على الرغم من أن خفض أسعار الفائدة الأمريكية يُتوقع أن ينعكس إيجابًا على مختلف الاقتصادات العالمية، عبر تخفيف الضغوط المالية ودعم توجه صنّاع السياسة النقدية في الدول الأخرى نحو تقليص الفائدة والحفاظ على تدفقات رؤوس الأموال قصيرة الأجل (الأموال الساخنة) من التخارج، فإن هذا التحرك لا يمكن أن يتم بقرار إداري أو سياسي منفرد، دون الأخذ في الاعتبار العوامل الاقتصادية الأساسية التي تتحكم في هذا القرار.
التسرّع في خفض الفائدة قد يؤدي إلى تسارع معدلات التضخم داخل الولايات المتحدة، ويُلحق ضررًا بسوق السندات الأمريكية نتيجة تراجع العائدات، فضلًا عن احتمالية إضعاف قيمة الدولار الأمريكي أمام العملات الأجنبية الأخرى، خصوصًا في حال كان الاقتصاد الأمريكي يعمل بكامل طاقته الإنتاجية، ما يجعل أي تحفيز إضافي غير محسوب مخاطرة قد ترتد آثارها على الاقتصاد العالمي بأكمله.
تخفيض الفائدة الأمريكية والنفط
في خطاب أثار جدلًا واسعًا، ألمح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى احتمال تصادمه مع رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول وعدد من مسؤولي البنوك المركزية حول العالم، مؤكدًا ضرورة خفض أسعار الفائدة بشكل حاد لدعم الاقتصاد، وقد جاءت تصريحاته خلال كلمة افتراضية أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا، حيث استعرض ملامح سياسته الاقتصادية للفترة المقبلة.
وقال ترامب: “سأطلب من السعودية وأوبك خفض أسعار النفط، ومع انخفاض أسعار النفط، سأطالب بخفض أسعار الفائدة فورًا”. وأضاف أن السياسة النقدية العالمية يجب أن تتجه نحو التيسير وخفض الفائدة، معتبرًا ذلك محركًا رئيسيًا لتحفيز الاقتصاد الأمريكي في مواجهة التحديات العالمية الراهنة.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، إذ شدد ترامب في تصريحات لاحقة من المكتب البيضاوي على عزمه التواصل المباشر مع رئيس الاحتياطي الفيدرالي في الوقت المناسب لعرض رؤيته، وقال: “أريد أن تنخفض أسعار الفائدة بشكل كبير، وأعتقد أن الاحتياطي الفيدرالي سيستمع لي”. وتعكس هذه التصريحات تصاعد الخلاف بين ترامب وجيروم باول، في وقت تشير فيه توقعات الفيدرالي الأمريكي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير في المدى القريب، بعد أن تم خفضها بمقدار نقطة مئوية كاملة في نهاية عام 2024.
هذا التباين في المواقف يُبرز الفجوة المتزايدة بين الرؤية السياسية التي يتبناها البيت الأبيض، والسياسة النقدية المستقلة التي يتمسك بها مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وهو ما يُبقي العلاقة بين المؤسستين في حالة توتر دائم؛ فقد خفّض مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي توقعاتهم بشأن عدد مرات خفض الفائدة لعام 2025 من أربع مرات إلى مرتين فقط، في إشارة واضحة إلى حذرهم من تداعيات السياسات الاقتصادية التي ينتهجها ترامب، خصوصًا تلك المتعلقة بالضغط على الفيدرالي لتسريع وتيرة خفض الفائدة.
التوتر بين ترامب وباول
يأتي هذا الخلاف في خضم الحملات الانتخابية لترامب، التي واصل خلالها توجيه انتقادات حادة لجيروم باول، متهمًا إياه باتخاذ قرارات غير صائبة في أكثر من مناسبة. ورغم أن ترامب أكد الشهر الماضي أنه لا يعتزم إقالة باول قبل انتهاء ولايته في عام 2026، فإن الجدل حول مدى استقلالية الفيدرالي الأمريكي واستقلال قراراته عن النفوذ السياسي ما زال مطروحًا بقوة في الأوساط الاقتصادية والإعلامية.
في المقابل، شدد جيروم باول على أن القانون لا يمنح أي صلاحية لإقالته قبل انتهاء ولايته، ما يعزز موقعه في مواجهة الضغوط والانتقادات المتكررة من ترامب. وفي الوقت ذاته، أكد سكوت بيسنت، المرشح من قبل ترامب لمنصب وزير الخزانة الأمريكي، على أهمية الحفاظ على استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي، مع الإشارة إلى أن ترامب سيظل، بصفته رئيسًا، يعبر علنًا عن آرائه وتوجهاته الاقتصادية، في توازن دقيق بين السياسة والتشريع يعكس تعقيدات المشهد المالي الأمريكي في المرحلة المقبلة.
صفعة قوية من الفيدرالي للأسواق العالمية
مخاوف اقتصادية واسعة
تصريحات ترامب الأخيرة أثارت مخاوف واسعة بشأن مستقبل العلاقة بين البيت الأبيض والاحتياطي الفيدرالي، ومدى تأثير هذه التوترات على استقرار الأسواق المالية، بالإضافةِ إلى قلق المستثمرين من احتمال فقدان استقلالية السياسات النقدية، في ظل استمرار ترامب في الضغط على البنك المركزي لتحقيق أهدافه الاقتصادية.
ومن جانبه، يقول الدكتور رمزي الجرم، الخبير المصرفي، إن تنفيذ تصريحات ترامب في منتدى دافوس الاقتصادي منذ أيام ربما تأتي بآثار عكسية على الاقتصاد الأمريكي بشكل خاص، نتيجة التدخلات السياسية غير المحسوبة والسريعة التي تضر كثيرًا بالشأن الاقتصادي، خصوصًا في ظل أزمات عاتية تواجه الاقتصاد العالمي.
