تقارير الطاقة

    تصعيد مضيق هرمز يرفع كلفة التأمين والشحن البحري

    بقلم نهلة فياض••آخر تحديث •5 دقائق
    سفن شحن في مضيق هرمز.

    يضع التصعيد العسكري المتجدد في محيط مضيق هرمز أسواق الشحن والطاقة والتأمين أمام موجة جديدة من الضغوط، في ظل تراجع حركة السفن العابرة للمضيق وارتفاع أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، وسط مخاوف من انعكاس استمرار التوتر على أسعار النفط ونوالين الشحن وكلفة السلع عالميًا، بما يجعل المستهلك النهائي الأكثر تأثرًا بتداعيات الأزمة.

    وقال الدكتور عمرو يوسف، أستاذ التشريعات الاقتصادية، إن تجدد التصعيد الإيراني الأمريكي في منطقة الخليج أعاد المخاوف بقوة إلى أسواق الشحن والطاقة والتأمين البحري، خاصة مع تراجع حركة السفن العابرة لمضيق هرمز إلى مستويات غير مسبوقة خلال الساعات الأخيرة، وهو ما يعكس حجم القلق لدى شركات الملاحة والتأمين من استمرار المخاطر العسكرية في واحد من أهم الممرات البحرية لتجارة النفط والغاز عالميًا.

    وأوضح أن مضيق هرمز يمثل شريانًا حيويًا لحركة الطاقة العالمية، وأي اضطراب في الملاحة عبره ينعكس مباشرة على كلف الشحن والتأمين وأسعار النفط، ثم ينتقل أثره في النهاية إلى الأسواق والمستهلكين.

    انخفاض أعداد السفن العابرة لمضيق هرمز

    وأشار يوسف إلى أنّ أحدث المتابعات لحركة السفن أظهرت انخفاضًا حادًا في أعداد السفن العابرة للمضيق، إذ جرى رصد عبور 6 سفن فقط في يوم واحد، منها سفينتان عبرتا المسار الإيراني بمحاذاة جزيرة الأرك، وسفينتان عبرتا المسار العماني جنوبًا، وسفينتان أخريان لم يتم تحديد مسارهما بدقة، وهو رقم منخفض للغاية مقارنة بالفترات السابقة التي كانت تشهد مرور عشرات السفن ذهابًا وإيابًا عبر المضيق.

    وأضاف أستاذ التشريعات الاقتصادية أن هذا التراجع جاء بعد ضربات أمريكية واسعة النطاق استهدفت مواقع متعددة داخل إيران، خاصة على السواحل الجنوبية الغربية، من جابهار إلى جاسك وبندر عباس وبوشهر، إضافة إلى محيط مضيق هرمز، حيث تحدثت القيادة المركزية الأمريكية عن استهداف نحو 90 موقعًا، من بينها منصات إطلاق صواريخ ومسيرات ورادارات وقدرات عسكرية مرتبطة بتهديد حركة السفن التجارية.

    ولفت إلى أن الضربات التي طالت مناطق مثل السريك وبندر عباس وجزيرة أبو موسى تحمل دلالات مهمة، لأن هذه المواقع ترتبط جغرافيًا ولوجستيًا بحركة الملاحة في المضيق، سواء من حيث مراقبة السفن أو الضغط عليها لعبور مسارات بعينها، أو استهداف السفن التجارية في بعض الممرات، وهو ما جعل شركات الشحن تتعامل مع المنطقة باعتبارها منطقة مرتفعة الخطورة.

    اقرأ أيضًا: إعلان إيران بإغلاق مضيق هرمز يوسع دائرة التصعيد مع واشنطن

    أعباء مالية ضخمة على السفن والناقلات

    وأوضح يوسف أن ارتفاع مخاطر الحرب دفع شركات التأمين إلى التوصية بتعليق الملاحة عبر مضيق هرمز مؤقتًا، بينما بدأت شركات تأمين أخرى مراجعة شروط التغطية التأمينية، في ظل استمرار التصعيد العسكري بين واشنطن وطهران، مشيرًا إلى أن أقساط التأمين على الشحنات البحرية داخل منطقة الخليج ارتفعت خلال الساعات الماضية إلى نحو 3% من قيمة السفينة، مقارنة بنحو 2% في بداية الأسبوع.

    وأكّد يوسف أن هذه الزيادة ليست رقمًا هامشيًا، بل تعني أعباء مالية ضخمة على السفن والناقلات، موضحًا أنه إذا كانت قيمة الناقلة تصل إلى نحو 250 مليون دولار، فإن التأمين عند مستوى 2% يعادل نحو 5 ملايين دولار لمدة أسبوع، بينما يرتفع إلى 7.5 مليون دولار عند مستوى 3%، وقد يصل إلى 12.5 مليون دولار إذا ارتفعت رسوم التأمين إلى 5%، وهي أرقام كفيلة بإعادة تسعير الرحلات البحرية بالكامل.

