في تطور سياسي وصف بالتاريخي، أعلنت أربع دول كبرى هي بريطانيا وأستراليا وكندا والبرتغال الاعتراف بدولة فلسطين، في خطوة اعتبرها مراقبون تحولًا نوعيًا في المواقف الغربية تجاه الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، بعد عقود من التردد والانحياز لصالح إسرائيل.
القرار الذي جاء متزامنًا مع استمرار الحرب في قطاع غزة وتصاعد التوتر في الضفة الغربية، أعاد حل الدولتين إلى واجهة النقاش الدولي، وفتح الباب أمام أسئلة جوهرية حول دلالاته العملية وانعكاساته على موازين القوى وردود الفعل الإسرائيلية والأمريكية، إلى جانب التحديات الفلسطينية الداخلية في استثمار هذا الزخم الدبلوماسي غير المسبوق.
الاعتراف بدولة فلسطين.. قطيعة مع إرث وعد بلفور
أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، عبر بيان مصور على حسابه الرسمي بمنصة “إكس”، أن بلاده قررت الاعتراف رسميًا بدولة فلسطين، مشددًا على أن الهدف من القرار هو “إحياء أمل السلام والوصول إلى حل الدولتين”.
وقال ستارمر: “الأمل في هذا الحل بدأ يتلاشى، لكن لا يمكننا أن ندع هذا النور ينطفئ”، وأوضح أنه وجه بالعمل على فرض عقوبات جديدة ضد شخصيات من حركة حماس خلال الأسابيع المقبلة.
ويأتي هذا القرار بعد تعهد سابق أطلقه ستارمر في يوليو الماضي، حين أكد أن بريطانيا ستعترف بفلسطين إذا لم تقدم إسرائيل خطوات جوهرية لوقف إطلاق النار في غزة بحلول موعد انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة.
الخطوة البريطانية اعتُبرت محطة مهمة في سياق إعادة الزخم لمبادرة حل الدولتين، وهي ليست رمزية بحتة، بل تمثل – بحسب تصريحات ستارمر – إسهامًا عمليًا في إعادة وضع عملية السلام على سكة المفاوضات.
أستراليا وكندا والبرتغال تلحق بالركب
لم تقتصر التطورات على لندن وحدها، فقد أعلن رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز أن بلاده اعترفت رسميًا بدولة فلسطين، معتبرًا أن الخطوة تأتي في إطار جهد لإحياء زخم حل الدولتين، وقال إن البداية يجب أن تكون عبر وقف إطلاق النار في قطاع غزة وإطلاق سراح الرهائن المحتجزين فيها، مشددًا على أن حركة حماس “ينبغي ألا يكون لها أي دور في مستقبل فلسطين”.
الاعتراف الأسترالي يحمل دلالات خاصة، لكون كانبيرا تاريخيًا أقرب للموقف الأمريكي–الإسرائيلي، لكن التحول الأخير يعكس قراءة جديدة للواقع الإقليمي والدولي وضغوط الرأي العام المحلي والعالمي.
بدورها، انضمت كندا إلى هذا المسار عبر إعلان رئيس وزرائها مارك كارني أن بلاده باتت تعترف رسميًا بدولة فلسطين، وقد قال كارني في بيان رسمي: “تعترف كندا بدولة فلسطين وتعرض العمل في شراكة من أجل بناء مستقبل سلمي واعد لكل من دولة فلسطين ودولة إسرائيل”، مضيفًا أن الخطوة تأتي التزامًا بدعم الجهود الدولية لإنهاء الصراع وتهيئة ظروف الاستقرار طويل الأمد في المنطقة.
بعد أستراليا وكندا، اعترفت البرتغال هي الأخرى بدولة فلسطين، الأمر الذي يمثل لحظة فارقة في مسار القضية، وهذه الخطوة لا يجب أن تُفهم كفعل رمزي فقط، بل كبداية لتحولات أوسع.
دلالات الاعترافات المتزامنة
تزامن الاعتراف الثلاثي مع تصاعد الضغوط الدولية لإنهاء الحرب في غزة، وما خلفته من تداعيات إنسانية وسياسية، ويرى مراقبون أن هذه الاعترافات تمثل تحولات عميقة في مواقف دول غربية مؤثرة، بعد أن ظلت مواقفها لعقود متحفظة إزاء الاعتراف المباشر بفلسطين.
ويُتوقع أن تشكل هذه التطورات حافزًا لدول أخرى للحاق بالركب، مما يعزز الشرعية الدولية للمطلب الفلسطيني بإقامة دولة مستقلة ذات سيادة، تكون القدس الشرقية عاصمتها.
وفي هذا السياق، قال محمد خيري، الباحث في العلاقات الدولية، إن الاعترافات الأخيرة بدولة فلسطين من جانب بريطانيا وفرنسا ودول أخرى تمثل “إنجازًا تاريخيًا”، يعكس تحولًا في المواقف الدولية بعد عقود من الانحياز لإسرائيل. وأضاف أن هذه الاعترافات ليست رمزية فقط، بل تعني اعترافًا عمليًا بحل الدولتين، وتفتح المجال أمام رفع مستوى التمثيل الفلسطيني في العواصم الغربية، عبر إنشاء سفارات وإبرام اتفاقيات دبلوماسية وقانونية كاملة.
وأوضح خيري أن الخطوة ستفرض التزامات جديدة على الجانبين، الفلسطيني والدولي، أبرزها الدخول في معاهدات واتفاقيات رسمية، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى تحديات تقنية قد تعيق سرعة التنفيذ، مثل الحاجة لتشكيل حكومة فلسطينية موحدة، وتعقيدات الوضع في غزة، والانقسامات بين الفصائل.
