اقتصاد كلي

    تحديات وملفات اقتصادية في انتظار الرئيس الجزائري .. كيف سيواجهها؟

    •آخر تحديث •8 دقائق
    تحديات وملفات اقتصادية في انتظار الرئيس الجزائري .. كيف سيواجهها؟

    بعد إعادة انتخاب الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون لفترة رئاسية ثانية، إثر حصوله على نسبة 84.30% من الأصوات المشاركة في الانتخابات، سيواجه تحديات اقتصادية وسياسية معقدة تتطلب منه اتخاذ خطوات حاسمة، حيث تحتاج البلاد إلى إصلاحات ضرورية لضمان استقرارها وتعزيز نموها، وذلك من خلال اتخاذ إجراءات جذرية تكون على رأس أولوياته في مختلف القطاعات، لمواجهة المشكلات الراهنة وضمان مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا للجزائر.

    أبرز الملفات الاقتصادية المفتوحة

    يقول الدكتور عمرو محمد يوسف، أستاذ الاقتصاد والتشريعات المالية بجامعة حلوان، إنّ الملف الاقتصادي للجزائر يُعد من أهم الملفات المطروحة على طاولة الرئيس الجديد، التي ستحدد المستقبل الاقتصادي والسياسي للبلاد، حيث يتضمن هذا الملف عدة نقاط يجب أن تلقى اهتمامه للقيام بحل الأزمات التي تواجه اقتصاد الجزائر، وهي كما يأتي:

    • تعزيز القطاع الصناعي

    تمتلك الجزائر إمكانات كبيرة لتطوير قطاعها الصناعي، ومع ذلك فإنّ العديد من الصناعات لا تزال تعاني من قلة الاستثمارات وغياب التكنولوجيا الحديثة، لهذا يتعين على الحكومة الجديدة تشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية في الصناعة، مع التركيز على صناعات تحويلية وتقنيات متقدمة تسهم في تحسين التنافسية الدولية للمنتجات الجزائرية وتوفير فرص عمل محلية.

    • تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط

    يعتمد الاقتصاد الجزائري بشكل كبير على قطاع النفط والغاز الذي يشكل نسبة كبيرة من الإيرادات الحكومية وصادرات البلاد، لكن مع تقلب أسعار النفط عالميًا أصبحت هُناك حاجة مُلحة لتنويع مصادر الدخل القومي. وبالتالي، فإنّ من المتوقع أنّ يواجه الرئيس الجديد تحديًا جوهريًا يتمثل في تقليل الاعتماد على النفط عبر تطوير قطاعات أخرى مثل الزراعة، والصناعة، والتكنولوجيا، وذلك بهدف تحسين الاستقرار المالي والحد من تأثير الصدمات الخارجية.

    • إصلاحات في القطاع المالي والمصرفي

    يحتاج النظام المالي والمصرفي في الجزائر إلى إصلاحات هيكلية لتعزيز الشفافية والكفاءة؛ لهذا فإنّ من المهمّات الأساسية المنوطة بالرئيس الجديد إعادة هيكلة هذا القطاع لزيادة الثقة في النظام المصرفي وتشجيع الاستثمارات، حيث تشمل الإصلاحات الممكنة تحديث القوانين البنكية، وتعزيز التكنولوجيا المالية (FinTech)، وتسهيل الوصول إلى التمويل للشركات الناشئة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة.

    • البطالة وتوفير فرص العمل

    تُعد البطالة من أبرز التحديات الاقتصادية التي تواجه الجزائر؛ حيث يتوجب على الحكومة الجديدة أن تُطوّر بعض السياسات لخلق فرص عمل جديدة، خاصة في القطاعات غير التقليدية، مثل التكنولوجيا والسياحة والطاقة المتجددة، بالإضافة إلى استحداث برامج تدريبية وتأهيلية تتناسب مع متطلبات سوق العمل، تهدف إلى تأهيل الشباب للمشاركة في الاقتصاد الوطني.