وأضاف الجرم في تصريح خاص لموقع “Econ-Pedia” أن أسعار السلع العالمية، وفي مقدمتها النفط، تخضع بطبيعتها لقوى العرض والطلب، ولا يمكن إخضاعها لتدخلات إدارية أو قرارات رئاسية تهدف إلى خفض الأسعار بشكل مصطنع، إذ إن تجاوز آليات السوق الطبيعية في تسعير السلع قد يؤدي إلى تداعيات سلبية خطيرة تفوق أي مكاسب محتملة على المدى القصير.
هل سيحافظ الفيدرالي الأمريكي على استقلاليته بعد فوز ترامب؟
خفض الفائدة بقرار رئاسي: مخاطرة محتملة
أشار الخبير المصرفي إلى أن استخدام أدوات الضغط أو القوة الاقتصادية، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة (مثل فرض استثمارات بقيمة محددة على دول بعينها كالمملكة العربية السعودية) يتعارض مع مبادئ حرية الاستثمار وأسس الاقتصاد العالمي الحديث، ويقوّض الثقة المتبادلة التي تُعدّ ركيزة العلاقات الاقتصادية الدولية.
وتابع الدكتور رمزي الجرم موضحًا أن العلاقة بين أسعار الفائدة والنشاط الاقتصادي علاقة دقيقة ومتوازنة، فكلما انخفضت أسعار الفائدة كان ذلك مؤشرًا على بيئة اقتصادية أكثر دعمًا للنمو والاستثمار. غير أن هناك حالات تضطر فيها السلطات النقدية في أي دولة إلى رفع أسعار الفائدة بدلًا من خفضها، وذلك لضبط مستويات التضخم والحفاظ على استقرار الأسعار، خصوصًا عندما تتزايد الكتلة النقدية في الأسواق بوتيرة لا تتناسب مع الطاقة الإنتاجية للاقتصاد.
وأوضح أن خفض الفائدة بقرار رئاسي أو إداري دون مراعاة العوامل الاقتصادية الحاكمة يمثل مخاطرة كبيرة، إذ يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم بشكل حاد نتيجة زيادة السيولة في السوق، فضلًا عن تراجع عوائد السندات الأمريكية، مما يُضعف جاذبية الدولار أمام المستثمرين ويؤدي إلى انخفاض قيمته أمام العملات الأجنبية الأخرى.
وأضاف الجرم أن خفض أسعار الفائدة في وقتٍ يكون فيه الاقتصاد الأمريكي يعمل بكامل طاقته الإنتاجية قد يترتب عليه نتائج عكسية، أبرزها ارتفاع أسعار الأصول المالية والعقارية، إذ يدفع المستثمرين للبحث عن عوائد أعلى في قطاعات أخرى مثل الأسهم والعقارات، مما يخلق ضغوطًا تضخمية في أسواق الأصول.
كما أشار إلى أن استمرار الفائدة المنخفضة يشجع على التوسع في الاقتراض، سواء من قبل الأفراد أو الشركات أو المؤسسات الاقتصادية، وهو ما يؤدي على المدى الطويل إلى تراكم الديون وارتفاع مستويات المخاطر المالية، الأمر الذي يهدد الاستقرار الاقتصادي إذا لم تتم إدارته بحذر ووفق سياسات نقدية متوازنة.
رفع الرسوم الجمركية
التهديد برفع الرسوم الجمركية إلى مستويات مرتفعة يُعدّ خرقًا واضحًا لمبادئ اتفاقيات التجارة الحرة، ما قد يُشعل موجة جديدة من الحروب التجارية العالمية، خاصةً إذا كانت المواجهة مع قوى اقتصادية كبرى مثل الصين أو دول الاتحاد الأوروبي. فمثل هذه الخطوات التصعيدية ستدفع تلك الدول إلى الرد بالمثل، وهو ما قد يفتح الباب أمام أزمة مالية عالمية جديدة تُضاف إلى سلسلة الأزمات التي يشهدها الاقتصاد الدولي في الوقت الراهن، مع ما تحمله من تداعيات سلبية على حركة التجارة والنمو العالمي.
وفي هذا السياق، يرى الدكتور رمزي الجرم، الخبير المصرفي، أنه رغم الآثار السلبية المحتملة لتخفيض أسعار الفائدة الأمريكية بقرار إداري على الاقتصاد الأمريكي نفسه، إلا أن هذه الخطوة قد تمثل بارقة أمل لعدد من الاقتصادات الناشئة، وعلى رأسها الاقتصاد المصري.
فانخفاض أسعار الفائدة في الولايات المتحدة من شأنه أن يمنح صانعي السياسة النقدية في البنك المركزي المصري مساحة أكبر للتحرك نحو خفض أسعار الفائدة المحلية على الإيداع والإقراض بنسب ملموسة، بما يدعم النشاط الاقتصادي المحلي ويُحسن المؤشرات الكلية للاقتصاد الوطني خلال فترة قصيرة.
كما أن هذا الاتجاه سيُسهم في تعزيز استقرار الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة، خصوصًا في أدوات الدين الحكومية المعروفة بالأموال الساخنة، إذ ستظل أسعار الفائدة في السوق المصري جاذبة نسبيًا حتى بعد خفضها، مقارنةً بنظيرتها الأمريكية، وهو ما يحافظ على تدفق رؤوس الأموال الأجنبية ويُخفف من الضغوط الواقعة على سعر الصرف.
قد يهمّك أيضًا: ترامب يغير قواعد المواطنة.. هل ينهي حق الولادة؟
