لم تعد موجات الحر المتلاحقة في القارة الأوروبية مجرد ضاغط على منظومة الصحة العامة أو استهلاك الطاقة السكني، بل تحولت إلى صدمة هيكلية تمس صلب الأداء الإنتاجي؛ فخلال هذا الصيف الذي شهد مستويات جفاف وقيم حرارية غير مسبوقة، امتدت التداعيات لتطال سلاسل الإمداد وكفاءة توليد الكهرباء ومعدلات الإنتاج الزراعي والصناعي، وذلك في توقيت يعاني فيه اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالأساس من ضيق الهوامش المتاحة لامتصاص أي اضطرابات خارجية جديدة.
وفي هذا السياق، يشير تقدير صادر عن بنك "تريودوس" الهولندي إلى أن الاضطرابات المرتبطة بالحرارة الشديدة قد تخفض الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي بنحو 1% خلال 2026، بما يعادل قرابة 180 مليار يورو، أو 208 مليارات دولار. وهذا تقدير لحجم النشاط الاقتصادي الذي قد يُفقد خلال العام، وليس فاتورة خسائر تحققت بالفعل.
وتستند هذه القراءة الاقتصادية إلى بيانات مناخية شديدة القسوة؛ إذ وثقت خدمة "كوبرنيكوس" لتغير المناخ تسجيل غرب أوروبا لأشد أشهُر يونيو حرارة في السجلات المناخية، بزيادة بلغت 3.06 درجة مئوية عن المتوسط العام للفترة الممتدة بين عامي 1991 و2020.
الحر يضرب إنتاجية العمال في أوروبا
يضع "تريودوس" تراجع إنتاجية العمال في مقدمة أسباب الخسائر المتوقعة؛ فالحرارة العالية تبطئ العمل في مواقع البناء والمزارع والمخازن ووسائل النقل، كما أنّها تفرض على الشركات إعادة ترتيب ساعات العمل أو تخفيفه لحماية العاملين.
ويقدّر البنك أن تراجع الإنتاجية وحده قد يستنزف نحو 0.6% من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي، وفي الأشكال الاقتصادية الضخمة لا يُشترط حدوث شلل تام في المصانع لبروز الأثر المالي، بل يكفي تراكم الفقد اليومي في ساعات العمل، وانخفاض كفاءة الأداء، وارتفاع معدلات الغياب لإحداث انكماش ملموس في حجم الإنتاج.
وتصبح المشكلة أكبر حين تتزامن الحرارة مع ضعف النمو؛ فخسارة 1% من الناتج المحلي الإجمالي تبدو قريبة من معظم النمو المتوقع للاتحاد الأوروبي هذا العام، لا مجرد أثر جانبي يمكن تعويضه بسهولة في الأشهر التالية.
اقرأ أيضًا: موجات الحر في أوروبا تبرز الاعتماد التجاري على الصين
خسائر زراعية بسبب الجفاف
الزراعة هي القطاع الأكثر تأثرًا بالجفاف والحرارة، خاصة عندما تأتي موجات الحر في مراحل حساسة من نمو المحاصيل. ويتوقع تقرير "تريودوس" تراجع الإنتاج الزراعي الأوروبي بين 3 و7%، ما يفتح الباب أمام ضغوط جديدة على أسعار الغذاء.
وتتفق أحدث البيانات الميدانية مع هذا القلق الهولندي، إذ قال مركز الأبحاث المشترك التابع للمفوضية الأوروبية إن موجات الحر المتكررة ونقص الأمطار استنزفا رطوبة التربة في مناطق واسعة من غرب ووسط أوروبا، وخفّضا توقعات إنتاج الذرة وعباد الشمس بين 6 و7%، فيما تراجعت تقديرات محاصيل الشتاء بين 1 و4%.
ولا تتوقف الخسارة عند المزارع فقط؛ فضعف المحاصيل يرفع كلفة المواد الخام على الصناعات الغذائية، ثم ينتقل جزء من الزيادة إلى المتاجر والمستهلكين، في وقت لا تزال فيه الأسر الأوروبية تتعامل مع ارتفاع كلفة المعيشة.
أزمة الطاقة واللوجستيات
تضغط موجات الحر على شبكة الكهرباء من جهتين؛ الأولى ارتفاع الطلب على التبريد، والثانية تراجع قدرة بعض محطات التوليد على العمل بالكفاءة المعتادة، ومع الجفاف تصبح المياه عاملاً أكثر حساسية في الإنتاج والنقل معاً.
ويحذر بنك "تريودوس" الهولندي من أنّ ارتفاع كلفة الكهرباء، إلى جانب اضطراب الطرق والسكك الحديدية والممرات المائية الداخلية، سيزيد أثر الحرارة على الشركات؛ فالمصنع الذي يواجه كهرباء أغلى أو تأخيراً في وصول المواد الخام لا يخسر إنتاج يوم واحد فقط. بل قد تتعطل لديه سلسلة كاملة من المواعيد والتسليمات.
وتشير بيانات "كوبرنيكوس" إلى أن تدفقات الأنهار كانت دون مستوياتها المعتادة، في أجزاء واسعة من فرنسا ووسط وشرق أوروبا خلال يونيو، وهي مشكلة مباشرة للملاحة النهرية ونقل السلع الثقيلة.
اقرأ أيضًا: ظاهرة إل نينيو.. طقس متطرف يضغط على الغذاء والمياه
فرنسا في مقدمة المتضررين
يتوقع البنك الهولندي أن تكون فرنسا الأكثر عرضة للخسائر؛ إذ قد تخفّض موجات الحر المتكررة ناتجها المحلي بنحو 1.4%. ووفق التقدير نفسه، قد يدفع ذلك الاقتصاد الفرنسي إلى انكماش سنوي بنحو 0.6%.
كما تواجه إيطاليا وإسبانيا وبلجيكا آثاراً كبيرة بسبب تكرار الأيام شديدة الحرارة وحساسية الزراعة والبنية التحتية فيها للجفاف، أما بولندا فيتوقع أن يكون الضرر أقل نسبياً بعدما شهدت عدداً أقل من الأيام ذات الحرارة القاسية.
وتتوقع المفوضية الأوروبية نمواً قدره 1.1% للاتحاد الأوروبي في 2026، بينما يقدّر صندوق النقد الدولي نمو منطقة اليورو -وهي مجموعة أصغر من الاتحاد- عند 0.9%.
لهذا تبدو تقديرات "تريودوس" لافتة بشكل كبير؛ فاقتصاد ينمو بهذا البطء لا يملك مساحة مريحة لامتصاص صيف شديد القسوة، وإذا استمرت الحرارة والجفاف فلن يكون الحديث عن الطقس منفصلاً عن النمو والأسعار والوظائف، بل عن عامل اقتصادي ثقيل يفرض نفسه على موازنات الحكومات والشركات والأسر.
اقرأ أيضًا: فرنسا الحلقة الأضعف في اقتصاد أوروبا بعد تخفيض التصنيف من فيتش
