دخلت مفاوضات سويسرا مرحلة اختبار حقيقية، بعدما كشفت طهران عن أولوياتها وشروطها للمضي قدمًا في مسار التفاهم مع واشنطن، وفي مقدمتها الحصول على ضمانات واضحة لتنفيذ بنود بناء الثقة، خاصة ما يتعلق بوقف الحرب على الجبهات الإقليمية وفي مقدمتها لبنان.
وقد تزامن ذلك مع وصول وفد إيراني رفيع المستوى إلى جنيف، يضم شخصيات سياسية واقتصادية وأمنية ونفطية، في مؤشر إلى أن المفاوضات لا تقتصر على الملف النووي فحسب، وإنّما تمتد إلى ملفات الأموال المحتجزة والعقوبات والطاقة وترتيبات الأمن الإقليمي.
شروط بناء الثقة وتمهيد الأرضية لبدء المفاوضات
قال منير أديب، خبير العلاقات السياسية والاستراتيجية، إن التصريحات الإيرانية الصادرة بالتزامن مع وصول الوفود إلى جنيف تكشف أن طهران تدخل جولة مفاوضات سويسرا مع الولايات المتحدة وفق أجندة محددة وأولويات واضحة.
وأضاف أديب أن التصريح الأبرز في هذا السياق جاء على لسان إسماعيل بقائي، المتحدث باسم الخارجية الإيرانية والمتحدث باسم الوفد الإيراني المفاوض مع الولايات المتحدة، والذي أدلى بتصريحات من مقر انعقاد الاجتماعات في سويسرا، أوضح من خلالها أن الهدف الأساسي من الاجتماعات هو الوقوف على مدى التزام الطرف الآخر بتعهداته الواردة في مذكرة التفاهم.
وقال إن بقائي أشار بشكل واضح إلى مجموعة من البنود داخل مذكرة التفاهم، وهي البنود الأول والرابع والخامس والعاشر والحادي عشر، باعتبارها البنود التي يحيل إليها البند الثالث عشر من المذكرة بوصفها شروطًا أولية لبناء الثقة وتمهيد الأرضية المناسبة للانتقال إلى المرحلة الثانية من المفاوضات.
وأشار أديب إلى أن هذه البنود الخمسة تمثل، من وجهة النظر الإيرانية، اختبارًا حقيقيًا لجدية الطرف الآخر، لأنها لا تتعلق فقط بالمسائل الفنية أو الترتيبات الإجرائية، وإنما ترتبط بملفات إقليمية وأمنية شديدة الحساسية.
وأكد أن البند الأول من مذكرة التفاهم يحظى بأهمية خاصة لدى الجانب الإيراني، لأنه يتناول وقف الحرب وإنهاء العمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك جبهة لبنان، وهو ما يجعل طهران شديدة الحرص على الحصول على ضمانات واضحة من الطرف الآخر بشأن تنفيذ هذا البند قبل الانتقال إلى أي تفاوض أعمق حول المرحلة التالية.
اقرأ أيضًا: هل تؤثر تدوينة ترامب بشأن رسوم مضيق هرمز على مفاوضات سويسرا؟
اختبار قدرة واشنطن على إلزام حلفائها
قال أديب إن الموقف الإيراني يقوم على فكرة أن نجاح المفاوضات لا يمكن أن يستند إلى النوايا أو الوعود العامة فقط، بل يحتاج إلى نتائج عملية على الأرض، خصوصًا أن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية أكد أن إسرائيل لم تلتزم منذ اللحظات الأولى لتوقيع مذكرة التفاهم، مشيرًا إلى أن طهران لا يعنيها ما إذا كان سبب عدم الالتزام هو عجز الولايات المتحدة عن ضبط إسرائيل أو عدم رغبتها في ذلك، وإنما ما يعنيها هو النتيجة النهائية المتمثلة في استمرار الخروقات.
وأضاف أن هذه النقطة تمثل جوهرًا مهمًا في الحسابات الإيرانية، إذ إنّ طهران تريد أن تختبر قدرة واشنطن على إلزام حلفائها، وفي مقدمتهم إسرائيل، بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه، لأن أي خرق إسرائيلي واسع يمكن أن ينسف من وجهة النظر الإيرانية أساس الثقة الذي يفترض أن تقوم عليه المفاوضات.
