أعلنت الهيئة العامة للمعابر والحدود، أمس الخميس، عن توقف العمل مؤقتًا في معبر الكرامة نتيجة إضراب لدى الجانب الإسرائيلي من المعبر، داعية المسافرين إلى عدم التوجه إليه في الوقت الراهن وإعادة جدولة مواعيد سفرهم، لحين صدور إشعار رسمي جديد يفيد باستئناف العمل.
ويأتي هذا التطور في وقت رفضت فيه إسرائيل تمديد ساعات عمل جسر الكرامة، مبررة موقفها بالوضع الأمني الحالي، وفق تصريح لسلطة المطارات الإسرائيلية، ردًا على صحيفة “هآرتس” التي أشارت إلى أن المحكمة العليا الإسرائيلية ستعقد جلسة نهاية الشهر الجاري للنظر في التماس قُدم في مارس الماضي، يطالب بمواءمة ساعات عمل المعبر مع احتياجات الجمهور الفلسطيني.
وعاد معبر الكرامة، المنفذ البري الوحيد للفلسطينيين في الضفة الغربية نحو العالم الخارجي، إلى واجهة المشهد مجددًا بعد توقف حركة العبور أمس الخميس، ما أدى إلى تكدس آلاف المسافرين على جانبي المعبر، في أزمة جديدة تعكس واقعًا متكررًا يعيشه الفلسطينيون منذ سنوات، وتكشف حجم القيود الإسرائيلية التي تضيق حركة السفر والتنقل.
واقع حركة السفر في معبر الكرامة
وبينما انتظر آلاف المسافرين لساعات طويلة، أوضحت صحيفة “هآرتس” أن الاختناقات على المعبر لم تعد مرتبطة فقط بالإجراءات الأمنية أو المواسم المزدحمة، بل باتت نتيجة مباشرة لسياسة إسرائيلية تقوم على تقليص ساعات تشغيل المعبر، وهو ما أدى إلى ظهور سوق سوداء لبيع الأدوار، وحوّل السفر إلى رحلة شاقة ومكلفة لكثير من الفلسطينيين.
ويُعد معبر الكرامة، المعروف إسرائيليًا باسم “اللنبي” وأردنيًا باسم “جسر الملك حسين”، المنفذ الوحيد لنحو ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية، في ظل منعهم من استخدام مطار بن غوريون أو المعابر الأخرى، الأمر الذي يجعل أي تقليص في ساعات العمل أو أي إغلاق مفاجئ ينعكس مباشرة على حياتهم اليومية، وعلى قدرتهم على السفر للعلاج أو الدراسة أو العمل أو زيارة ذويهم.
وتشغّل إسرائيل المعبر فعليًا لمدة تقارب تسع ساعات يوميًا، غير أن استقبال المسافرين القادمين من الأردن لا يتجاوز خمس ساعات ونصف، فيما يُغلق المعبر بالكامل يوم السبت، ما يضاعف أعداد المنتظرين، ويجبر كثيرين على تأجيل سفرهم أو تغيير خططهم، خاصة في ظل عدم وجود بديل فعلي للفلسطينيين في الضفة الغربية.
وتشير بيانات الشرطة الفلسطينية إلى أن نحو 1.5 مليون فلسطيني عبروا معبر الكرامة خلال عام 2025، فيما بلغ إجمالي العابرين 1.87 مليون مسافر، وفق بيانات سلطة المطارات الإسرائيلية، وهي أرقام تعكس حجم الضغط الكبير على المعبر مقارنة بساعات التشغيل المحدودة.
اقرأ أيضًا: الثمن الذي تدفعه إسرائيل مقابل حروبها المفتوحة
مبادرات أردنية ومواقف دولية لتسهيل العبور
وقدمت السلطات الأردنية مجموعة من المبادرات لتحسين حركة العبور على الجسر، شملت تنظيم السفر عبر الحجز الإلكتروني، وإقامة خيمة انتظار، وزيادة عدد موظفي الجوازات، والسماح بالعبور دون حجز مسبق في الحالات الإنسانية، فضلًا عن تقديم موعد افتتاح الجانب الأردني، إلا أن الأزمة بقيت قائمة في ظل استمرار القيود الإسرائيلية على ساعات العمل.
وأشارت “هآرتس” إلى أن البنك الدولي حذر من أن تقليص ساعات عمل المعبر يحد من فرص التنمية الاقتصادية الفلسطينية، ويعيق حركة التجارة والاستثمار والسياحة، بما يجعل الأزمة لا تقتصر على البعد الإنساني فقط، بل تمتد إلى آثار اقتصادية وتنموية مباشرة على المجتمع الفلسطيني.
كما مارست الإدارة الأمريكية السابقة ضغوطًا على إسرائيل لتمديد ساعات تشغيل المعبر، ليعمل على مدار الساعة من الأحد إلى الخميس لفترة محدودة خلال عام 2023، قبل أن تتراجع إسرائيل لاحقًا عن هذا الترتيب، وتعود الأزمة إلى الواجهة من جديد مع استمرار ساعات التشغيل المحدودة.
وفي مارس الماضي، تقدمت مؤسسة تمثل القطاع الخاص الفلسطيني بالتماس إلى المحكمة العليا الإسرائيلية، للمطالبة بإلزام الحكومة بمواءمة ساعات العمل مع احتياجات الفلسطينيين، أو العودة إلى نظام التشغيل السابق الذي كان يمتد حتى منتصف الليل ويشمل جميع أيام الأسبوع.،ومن المقرر أن تنظر المحكمة في هذا الالتماس نهاية الشهر الجاري.
