يواجه الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لحظة فارقة في ظل التهديدات المتسارعة لتغير المناخ، والتي باتت وتيرتها تتجاوز الضعف مقارنة بالمتوسط العالمي؛ حيث لم تعد الأزمة المناخية مجرد تحذيرات بيئية، بل تحولت إلى واقع جيوسياسي واقتصادي يضغط على الأمن المائي والغذائي لدول المنطقة.
وتُصنف منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا حالياً كواحدة من أكثر مناطق العالم إجهاداً مائياً، حيث تشير التقارير الدولية إلى أن المنطقة تضم 12 دولة من أصل أكثر 17 دولة تعاني من شح المياه عالمياً، وهو ما يضع أكثر من 60% من سكان المنطقة تحت ضغط مباشر ناتج عن التغيرات المناخية المتطرفة.
ما الذي يجعل الشرق الأوسط الأكثر عرضة للأزمات المناخية؟
يشكّل تغيّر المناخ أحد أبرز التحديات العالمية، وتتجلى آثاره بوضوح شديد في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، نتيجة مجموعة من العوامل البنيوية التي تجعلها من أكثر مناطق العالم عرضة للأزمات المناخية المتكررة.
أول هذه العوامل يتمثل في الارتفاع المتسارع لدرجات الحرارة، إذ تجاوزت وتيرته ضعف المتوسط العالمي خلال العقود الأربعة الماضية، الأمر الذي أدى إلى اتساع رقعة التصحر وتراجع مستويات المياه السطحية والجوفية. ولا يقتصر تأثير ذلك على البيئة فحسب، بل يمتد ليهدد استقرار المجتمعات وقدرة السكان على العيش، ويضاعف الضغوط على الأمنين الغذائي والمائي.
أما العامل الثاني، فيرتبط بتزايد الانبعاثات الكربونية في المنطقة بوتيرة متسارعة، إذ تشير بيانات المنتدى الاقتصادي العالمي إلى ارتفاعها بنحو 21% خلال الثلاثين عامًا الماضية، وهي نسبة تقارب معدل نمو الانبعاثات في الصين، وهذا يعني مساهمة متنامية في تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري وتعقيد التحديات البيئية التي تواجهها المنطقة.
التداعيات الاقتصادية
في عام 2022 وحده، أدى تصاعد الظواهر المناخية المتطرفة إلى نزوح ما يقارب 14 مليون شخص، وهو رقم يعكس حجم التأثير المباشر للتغير المناخي على حياة السكان والبنية التحتية والاستقرار الاجتماعي.
فضلًا عن ذلك، تحمل التغيرات البيئية تداعيات اقتصادية جسيمة، إذ تشير تقديرات مؤسسات مثل البنك الدولي إلى أن تغير المناخ قد يؤدي إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة بنسبة تتراوح بين 4% و21% بحلول عام 2050 إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة وفعّالة لمواجهته.
التباين الاقتصادي وتحديات التحول الأخضر
يواجه العمل المناخي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تحديات متعددة، أبرزها التباين المالي والاقتصادي بين الدول؛ فدول الخليج، على سبيل المثال، تمتلك الموارد المالية والإمكانات اللازمة لتسريع تحول الطاقة والاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة، على عكس العديد من الدول الأخرى التي تعتمد بشكل كبير على الاستثمارات الأجنبية والقروض الدولية وبرامج المساعدات الإنمائية لتحقيق هذا التحول.
أما التحدي الثاني فيتعلق بالقطاع الخاص وقدرته على مواكبة خطط الحكومات لخفض الانبعاثات الكربونية، إذ يتطلب ذلك ضخ استثمارات كبيرة، ما يضع ضغطًا إضافيًا على الميزانيات ونماذج الأعمال للشركات لتتوافق مع أهداف العمل المناخي ومعايير الاستدامة البيئية.
اقرأ أيضًا: مقايضة الديون مقابل سندات الكربون.. آلية جديدة لدعم التنمية المستدامة
الاستثمار في الطاقة المتجددة
رغم هذه التحديات، تمتلك منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا موارد طبيعية هائلة تسهّل تحقيق تحول الطاقة، أبرزها وفرة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إلى جانب فرص ضخمة لإنتاج الهيدروجين الأخضر والأزرق، ما يفتح آفاقًا واسعة للاستثمار في الطاقة النظيفة.
ويُسهم هذا التحول في تقليل الاعتماد على النفط والغاز كمصدر رئيسي لإيرادات الدول المنتجة للوقود الأحفوري، كما يخفف الضغط على ميزانيات الدول المستوردة للطاقة ويعزز الأمن الطاقي الإقليمي.
وقد أحرزت بعض دول الخليج تقدّمًا ملموسًا في الالتزامات المناخية، مستهدفة تصفير انبعاثاتها بحلول 2050 أو 2060. ومع ذلك، ما يزال الالتزام في القطاع الخاص محدودًا، إذ لم تتعهد سوى 12% من الشركات العاملة في المنطقة بتصفير الانبعاثات، مقارنة بنسبة 47% في دول شرق آسيا، وفق المنتدى الاقتصادي العالمي.
ويُعد استضافة الإمارات لقمة المناخ كوب 28 مؤشرًا واضحًا على تعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص لدفع جهود الاستدامة والطاقة المتجددة في المنطقة.
اقرأ أيضًا: إفريقيا أول ضحايا التغير المناخي