    • إصلاح منظومة الدعم

    تمثل منظومة الدعم في الجزائر عبئًا كبيرًا على ميزانية الدولة، حيث إنّ قطاعات واسعة من السكان تستفيد منها رغم عدم الحاجة إليها، وهذا يعني أنّ الحكومة الجديدة بحاجة إلى إعادة النظر في هذه المنظومة بطريقة تحفظ العدالة الاجتماعية، وتوفر الدعم للفئات الأكثر حاجة، مع تقليل الفاقد المالي وإعادة توجيه الأموال لدعم مشاريع التنمية.

    • تحسين بيئة الأعمال وجذب الاستثمار الأجنبي

    تواجه البيئة الاستثمارية في الجزائر تحديات مثل التعقيدات الإدارية، والبيروقراطية، وعدم استقرار القوانين، وإنّ على الرئيس الجديد أن يسعى لتحسين بيئة الأعمال من خلال تسهيل الإجراءات، وتشجيع الشفافية، ومحاربة الفساد. كما أن استقطاب الاستثمار الأجنبي المباشر يمثل أولوية قصوى لدفع عجلة النمو الاقتصادي، ونقل التكنولوجيا والمعرفة إلى البلاد.

    • استراتيجية تطوير البنية التحتية

    تحتاج البنية التحتية في الجزائر إلى تطوير كبير، خصوصًا في مجالات النقل، والطاقة، والمياه، لهذا سيكون من مهمات الحكومة الجديدة العمل على تحسين الطرق والموانئ والمطارات، لزيادة كفاءة سلاسل الإمداد والتصدير. كما أن تطوير شبكة الطاقة المتجددة والاستثمار في مصادر الطاقة البديلة، مثل الطاقة الشمسية والرياح، سيكون مفتاحًا لتحقيق الاستدامة البيئية والاقتصادية.

    • تعزيز القطاع الزراعي والأمن الغذائي

    يمتلك القطاع الزراعي في الجزائر إمكانات كبيرة، لكن ينبغي على الرئيس الجديد مراعاة بعض المحددات التي قد تؤثر في هذا القطاع، منها وجود حاجة للاستثمار في التكنولوجيا الزراعية الحديثة، والتوسع في استصلاح الأراضي، بالإضافة إلى تطوير سياسات لتعزيز الاكتفاء الذاتي من الغذاء وتحقيق الأمن الغذائي، في ظل التحديات المناخية والتقلبات في أسعار الغذاء العالمية.

    • مكافحة التضخم والتحكم في الأسعار

    يمثل التضخم مشكلة كبيرة تؤثر على القوة الشرائية للمواطنين، خاصة في ظل ارتفاع أسعار السلع الأساسية، حيث يتعين على الحكومة الجديدة اتخاذ إجراءات لتحقيق استقرار الأسعار، والتحكم في التضخم من خلال سياسات نقدية ومالية متوازنة، إلى جانب تحسين الرقابة على الأسواق.

    الرئيس الجزائري الجديد وتحديات كبرى

    اتفق الدكتور هاني حافظ الخبير الاقتصادي مع رأي يوسف قائلًا: “رغم التحسن النسبي الذي شهدته الجزائر خلال السنوات التي تلت الحراك الشعبي عام 2019، مقارنةً مع فترة حكم الرئيس الراحل عبدالعزيز بوتفليقة، إلا أن البلاد ما زالت تواجه تحديات اقتصادية كبرى؛ حيث يعتمد الاقتصاد الجزائري بشكل كبير على صادرات النفط والغاز التي تمثل عائداتها أكثر من 90% من إيرادات الدولة. وبالتالي، فإن تراجع أسعار النفط في السنوات الأخيرة، الناتج عن تأثيرات جائحة كورونا والظروف السياسية الإقليمية والدولية أدى إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية، وتقليص احتياطي النقد الأجنبي.

