بعد انهيار جدار برلين عام 1989 ،هيمنت على النقاشات في دوائر السياسة الغربية عبارة واحدة: “من خَسِر روسيا؟”، وبدا أن الغرب -بقيادة الولايات المتحدة– قد فوّت فرصة تاريخية لتحويل الاتحاد السوفيتي السابق إلى ديمقراطية ليبرالية حديثة باقتصاد سوق منفتح، ومع نهاية التسعينيات كانت روسيا، تحت قيادة فلاديمير بوتين، تعود تدريجياً إلى نهج سلطوي يرفض الكثير من قيم الغرب.
اليوم، وبعد ربع قرن على تلك المرحلة، يتكرر السؤال بصيغة جديدة وأكثر خطورة: “من خَسِر أوروبا؟”، وهذه المرة ليست روسيا التي خرجت من معسكر الديمقراطية الليبرالية، بل القارة العجوز نفسها تبدو في موقف هش، تتخبط في مواجهة التحديات الاقتصادية والجيوسياسية، فيما تبدو واشنطن، خاصة في عهد ترامب، غير عابئة بإنقاذها، بحسب بلومبرغ.
توحيد ألمانيا واليورو.. إنجازات أم أخطاء استراتيجية؟
بدا توحيد ألمانيا عام 1990 إنجازًا تاريخياً، لكنَّه حمل في طياته بذور أزمة طويلة، وحين قرر المستشار هيلموت كول دمج الاقتصادين الشرقي والغربي بسرعة ارتفعت معدَّلات التضخم في الشرق إلى أكثر من 19%، واضطر البنك المركزي الألماني (البوندسبانك) إلى رفع أسعار الفائدة إلى 8.75%، ما كبّل عملية إعادة الإعمار وأضعف النمو.
لكن النتيجة الأهم جاءت في منتصف التسعينيات، عندما وافقت فرنسا على الوحدة الألمانية مقابل إطلاق مشروع “اليورو”، ورغم وضوح التباين الكبير بين اقتصادات أوروبا -من ألمانيا الصناعية القوية إلى اليونان المثقلة بالديون- جرى فرض عملة موحدة من دون اتحاد مالي كامل، والنتيجة ظهرت لاحقًا في أزمة ديون منطقة اليورو (2010-2012) التي أطاحت بحكومات، وأغرقت اقتصادات مثل اليونان وإيرلندا والبرتغال في ركود طويل.
بهذا المعنى، ما اعتُبر انتصارًا استراتيجيًا لأوروبا، تحوّل مع مرور الزمن إلى خطأ بنيوي كشف هشاشة المشروع الأوروبي أمام الصدمات.
توسع الاتحاد الأوروبي.. قوة أم عبء؟
بين عامي 1995 و2007 تضاعف عدد أعضاء الاتحاد الأوروبي من 12 إلى 27 دولة، ليصبح الكيان السكاني والاقتصادي الأكبر بعد الصين والهند، لكن هذا التوسع السريع جلب معه عبئًا تنظيميًا وسياسيًا، إذ دخلت اقتصادات ضعيفة نسبيًا مثل رومانيا وبلغاريا في منظومة تعاني أصلا من فجوة كبيرة بين الشمال الصناعي المزدهر والجنوب المثقل بالديون.
وبحلول 2008، مع اندلاع الأزمة المالية العالمية، وجدت أوروبا نفسها في مواجهة عجز مزدوج: ضعف أدوات مالية موحدة للتعامل مع الأزمات، واعتماد مفرط على البنك المركزي الأوروبي بقيادة ماريو دراغي الذي اضطر إلى إطلاق سياسات نقدية استثنائية “مهما كلّف الأمر” لإنقاذ العملة.
لكن في المقابل، هذا التوسع أضعف التماسك السياسي الداخلي، وصعود الشعبويات واليمين المتطرف في دول مثل المجر وبولندا وفرنسا، جاء ردًا مباشرًا على شعور قطاعات واسعة، بأن الاتحاد توسّع أكثر مما يحتمل دون رؤية متكاملة لكيفية دمج الجميع في مشروع سياسي اقتصادي واحد.
بريكست.. الضربة الكبرى لمشروع أوروبا الموحدة
في عام 2016، جاءت صدمة خروج بريطانيا (بريكست) لتكشف هشاشة الاتحاد الأوروبي، وخسرت أوروبا ثاني أكبر اقتصاد فيها وأحد أعمدة القوة المالية والعسكرية، وصحيح أنَّ الاقتصاد البريطاني دفع ثمنًا باهظًا نتيجة الانسحاب، لكن الاتحاد نفسه فقد الكثير من وزنه الجيوسياسي.
وبعد مرور خمس سنوات، لم ينجح الاتحاد في تعويض الغياب البريطاني لا على مستوى السياسة الدفاعية، ولا في مجال الأسواق المالية، حيث بقيت لندن مركزًا عالميًا لا يمكن تجاوزه، وهذا الفراغ زاد من اعتماد القارة على المظلة الأمنية الأمريكية في مواجهة روسيا والصين.