وأشار خبير العلاقات السياسية والاستراتيجية إلى أن شكل الاجتماعات في سويسرا يعكس أيضًا أهمية الجولة التفاوضية، موضحًا أن الوفد الإيراني بدأ تحركاته بعقد اجتماع داخلي صباحًا استمر نحو 90 دقيقة، جرى خلاله مراجعة الملفات التي سيتم طرحها ومناقشتها على طاولة المفاوضات.
دور الوساطة القطرية والباكستانية في جنيف
أوضح أديب أن الوفد الإيراني من المقرر أن يعقد اجتماعين مع الوفدين القطري والباكستاني، باعتبار قطر وباكستان دولتين وسيطتين في هذا المسار، قبل الانتقال إلى الاجتماع المباشر الأول من نوعه بين الوفدين الإيراني والأمريكي بحضور الوسيطين القطري والباكستاني.
وقال أديب إن أهمية هذا الاجتماع تكمن في أنه سيُعقد في غرفة واحدة، كما أشار المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، وهو ما يمثل تطورًا لافتًا في شكل التواصل بين طهران وواشنطن، حتى وإن ظل محاطًا بالوساطة القطرية والباكستانية، لأن وجود الطرفين في غرفة واحدة يعكس رغبة في اختبار جدية التفاوض المباشر تحت سقف مضبوط.
اقرأ أيضًا: ماذا بعد الاتفاق الأمريكي الإيراني وهدوء الخليج؟
دلالات الحضور الدبلوماسي والاقتصادي في الوفد الإيراني
قال أديب إن طبيعة الوفد الإيراني المشارك في مفاوضات سويسرا تكشف بدورها حجم الملفات المطروحة، إذ لا يقتصر الوفد على شخصيات دبلوماسية فقط، بل يضم مسؤولين من مستويات سياسية واقتصادية وأمنية ومالية ونفطية، وهو ما يعكس أن المفاوضات تتناول حزمة واسعة من الملفات وليس ملفًا واحدًا منعزلًا.
وأوضح أن رئيس الفريق المفاوض هو محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني، إلى جانب وزير الخارجية الإيراني، وحاكم مصرف إيران المركزي عبد الناصر همتي، ومعاون الشؤون الدولية لأمين سر المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي باقري كني، فضلًا عن إسماعيل بقائي المتحدث باسم الخارجية الإيرانية بصفته متحدثًا باسم الوفد.
وأشار أديب إلى أن الوفد يضم أيضًا خبراء من معاوني وزير الخارجية، ومعاون وزير النفط الإيراني، ورئيس شركة النفط الإيرانية، وهو ما يدل على أن طهران تستعد لمناقشة تفاصيل تتعلق بالسياسة الخارجية، والأمن القومي، والقطاع المصرفي، والأموال المحتجزة، والنفط، والعقوبات، وآليات تنفيذ بنود التفاهم.
وأكد أن وجود حاكم مصرف إيران المركزي ورئيس شركة النفط الإيرانية داخل أو بجوار وفد مفاوضات سويسرا يحمل دلالة واضحة على أن الجانب الاقتصادي حاضر بقوة في هذه الجولة، وأن طهران لا تنظر إلى المفاوضات باعتبارها مسارًا سياسيًا فقط، بل باعتبارها مدخلًا لتحسين الوضع الاقتصادي واستعادة جزء من حقوقها المالية والنفطية.
المكاسب الاقتصادية المنتظرة لإيران
قال أديب إن تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان تزامنًا مع بدء الاجتماعات جاءت لافتة، إذ أكد أن جميع بنود مذكرة التفاهم تصب في صالح إيران، وأن الإدارة الأمريكية أصبحت أكثر فهمًا لحقوق الشعب الإيراني مقارنة بالسابق، وهي عبارات تعكس رغبة القيادة الإيرانية في تقديم المذكرة للرأي العام الداخلي باعتبارها مكسبًا سياسيًا واقتصاديًا.
وأضاف أن بزشكيان أشار إلى أن جزءًا من الأموال الإيرانية المحتجزة في الخارج في طريقه إلى إيران، متحدثًا عن نحو 6 مليارات دولار ستعود إلى إيران من قطر، بما يعني أن الجانب المالي يشكل أحد أهم عناصر التفاهم المطروح على الطاولة.