    أضاف حافظ أنّه ينبغي للرئيس الجديد أن يدرك ضرورة إجراء إصلاحات اقتصادية شاملة تهدف إلى تنويع مصادر الدخل من خلال  تعزيز الصناعات المحلية، وتطوير القطاع الزراعي، وتنشيط السياحة، كما يتعين عليه تبني سياسات تشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر، الأمر الذي يتطلب إصلاحات هيكلية على مستوى القوانين والإجراءات الإدارية، وهذا قد يُعرّضه إلى مقاومة من الأطراف التي تستفيد من الوضع الحالي.

    اقرأ أيضًا: مليارات الجزائر تغزو أفريقيا

    أزمة التضخم وطباعة العملة

    لفت الخبير إلى أن أزمة التضخم وطباعة العملة إحدى الأزمات الاقتصادية التي خلفتها الحكومة السابقة، حيث تم طباعة العملة دون غطاء نقدي حقيقي، مما أدى إلى ارتفاع كبير في الأسعار والتضخم؛ حيث يمثل هذا التحدي أحد أكثر الملفات إلحاحاً للرئيس الجديد، لأنه سيحتاج إلى اتخاذ إجراءات جادة للسيطرة على التضخم وتحسين استقرار الأسعار.

    كما تابع الخبير، أنّه إلى جانب الملفات الاقتصادية، سيتعين على الرئيس التعامل مع تحسين القدرة الشرائية للمواطنين، وهي مسألة ملحة في ظل الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة. بالإضافة إلى ذلك، يواجه الرئيس الجديد تحديات البطالة وتوفير فرص العمل، وخاصة للشباب.

    كما تعد أزمة السكن، وتوافر مياه الشرب من القضايا التي تتطلب اهتماماً خاصاً، وعلى الرغم من الجهود التي بُذلت في السنوات الأخيرة لتخفيف حدة هذه الأزمات، إلا أن هذه الجهود ما زالت غير كافية، وتتطلب متابعة صارمة وفعالة لضمان نجاحها.

    علاوةً على ذلك، شدّد الخبير على ضرورة تحلي الرئيس الجديد بالصرامة في متابعة وتنفيذ السياسات التي سيتم وضعها لمعالجة هذه التحديات، إذ يجب أن تكون السياسات فعالة وشاملة لتأمين تقدم ملموس في الملفات الاقتصادية والاجتماعية، مع التركيز على الشفافية والكفاءة في الإدارة لضمان تحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين وتحقيق التنمية المستدامة للبلاد.

    وفي نهاية حديثه، أشار حافظ إلى أهمية الإصلاحات السياسية، فلا يمكن تجاهل العلاقة الوثيقة بين الإصلاحات الاقتصادية والسياسية، حيث إن نجاح السياسات الاقتصادية يتطلب إصلاحات سياسية تعمل على تحسين البيئة الاستثمارية، ومحاربة الفساد، وضمان حوكمة رشيدة، فهذا من شأنه أن يُعزز ثقة المستثمرين الأجانب والمحليين في الاقتصاد الجزائري وخلق بيئة ملائمة لتحقيق النمو الاقتصادي المستدام.

    العجز المالي والدين العام

    من جانبها سلطت الدكتورة جيهان يعقوب، الخبيرة الاقتصادية، الضوء على أهم الأزمات التي تواجه اقتصاد الجزائر، أبرزها العجز المالي والدين العام، حيث يمثل العجز المالي المتزايد  تحديًا كبيرًا للحكومة الجزائرية، لا سيما أن الإيرادات النفطية لم تعد كافيةً لتغطية نفقات الدولة، الأمر الذي أدى إلى زيادة الاقتراض المحلي والدولي لتغطية العجز، ورفع مستويات الدين العام  وزيادة الضغوط المالية على البلاد.

    وأوضحت يعقوب أن الجزائر تعتمد بشكل كبير على صادرات النفط والغاز كمصدر رئيسي للدخل، حيث تشكل هذه العائدات أكثر من 90% من إيرادات الدولة، مشيرة إلى أن ذلك يجعل الاقتصاد هشًا أمام تقلبات أسعار الطاقة العالمية، ففي حال تراجعت أسعار النفط، كما حدث في السنوات الأخيرة سيتأثر الاقتصاد بشكل كبير، مما يؤدي إلى نقص في الإيرادات الحكومية وزيادة العجز المالي.