الغزو الروسي لأوكرانيا.. فضيحة الاعتماد على موسكو
حين غزت روسيا أوكرانيا في فبراير 2022، تبيّن حجم الاعتماد الأوروبي على الطاقة الروسية، وألمانيا -القوة الصناعية الكبرى- بنت نموذجها الاقتصادي على الغاز الرخيص القادم من سيبيريا، وعندما انقطع فجأة دخلت في أزمة خانقة.
قفز سعر الغاز في أوروبا بنسبة تتجاوز 300% خلال عام واحد، وبلغ سعر برميل النفط مستوى 139 دولارًا في ذروة الأزمة، وهذا التضخم الطاقي أصاب قطاعات مثل الصناعات الكيميائية والمعادن بالشلل، وأدى إلى تراجع النمو في ألمانيا وفرنسا.
محاولة الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات صارمة على موسكو بدت مليئة بالثغرات، فصادرات أوروبا إلى آسيا الوسطى ارتفعت لتعويض التجارة مع روسيا، بينما “أسطول الظل” الروسي نقل النفط عبر مضايق أوروبية بلا رادع، وسقف الأسعار المفروض على النفط الروسي عند 60 دولارًا لم يمنع موسكو من تحقيق إيرادات كافية لتمويل الحرب.
أوكرانيا خارج الطاولة.. “2+8” بدل “2+4”
في 1990، كان مستقبل ألمانيا يُحسم في مفاوضات “2+4” بين ألمانيا الشرقية والغربية والقوى الكبرى، أما اليوم فإن مستقبل أوكرانيا يُناقش في صيغة “2+8″، لكن “الاثنين” هما الولايات المتحدة وروسيا، فيما تغيب كييف عن الطاولة.
هذا المشهد يعكس عجز أوروبا عن لعب دور مستقل، فبينما يلتقي ترامب مع بوتين في ألاسكا لمناقشة “تبادل أراضٍ”، يجد القادة الأوروبيون أنفسهم مضطرين للطيران إلى واشنطن لاستجداء إشراكهم في الحل.
اقرأ المزيد حول: لعبة الحدود المكلفة.. سيناريو تبادل الأراضي بين روسيا وأوكرانيا
ترامب وأوروبا.. علاقة قائمة على “القوة”
منذ عودته إلى البيت الأبيض، لم يُخفِ ترامب نظرته المتشككة في الاتحاد الأوروبي، ففي فبراير 2025 اتهم السيناتور الأمريكي جي. دي. فانس -نائب الرئيس الأمريكي- الأوروبيين في مؤتمر ميونيخ بأنهم “يتراجعون عن الديمقراطية”، وبعد أسابيع فرض ترامب رسوماً جمركية بنسبة 20% على السلع الأوروبية، بعد لقاء بروتوكولي جمعه برئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين في ملعب غولف باسكتلندا.
أوروبا لم ترد، ولم تملك الأدوات ولا الإرادة السياسية للرد بالمثل، وبعد لقاء ترامب وبوتين الانفرادي في ألاسكا، هرع قادة الاتحاد إلى واشنطن في مشهد يُذكّر بضعف الكيانات التابعة لا بالشريك الندّي.
اقرأ المزيد: الاتفاق التجاري الأمريكي الأوروبي.. نهاية الحرب التجارية أم بداية جديدة؟
الأخطاء التراكمية.. من اليورو إلى أزمة الطاقة
رغم الصورة التي يحاول الاتحاد الأوروبي ترسيخها كقوة اقتصادية وسياسية عالمية، إلا أنّ مسار العقود الثلاثة الماضية يكشف سلسلة من الأخطاء الاستراتيجية والقرارات المتسرّعة التي أضعفت تماسك القارة العجوز وقلّصت قدرتها على مواجهة التحديات. وفيما يأتي أبرز المحطات التي ساهمت في وضع أوروبا أمام هذا المنعطف الحاسم:
- إطلاق عملة موحدة دون وجود اتحاد مالي متكامل
أحد أبرز الأخطاء البنيوية تمثل في إطلاق عملة موحدة وهي “اليورو” عام 1999 دون وجود اتحاد مالي متكامل، فبينما جرى دمج اقتصادات متباينة مثل ألمانيا الصناعية القوية واليونان المثقلة بالديون في مظلة نقدية واحدة، بقيت السياسات المالية بيد كل دولة، وهو ما فجّر لاحقا أزمة ديون منطقة اليورو بين 2010 و2012.
- توسع سريع بلا رؤية اندماجية
التوسع الكبير للاتحاد الأوروبي بين 1995 و2007، والذي ضاعف عدد الأعضاء من 12 إلى 27 دولة، بدا إنجازًا سياسيًا، لكنه جرى دون رؤية اندماجية حقيقية، كما أنّّ دخول اقتصادات ضعيفة نسبيًا زاد التباين الداخلي وأضعف التماسك في مواجهة الأزمات المالية العالمية.