وأوضح أن الرئيس الإيراني ربط بين تنفيذ مذكرة التفاهم وبين حدوث انفراجة في الأوضاع الاقتصادية والمعيشية داخل إيران، وهو ما يعكس إدراك القيادة الإيرانية لحجم الضغوط الداخلية الناتجة عن العقوبات والأزمة الاقتصادية، ورغبتها في توظيف مسار التفاوض لتخفيف هذه الضغوط.
وأشار أديب إلى أن هذه الرسائل الاقتصادية موجهة للداخل الإيراني بقدر ما هي موجهة للخارج، لأن النظام الإيراني يريد أن يقول لجمهوره إن التفاوض لا يعني التراجع أو الضعف، بل هو طريق لاستعادة الأموال والحقوق وتحسين الظروف المعيشية دون التخلي عن الثوابت السياسية والأيديولوجية.
اقرأ أيضًا: حرب أمريكا وإيران تكلف الاقتصاد العالمي 2.2 تريليون دولار
المرشد الإيراني: المفاوضات لا تعني التصالح مع أمريكا وإسرائيل
أوضح أديب أن تصريحات ممثل المرشد الإيراني في الحرس الثوري جاءت لتضع سقفًا أيديولوجيًا واضحًا لهذه المفاوضات، إذ أكد أن التفاوض لا يعني أن إيران ستصبح صديقة للولايات المتحدة، ولا يعني أنها ستتخلى عن مثلها وقيمها أو عن موقفها تجاه إسرائيل.
وقال إن هذه التصريحات تكشف ازدواجية مقصودة في الخطاب الإيراني؛ فمن جهة هناك خطاب رئاسي يتحدث عن مكاسب اقتصادية وانفراجة معيشية واستعادة أموال محتجزة، ومن جهة أخرى هناك خطاب صادر عن المؤسسة العقائدية والأمنية يؤكد أن التفاوض ليس مصالحة مع واشنطن، ولا تحولًا استراتيجيًا في هوية النظام أو مواقفه الإقليمية.
وأضاف أن ممثل المرشد في الحرس الثوري أوضح أن إيران لا تتفاوض من أجل المصالحة مع الولايات المتحدة، وإنما من أجل استعادة حقوق الشعب الإيراني، وهو تعبير مهم لأنه يحاول نزع الطابع التصالحي عن المفاوضات، وتقديمها باعتبارها أداة لاسترداد الحقوق لا لتغيير الاصطفافات السياسية.
وأكد أديب أن هذه الرسائل تكشف أن طهران تسعى إلى إدارة توازن دقيق بين ضرورات الاقتصاد وضغوط الداخل من جهة، وبين الثوابت الأيديولوجية والحسابات الاستراتيجية للحرس الثوري ومؤسسات النظام من جهة أخرى.
اقرأ أيضًا: كيف يؤثر الاتفاق الأمريكي الإيراني على الأسواق العالمية؟
هل ستنجح مفاوضات سويسرا؟
قال أديب إن مفاوضات سويسرا تبدو، وفق هذه المعطيات، أكثر تعقيدًا؛ فطهران تريد أن تبدأ من التنفيذ وليس من الوعود، ولذلك تركز على البنود المرتبطة بوقف الحرب على الجبهات، وعلى الأموال المحتجزة وعلى الضمانات المرتبطة بمسار التفاوض، قبل أن تذهب إلى نقاش أوسع حول المرحلة الثانية.
كما أوضح أن حضور قطر وباكستان كوسيطين يعكس أن المفاوضات لا تزال تحتاج إلى أطراف قادرة على تقريب وجهات النظر وبناء حد أدنى من الثقة، خاصة في ظل تاريخ طويل من العداء بين طهران وواشنطن، وفي ظل تشابك الملفات النووية والإقليمية والاقتصادية.
واختتم منير أديب تصريحاته مشددًا على أن أي خرق مبكر أو غياب للضمانات قد يعيد المفاوضات إلى نقطة الصفر، بينما يمكن للالتزام العملي ببنود الثقة أن يفتح الباب أمام مرحلة تفاوضية ثانية أكثر عمقًا بين إيران والولايات المتحدة.
قد يهمّك أيضًا: أرباح الحرب ترفع ثروات مليارديرات الطاقة في مجموعة السبع