    اقرأ أيضًا: سوناطراك الجزائرية تضخ استثمارات بـ 50 مليار دولار في الطاقة

    تراجع احتياطي النقد الأجنبي

    تعاني البلاد من تراجع احتياطي النقد الأجنبي نظرًا لانخفاض عائدات النفط في السنوات الأخيرة، حيث كان عامل استقرار مالي للبلاد، ومع تراجعه أصبحت الجزائر أكثر عرضة للصدمات الاقتصادية. هذا وقد انخفض الاحتياطي النقدي سابقًا من مستويات عالية في بداية العقد إلى مستويات حرجة، مما يقيد من قدرة الحكومة على مواجهة الأزمات الاقتصادية.

    ولفتت يعقوب أيضًا إلى انتشار ظاهرة البطالة خاصة بين الشباب؛ إذ إنّ السوق الجزائري ما يزال غير قادر على استيعاب القوى العاملة المتزايدة على الرغم مما تبذله الحكومة من جهود، كما أنّ هذا التحدي أصبح يتفاقم في ظل غياب التنوع الاقتصادي، مما يجعل فرص العمل محدودة في القطاعات غير النفطية.

    فضلًا عن ذلك، اتفقت يعقوب مع رأي الدكتور عمرو محمد يوسف حول  تأثير التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة التي أثرت بشكل مباشر على القوة الشرائية للمواطنين خاصة للسلع الأساسية، مما  شكل عبئًا على الأسر الجزائرية، مشيرة إلى أن جزءًا من التضخم يرجع إلى سياسات اقتصادية غير فعالة، مثل طباعة النقود دون غطاء نقدي كافٍ، مما أدى إلى تدهور قيمة العملة المحلية.

    اقرأ أيضًا: صناعة الأدوية في الجزائر.. إنتاج محلي يسعى للعالمية

    ضعف التنويع الاقتصادي والبنية التحتية

    بالإضافة إلى ضعف التنويع الاقتصادي، في مصادر الدخل، هُناك ضعف في تطوير قطاعات أخرى مثل الصناعة والزراعة والسياحة، هذا النقص في التنويع يجعل الاقتصاد غير مرن في مواجهة التحديات العالمية، مثل انخفاض أسعار النفط أو التغيرات في السوق الدولية.

    وقد شددت يعقوب على دور الفساد الإداري والبيروقراطية في إبطاء التنمية الاقتصادية في البلاد، وخاصة صعوبة الحصول على التراخيص، وتعقيد الإجراءات الإدارية، وغياب الشفافية التي تؤثر على بيئة الأعمال وتجعل جذب الاستثمارات الأجنبية والمحلية أمرًا صعبًا للغاية. 

    وعلى حدّ قولها، فإنّ البلاد تعاني من ضعف في البنية التحتية، سواء في النقل أو الطاقة أو المياه، ما يؤثر سلبًا على الإنتاجية ويزيد من تكاليف الأعمال التجارية، كما أنّ الحكومة تواجه تحديًا يتمثل في توفير الاستثمارات اللازمة لتحديث البنية التحتية في ظل محدودية الموارد.

    واختتمت الخبيرة قائلة إن “الرئيس الجزائري الجديد لديه العديد من الملفات الاقتصادية الساخنة التي تتطلب إجراءات عاجلة لحماية اقتصاد البلاد، أبرزها ضعف القدرة على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة بسبب مجموعة من العوامل؛ مثل التعقيدات القانونية، والقيود على الملكية الأجنبية، وغياب الحوافز المناسبة للمستثمرين، في ظل بيئة أعمال غير مُشجعة، وبالتالي فإنّ من الصعب على الجزائر تحقيق نمو اقتصادي كبير أو نقل التكنولوجيا والمعرفة من الخارج”.