق في سلاسل الإمداد والتصنيع والاستهلاك.
وفي وقت تتصاعد فيه التوترات التجارية بين الجانبين، يعيد الطلب الأوروبي على المنتجات الصينية التذكير بأن إدارة الخلافات عبر الحوار قد تكون أقل كلفة للطرفين من الانزلاق إلى إجراءات حمائية متبادلة.
واقع التبادل التجاري بين الصين وأوروبا
تطرح أوروبا مخاوفها من الاختلال التجاري مع الصين غالباً عبر أرقام العجز والفائض، لكن هذه الأرقام وحدها لا تكفي لفهم العلاقة الاقتصادية بين الطرفين؛ إذ إنّ جزء من الصادرات الصينية إلى أوروبا تنتجه شركات أوروبية تعمل داخل الصين، وتسجل هذه المنتجات في الإحصاءات بوصفها صادرات صينية، بينما تعود نسبة من الأرباح والقيمة المضافة والتكنولوجيا إلى الشركات الأوروبية ومساهميها.
كما أن نحو نصف صادرات الصين إلى أوروبا يتكون من سلع وسيطة تدخل في الإنتاج الصناعي الأوروبي، وهذه المدخلات تساعد الشركات الأوروبية على خفض التكاليف، وتحسين الكفاءة، والحفاظ على قدرتها التنافسية في الأسواق العالمية.
علاوة على ذلك، ساهمت الواردات الصينية الأقل كلفة في تخفيف جانب من الضغوط التضخمية داخل أوروبا خلال السنوات الأخيرة، كما وفرت سلاسل الإمداد الصينية دعماً مهماً للإنتاج الصناعي في بيئة عالمية مضطربة.
اقرأ أيضًا: الصين والاتحاد الأوروبي يعززان شراكتهما لمواجهة الضغوط الأمريكية
الرسوم الجمركية لا تعالج مشكلات أوروبا
يتجه الاتحاد الأوروبي بصورة متزايدة إلى استخدام الرسوم الجمركية والحصص والقيود التجارية تحت شعار إعادة التوازن، لكن هذه الأدوات لا تعالج جوهر أزمة القدرة التنافسية الأوروبية، فالتحديات الأعمق داخل أوروبا هيكلية بالأساس.
وتشير تقديرات للبنك المركزي الأوروبي إلى أن الحواجز الداخلية في الاتحاد تعادل رسوماً جمركية تقارب 44% على السلع و110% على الخدمات.
هذه القيود لا يمكن تجاوزها عبر رفع الرسوم على المنتجات الصينية، فتقييد الواردات قد يغير اتجاهات التجارة، لكنه لا يخفض أسعار الطاقة، ولا يعمق أسواق رأس المال، ولا يرفع الإنتاجية، بل قد يؤدي -في بعض الحالات- إلى زيادة التكاليف على المصنعين والمستهلكين الأوروبيين، وإضعاف كفاءة الصناعة بدلاً من تعزيزها.
لماذا يعد الحوار المسار الأقل كلفة للطرفين؟
تمتلك الصين والاتحاد الأوروبي آليات حوار قائمة لإدارة الخلافات الاقتصادية، تشمل قضايا الوصول إلى الأسواق، وشروط الاستثمار، والقطاعات الحساسة، والتحدي الآن هو تحويل هذه المنصات إلى نتائج عملية.
وتقول الصين إنها اتخذت خطوات استجابة لبعض المخاوف الأوروبية، من بينها توسيع الواردات من الاتحاد الأوروبي، وفتح أسواقها أمام منتجات زراعية أوروبية، وتعزيز تنظيم الصادرات والرقابة في مجالات حساسة.
وفي المقابل، تحتاج أوروبا إلى التركيز على تعزيز الابتكار والإنتاجية والنمو، بدلاً من تصوير كل قضية تجارية بوصفها تهديداً للأمن الاقتصادي، فهذا النهج قد يحقق مكاسب سياسية قصيرة الأجل، لكنه لا يحل المشكلات البنيوية، وقد يزيد اضطراب سلاسل الإمداد العالمية.
وتُظهر التجارب أن القدرة التنافسية لا تبنى بالانغلاق، بل بالانفتاح والتفاعل والابتكار، وبالنسبة إلى الصين وأوروبا يبقى توسيع التعاون القائم على المنفعة المتبادلة الطريق الأكثر واقعية نحو علاقة اقتصادية أكثر استقراراً وتوازناً.
قد يهمّك أيضًا: كيف ربحت الصين من حرب إيران؟