في المقابل، بررت سلطة المطارات الإسرائيلية تقليص ساعات العمل بما وصفته بـ”الظروف الأمنية”، إلى جانب نقص أفراد الأمن نتيجة استدعاء قوات الاحتياط، مؤكدة أنها غير قادرة حاليًا على توسيع ساعات التشغيل، ومشيرة إلى أن الملف يُناقش مع الجانب الأردني، دون أي ذكر للسلطة الفلسطينية أو الالتزامات الواردة في اتفاقيات أوسلو، التي نصت على تشغيل المعبر بصورة متواصلة.
اقرأ أيضًا: أزمة وقود الطائرات تضرب شركات الطيران حول العالم
الآثار الإنسانية واللوجستية لإغلاق معبر الكرامة
وفي تعليقه على الأزمة، قال الدكتور أحمد عناني، خبير العلاقات الدولية، إن إغلاق معبر الكرامة بشكل مفاجئ نتيجة إضراب لدى الجانب الإسرائيلي، وعودة أعداد كبيرة من المواطنين من الجانبين، يمثل تطورًا إنسانيًا وسياسيًا بالغ الحساسية، خاصة في ظل الرفض الإسرائيلي لتمديد ساعات عمل الجسر بما يسمح بتخفيف الضغط المتزايد على حركة الفلسطينيين.
وأضاف عناني أن ما جرى تسبب في ارتباك كبير للمسافرين، حيث فوجئ المواطنون بإغلاق الجسر وعودة الباصات من الجانبين، مشيرًا إلى أن التقديرات تتحدث عن عودة أكثر من 25 حافلة، ما يعني أن عدد المتضررين قد يتجاوز 1250 مسافرًا على الأقل.
وأوضح أن هذا الإغلاق لا يجب التعامل معه باعتباره إجراءً عابرًا، لأنه قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية المرتبطة بحركة الفلسطينيين، خصوصًا في ظل تراكم أعداد كبيرة من الراغبين في العودة أو السفر، وعدم وضوح موعد عودة العمل بصورة منتظمة وطبيعية عبر المعبر.
ولفت إلى أن هناك أعدادًا كبيرة من المواطنين الفلسطينيين الراغبين في العودة، في وقت تشير فيه المعطيات إلى أن المنصة الخاصة بالسفر مغلقة أمام المسافرين العاديين حتى منتصف الشهر المقبل، بما يعني أن الأزمة قد تمتد لأكثر من 40 يومًا في حال لم يتم إيجاد حل عاجل.
وأضاف أن التقديرات تشير إلى أن عدد الفلسطينيين الراغبين في العودة قد يتراوح بين 150 و200 ألف مواطن فلسطيني، وهو رقم يعكس حجم الضغط الإنساني الكبير على المعبر، ويؤكد أن استمرار الإغلاق أو ضعف ساعات التشغيل سيضاعف المعاناة اليومية للمواطنين.
وقال عناني إن الأمل لا يزال قائمًا في أن يتم تعديل القرار والضغط باتجاه فتح المعبر لمدة 24 ساعة، أو على الأقل زيادة ساعات العمل بصورة واضحة، بما يساعد في حل جزء كبير من المشكلة وتخفيف إجراءات السفر الصعبة التي يتحملها المواطنون الفلسطينيون.
وأوضح أن الأزمة لا تتعلق فقط بالمواطنين الراغبين في العودة إلى الأراضي الفلسطينية، بل تشمل أيضًا المواطنين الذين يرغبون في السفر إلى الأردن والعودة منه، لكنهم لا يستطيعون المخاطرة في ظل حالة عدم اليقين، خاصة بعدما شهدوه من إغلاق مفاجئ وعودة المسافرين من الجانبين.
وأشار إلى أن ما جرى قد يؤدي إلى زيادة معاناة المواطنين الفلسطينيين، خصوصًا المرتبطين بمواعيد سفر خارجية أو رحلات طيران، لأن أي تعطيل في العبور عبر الجسر قد يتسبب في خسارة الحجوزات أو تعطيل الالتزامات الشخصية والعائلية والعلاجية والدراسية.
مطالب دولية لإدارة حركة المعبر
وأكد عناني أن الأزمة الحالية تستدعي إعادة نظر شاملة في إجراءات السفر عبر معبر الكرامة، بما يضمن عدم تكرار مشاهد عودة الحافلات وتعطيل المسافرين، ويضع آلية أكثر وضوحًا لإدارة حركة العبور في أوقات الضغط أو الطوارئ.
وشدد على أن معبر الكرامة يمثل شريانًا أساسيًا لحركة الفلسطينيين، وليس مجرد نقطة عبور عادية، وبالتالي فإن أي تعطيل أو تقليص في ساعات عمله يترك آثارًا مباشرة على حياة آلاف الأسر الفلسطينية، وعلى قدرتها على السفر والعودة والتنقل لأسباب إنسانية وتعليمية وصحية ومعيشية.
واختتم الدكتور أحمد عناني تصريحاته بالتأكيد على أن معالجة الأزمة تتطلب تحركًا منظمًا على ثلاثة مستويات: إعادة تشغيل الجسر بصورة منتظمة، وزيادة ساعات العمل وصولًا إلى التشغيل الكامل، وتفعيل الضغط السياسي والدبلوماسي عبر الأردن والأمم المتحدة والأطراف الأوروبية لضمان حرية حركة الفلسطينيين، وعدم تحويل المعبر إلى أداة ضغط إضافية على المواطنين.
قد يهمّك أيضًا: هل يواجه العالم خامس أزمة غذائية كبرى ؟
