اقتصادات عربية

    موازنة العراق 2027.. إنفاق قياسي أمام اختبار النفط

    بقلم باسل محمود••آخر تحديث •4 دقائق
    موازنة العراق

    تطرح موازنة العراق 2027، إنفاقاً يبلغ نحو 217.2 تريليون دينار، مقابل إيرادات متوقعة عند 174.2 تريليون دينار، ما يترك عجزاً يقترب من 43 تريليون دينار، بحسب مسودة قالت "ذا ناشيونال" إنها اطلعت عليها، وتمثل الوثيقة مشروعاً لم يقره مجلس الوزراء أو البرلمان بعد، لكنها تكشف حجم الرهان الذي تضعه بغداد على عودة صادرات النفط وتمويل العجز.

    المسألة لا تتعلق بحجم الإنفاق وحده، فالعراق تحتاج إلى تمويل الرواتب والرعاية الاجتماعية وخدمة الدين بصورة منتظمة، بينما تتعرض إيراداته النفطية لضغوط من اضطراب التصدير والخصومات السعرية وتأخر تحصيل قيمة الشحنات، ويعادل العجز المقترح نحو خُمس الإنفاق الكلي، وهي فجوة يصعب سدها من دون تحسن ملموس في التدفقات النقدية أو اقتراض إضافي.

    موازنة العراق 2027 تعتمد على إيرادات نفطية غير مستقرة

    تتوقع المسودة أن تحقق مبيعات النفط الخام نحو 144 تريليون دينار من الإيرادات، مقابل 30.2 تريليون دينار من المصادر غير النفطية، ويعني ذلك أن النفط سيظل مصدر التمويل الأكبر للموازنة، رغم اتساع الخطاب الرسمي حول تنويع الاقتصاد.

    ونقلت "ذا ناشيونال" عن مسؤول حكومي، أن الافتراضات الأولية تقوم على سعر يبلغ 58 دولاراً للبرميل، وصادرات تقارب 4 ملايين برميل يومياً، بما يشمل إنتاج إقليم كردستان، ويظل نجاح هذه الفرضيات مرهوناً بقدرة العراق على تصدير الكميات فعلياً، وبالسعر الصافي الذي يحصل عليه بعد كلفة المخاطر والشحن والخصومات.

    لكن هذه المعادلة تعرضت إلى ضربة قوية خلال عام 2026، فقد هبطت صادرات النفط - وفق التقرير - من نحو 3.36 مليون برميل يومياً في فبراير، إلى 131 ألف برميل يومياً في أبريل، قبل أن تتعافى إلى نحو 3.4 مليون برميل يومياً في أكتوبر، ولكن زيادة الكميات لا تعني وصول السيولة إلى خزينة الدولة في اللحظة نفسها، إذ يحتاج تحصيل الإيرادات إلى فترة قد تتجاوز شهرين بعد التصدير، كما أن الخصومات التي تراوح بين 25 و30 دولاراً للبرميل، تقلص ما تحصل عليه الدولة من كل شحنة.

    اقرأ أيضاً: نفط العراق عبر سوريا.. هل يستمر الطريق بعد أزمة مضيق هرمز؟

    الرواتب والرعاية تضيقان مساحة المناورة

    تخصص مسودة موازنة العراق نحو 64.7 تريليون دينار للرواتب، و33 تريليوناً للرعاية الاجتماعية، فضلاً عن نحو 17 تريليون دينار للمنح والدعم والفوائد، ومستوى مماثل تقريباً لخدمة الدين، وتمثل هذه البنود مجتمعة أكثر من 60% من الإنفاق المقترح، ما يحد من مرونة الحكومة عند تراجع الإيرادات.