- الاعتماد على الطاقة الروسية
الرهان الأوروبي على الغاز الروسي الرخيص -خاصة من جانب ألمانيا- مثّل خطأً استراتيجيا آخر، فقد كشف الاعتماد المفرط هشاشة القارة مع اندلاع الحرب الأوكرانية عام 2022، إذ ارتفعت أسعار الطاقة بشكل غير مسبوق، ووجدت الصناعات الأوروبية نفسها رهينة لإمدادات موسكو.
- فقدان بريطانيا كركيزة توازن
خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) عام 2016 أزال عن أوروبا إحدى ركائز القوة الاقتصادية والعسكرية والمالية، وهذا الانسحاب لم يُضعف بروكسل فحسب، بل زاد من اعتماد القارة على المظلة الأمريكية، وفتح الباب أمام صعود تيارات قومية وشعبوية.
- غياب سياسة خارجية موحدة
رغم أن الاتحاد الأوروبي يمثل كتلة سكانية تتجاوز 450 مليون نسمة، واقتصادًا بقيمة 20 تريليون دولار، إلا أنه لم ينجح في صياغة سياسة خارجية واحدة، والنتيجة أن مواقفه الدولية بدت مترددة ومجزأة، سواء في التعامل مع روسيا أو في التفاوض مع الولايات المتحدة.
- الانقسام الداخلي وصعود اليمين المتطرف
المشهد الداخلي لا يقل خطورة، فأحزاب اليمين المتطرف والشعبوية، صعدت بقوة في فرنسا وإيطاليا وألمانيا، مدفوعة بأزمات الهجرة والتضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، وهذه القوى تضع الاتحاد الأوروبي نفسه موضع تساؤل، وتعيد إلى الواجهة مواقف متطرفة تجاه الليبرالية والديمقراطية.
بالنسبة للولايات المتحدة -خاصة في عهد ترامب- هذا الاتحاد المنقسم أقل تهديدًا، بل ربما أكثر طواعية، لكن بالنسبة لأوروبا نفسها فالخطر يكمن في تفكك تدريجي قد يُحوّلها إلى ساحة تنافس بين واشنطن وموسكو وبكين.
قد يهمّك أيضًا: فرنسا وألمانيا.. اقتصادان في مركب غارق
الاقتصاد الأوروبي بين التراجع والفرص الضائعة
الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي يبلغ نحو 20 تريليون دولار، أي أكبر من الولايات المتحدة، لكن المشكلة تكمن في ضعف النمو والاعتماد على عوامل خارجية، وخلال العقد الأخير لم يتجاوز متوسط النمو السنوي 1 – 1.5%، مقابل أكثر من 2% في أمريكا و4 – 6% في الصين والهند.
الأزمات المتلاحقة -من ديون اليورو إلى جائحة كورونا ثم حرب أوكرانيا- كشفت هشاشة البنية الاقتصادية، الأمر الذي انعكس بوضوح على تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة، ودفع الشركات الأوروبية الكبرى، مثل “سيمنز” و”رينو”، إلى إعادة النظر في استراتيجياتها التشغيلية في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة وتراجع القدرة التنافسية.
التاريخ.. مِن “مَن خسر روسيا؟” إلى “مَن خسر أوروبا؟”
في التسعينيات، تساءل الغرب “مَن خسر روسيا؟” بعد أن عجز عن دمجها في النظام الليبرالي العالمي، واليوم يبدو السؤال معكوسا: هل خسر الغرب أوروبا نفسها؟
الاقتصادي الأمريكي جيفري ساكس قال أمام البرلمان الأوروبي: “أنتم 450 مليون نسمة واقتصاد بقيمة 20 تريليون دولار، لكنكم لا تتصرفون ككتلة، والاتحاد يحتاج سياسة خارجية حقيقية”. هذا التحذير يلخص المأزق؛ فأوروبا تمتلك القوة الاقتصادية والديموغرافية، لكنها تفتقد الإرادة السياسية والقيادة الموحدة.
بعد عقود من القرارات المتعجلة والتوسعات غير المحسوبة، تقف أوروبا في 2025 عند مفترق طرق خطير، وروسيا تستعيد نفوذها بالتهديد والابتزاز، أما الولايات المتحدة فتنظر إلى القارة من زاوية مصلحة ضيقة، والصين تملأ الفراغ عبر التجارة والاستثمار.
وفي حال استمر هذا النهج، ستختزل السياسة الأوروبية في “مساومات مع ترامب” بدلًا من صياغة رؤية مستقلة، ولكن الأخطر أن هذه المساومات قد لا تكون متاحة دائمًا، في ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية والسياسية الداخلية.
اقرأ أيضًا: الاتحاد الأوروبي يواجه تحديات الاقتصاد العالمي بخطة جديدة