مخاوف من ردود الفعل الإسرائيلية والأمريكية
حذر خيري من أن ردود الفعل الإسرائيلية قد تكون قوية، سواء عبر المستوطنين في الضفة الغربية أو عبر إجراءات سياسية وأمنية ضد الدول المعترفة بفلسطين. كما أبدى مخاوف من الموقف الأمريكي الذي يرفض حتى الآن الاعتراف بالدولة الفلسطينية، مشيرًا إلى إمكانية صدور قرارات “عشوائية” من واشنطن تؤثر سلبًا على المسار.
وقال الباحث إن الولايات المتحدة تظل الداعم الأكبر لإسرائيل، رغم أن نحو ثلاثة أرباع أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة يؤيدون الاعتراف بدولة فلسطين، لكنه لفت إلى أصوات متزايدة داخل الحزب الديمقراطي والكونغرس تنادي بجدية بضرورة إحياء حل الدولتين.
الرمزية البريطانية: من بلفور إلى التصحيح
توقف خيري عند الرمزية الخاصة للاعتراف البريطاني، موضحًا أن لندن التي أصدرت وعد بلفور عام 1917 تجد نفسها اليوم أمام مسؤولية تاريخية لتصحيح الخطأ، وأشار إلى أن زيارة الرئيس محمود عباس الأخيرة إلى بريطانيا أسفرت عن تفاهمات قد تمهد لاتفاقيات ثنائية جديدة بين الجانبين.
ومن جانبه، قال منير أديب، الباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية، إن اعتراف بريطانيا بفلسطين يفتح نافذة سياسية لا بد من استغلالها بوعي، وأكد أن الخطوة تمثل “نصف الطريق نحو الحلم الفلسطيني”، فيما يبقى النصف الآخر مرهونًا بالعمل السياسي والدبلوماسي المكثف.
وأضاف أديب: “لا يمكن إنكار دور المقاومة، لكن أمام فرصة الاعتراف الدولي ينبغي أن تتوزع الأدوار بوضوح، بحيث تعمل المقاومة على حماية الحق، بينما تتولى القيادة السياسية والدبلوماسية تثبيت هذا الحق على الساحة الدولية”. وأشار إلى أن منظمة التحرير الفلسطينية، المعترف بها أمميًا، تتحمل مسؤولية تحويل الاعتراف من خطوة رمزية إلى واقع قانوني وسياسي يفرض نفسه على إسرائيل وواشنطن.
وفي السياق ذاته، شدَّد أديب على أهمية إطلاق حملة فلسطينية–عربية متكاملة تهدف إلى اعتراف كامل بالسيادة، مضيفًا: “نحن بحاجة اليوم إلى قيادة بروح ياسر عرفات، تذهب إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن بغصن الزيتون في يد، وبإرادة سياسية قوية في اليد الأخرى”.
من جانبه، قال أحمد عناني، خبير العلاقات الدولية، أن الاعتراف البريطاني يحمل رمزية خاصة، لأنه يمثل تحولًا من “الانحياز التاريخي” إلى “الاعتراف بالحقوق الفلسطينية”، وأضاف أن هذه الاعترافات ترسل رسائل واضحة مفادها أنه “لا سيادة لإسرائيل على الأرض الفلسطينية، وأن حل الدولتين ما زال مطروحًا كخيار واقعي”.
وحذر عناني من محاولات إسرائيل والولايات المتحدة إفشال هذا المسار عبر التنسيق السياسي والعسكري، مستشهدًا بلقاءات نتنياهو وترامب الأخيرة، لكنه شدد على أن البديل المطروح وهو “الدولة الواحدة” ليس واقعيًا، وسيؤدي إلى مزيد من الصراع.
التحديات الفلسطينية: وحدة الصف قبل كل شيء
رغم الزخم الدولي، يتفق الخبراء الثلاثة على أن القيادة الفلسطينية مطالبة بإصلاح بيتها الداخلي، وإصلاح الانقسام بين الفصائل، وأكدوا أن اللحظة تتطلب تعزيز الوحدة الوطنية وتفعيل منظمة التحرير باعتبارها الممثل الشرعي، وإطلاق إصلاحات سياسية ومؤسسية لاستعادة ثقة الشارع الفلسطيني والمجتمع الدولي على السواء.
ويرى محمد خيري أن احتمالية اصطدام الاعترافات بالفيتو الأمريكي في مجلس الأمن قائمة، لكن الاعترافات الثنائية المباشرة من الدول تظل ذات أثر واقعي، لأنها تتيح رفع العلم الفلسطيني، وفتح سفارات، وتوقيع اتفاقيات رسمية.
أما منير أديب وأحمد عناني فيعتبران أن الفرصة التاريخية تلوح في الأفق، لكنها تتطلب رؤية استراتيجية موحدة تجمع بين الدبلوماسية والسياسة والعمل العربي المشترك، حتى يتحول الاعتراف الرمزي إلى واقع ملموس يرسخ دولة فلسطينية مستقلة.
الاعتراف الرسمي من بريطانيا وأستراليا وكندا والبرتغال بدولة فلسطين يمثل لحظة فارقة في تاريخ الصراع، ورسالة قوية بأن حل الدولتين لا يزال خيارًا قابلًا للحياة إذا توفرت الإرادة السياسية الدولية والفلسطينية، لكنه في الوقت نفسه يضع الفلسطينيين أمام اختبار داخلي صعب.
موضوع ذو صلة: ترامب والصراع الإسرائيلي الفلسطيني.. هل يغير سياساته لدعم السلام؟