    وتزداد هذه الالتزامات مع توجيه رئيس الوزراء العراقي على الزيدي، لتحويل نحو 500 ألف عامل بعقود وأجور يومية إلى موظفين دائمين، واستحداث نحو 120 ألف درجة تعاقدية، وهذه القرارات لا تزال في نطاق الاقتراح وتحتاج إلى مخصصات وتمويل مستدامين، إذ لا تقتصر على كلفة سنة واحدة، بل تضيف رواتب وتعويضات والتزامات تقاعدية إلى الموازنات اللاحقة.

    وقد يعزز التوظيف الحكومي دخل أسر كثيرة على المدى القصير، لكنه في الوقت نفسه يرفع حساسية المالية العامة لأي هبوط جديد في النفط، فكل دينار يذهب إلى بند إلزامي يصعب خفضه لاحقاً، يقلص المساحة المتاحة للاستثمار في مجالات أخرى، كالكهرباء والمياه والبنية التحتية، والقطاعات القادرة على توليد وظائف خارج الدولة.

    خفض الدينار يرفع الإيرادات الورقية ولا يزيد الدولارات

    أظهرت بيانات تنفيذ الموازنة حتى نهاية أغسطس 2026، بحسب "ذا ناشيونال"، إيرادات بنحو 45.3 تريليون دينار، مقابل إنفاق بلغ 78.9 تريليون دينار، وتقول الصحيفة إن بغداد اعتمدت على الاقتراض الداخلي والاحتياطيات الأجنبية لتغطية جانب من الفجوة.

    وفي 7 أكتوبر، أعلن البنك المركزي العراقي تعديل سعر الصرف، محدداً سعر شراء الدولار من وزارة المالية عند 1500 دينار، ويساعد ضعف الدينار في زيادة القيمة المحاسبية لإيرادات النفط المقومة بالدولار عند تحويلها إلى العملة المحلية، لكنه لا يضيف دولاراً واحداً إلى حصيلة الصادرات، وقد يرفع كلفة الواردات على التجار والمستهلكين.

    وتشير مسودة الموازنة إلى إمكان تغطية العجز من فائض أسعار النفط أو زيادة الصادرات أو الاقتراض الداخلي والخارجي والأموال المرحلة، لكن يظل كل مصدر منها مشروطاً، فالفائض يتطلب سعراً أعلى أو خصومات أقل، والاقتراض يضيف عبئاً مستقبلياً، بينما يقلص استخدام الاحتياطيات هامش الأمان أمام الصدمات الجديدة.

    موازنة العراق

    صندوق النقد وكردستان.. مساران لم يكتملا بعد

    قالت كريستالينا غورغييفا، الرئيسة التنفيذية لصندوق النقد الدولي، وفق "ذا ناشيونال"، إن العراق طلب برنامج تمويل من الصندوق، وإن المحادثات أحرزت تقدماً ملحوظاً، ولا يمثل ذلك اتفاقاً نهائياً أو تمويلاً صُرف لبغداد، فالبرنامج يحتاج إلى تفاهم حول الإصلاحات ومصادر التمويل وشروط التنفيذ.

    وتضيف المسودة بُعداً سياسياً إلى الحسابات المالية، إذ تبقي حصة إقليم كردستان عند 12.7% من الإنفاق الفعلي بعد استبعاد النفقات السيادية، وتربط إطلاق المستحقات بالتزام الإقليم بتسويق ما لا يقل عن 400 ألف برميل يومياً عبر شركة تسويق النفط العراقية "سومو"، وتسليم الإيرادات غير النفطية وفق الشروط الواردة في المشروع.

    وتبقى هذه الترتيبات جزءاً من تفاوض مفتوح بين بغداد وأربيل، وليست قاعدة نافذة بعد، ولذلك يبدأ الاختبار الحقيقي للموازنة العراقية عند سعر النفط الفعلي، وحجم الصادرات القابل للتحصيل، وقدرة الحكومة على تمويل العجز من دون استنزاف الاحتياطيات أو تضخيم كلفة الدين.

    اقرأ أيضاً: خطة لتطوير صادرات النفط العراقي وتفادي مضيق هرمز