    وفي السياق ذاته، قال الدكتور عمرو يوسف إن تأمين مخاطر الحرب يتم عادة على أساس أسبوعي، وتتم مراجعته كل يوم أو يومين وفقًا لتطورات المخاطر، وهو ما يجعل شركات الشحن في حالة ترقب دائم، لأن أي ضربة جديدة أو حادث بحري قد يؤدي إلى رفع فوري في تكلفة التأمين، وبالتالي في تكلفة نقل النفط والبضائع.

    وأضاف أن تعرض ثلاث ناقلات نفط لهجمات في مضيق هرمز خلال أسبوع واحد زاد من حالة القلق في الأسواق، ودفع واشنطن إلى اتخاذ إجراءات أكثر تشددًا، من بينها إلغاء إعفاءات مؤقتة كانت ممنوحة لطهران لبيع النفط لمدة 60 يومًا، بما يزيد تعقيد المشهد النفطي والتجاري في المنطقة.

    خطط الطوارئ لشركات الشحن

    وأشار يوسف إلى أن شركات الملاحة لا تخاطر عادة بمرور سفنها في منطقة غير آمنة، خاصة عندما تكون قيمة السفينة ومحتوياتها بمئات الملايين من الدولارات، فالسفينة التي تبلغ قيمتها 250 مليون دولار قد تحمل شحنات نفط تتراوح بين نصف مليون ومليوني برميل، بما يرفع قيمة البضاعة المنقولة إلى نحو 150 مليون دولار أو أكثر، وهو ما يجعل قرار العبور مرهونًا بحسابات دقيقة للمخاطر.

    ولفت يوسف إلى أن كثيرًا من السفن فضلت التوقف خارج الخليج انتظارًا لتعليمات جديدة من الشركات المالكة أو شركات التأمين، بينما لجأت بعض السفن إلى إطفاء أجهزة التتبع الآلي AIS التي تحدد موقع وجنسية السفينة، وهو مؤشر واضح على ارتفاع مستوى الخوف من الاستهداف أو الاحتجاز أو التعرض لأي تهديد ملاحي داخل الخليج.

    وتابع أن السيناريو الأسوأ بالنسبة لأسواق التأمين البحرية العالمية يتمثل في استمرار التصعيد العسكري وارتفاع أقساط التأمين إلى مستويات أعلى، بما قد يدفع أسعار النفط إلى الارتفاع مجددًا، خاصة أن الأسواق سبق أن شهدت قفزات في الأسعار مع أي توتر حاد في المضيق، وقد تصل الأسعار في سيناريوهات التصعيد إلى مستويات مرتفعة إذا تعطلت الإمدادات أو تقلصت حركة الناقلات.

    اقرأ أيضًا: حرب إيران ترفع كلفة المعيشة على الأسر الأمريكية

    إعادة تقييم المسارات البديلة

    وفقًا ليوسف، تمتلك بعض دول الخليج بدائل جزئية لتصدير النفط بعيدًا عن مضيق هرمز، مثل خطوط السعودية التي تصل إلى البحر الأحمر وتتيح تصدير نحو 7 ملايين برميل يوميًا، إلى جانب قدرة أبوظبي على التصدير عبر الفجيرة خارج الخليج، إلا أن هذه البدائل لا تكفي لتغطية حجم الإمدادات التي تمر عادة عبر الخليج.

    وأوضح يوسف أن حجم النفط الذي يمر عبر منطقة الخليج ومضيق هرمز يقدر بنحو 22 مليون برميل يوميًا، في حين لا تتجاوز القدرة التقريبية للطرق البديلة نحو 8 ملايين برميل يوميًا، وهو فارق كبير يجعل المضيق غير قابل للاستبدال الكامل في المدى القصير، ويجعل أي اضطراب فيه مصدر قلق مباشر للأسواق العالمية.

    وقال أستاذ التشريعات الاقتصادية إن تراجع عدد السفن العابرة يعكس حجم التحول في المشهد، فبعد توقيع مذكرة التفاهم كانت حركة المرور قد تحسنت نسبيًا ووصلت إلى نحو 40 أو 45 سفينة، مقارنة بما كان يتراوح بين 120 و130 سفينة في الظروف الطبيعية، أما تراجع الحركة إلى نحو 6 أو 7 سفن فقط في يوم واحد فيعني أن الأسواق أمام وضع استثنائي يضغط على الشحن والتأمين والطاقة في آن واحد.

    وأكد يوسف أن استمرار الأزمة سيجبر دول الخليج وشركات الطاقة والشحن على إعادة تقييم المسارات البديلة، وتعزيز قدرات التخزين والنقل والتأمين، لكن أي حلول بديلة ستظل محدودة طالما أن مضيق هرمز يمثل الممر الرئيس لعبور جانب كبير من إمدادات النفط العالمية.

    واختتم الدكتور عمرو يوسف تصريحاته بالتأكيد على أن كلفة التصعيد في هرمز لن تبقى محصورة في شركات الشحن أو التأمين، بل ستمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله، لأن ارتفاع رسوم التأمين ونوالين الشحن وأسعار الطاقة ينتقل في النهاية إلى تكلفة الإنتاج والنقل والاستهلاك، بما يجعل المستهلك هو الطرف الأكثر تأثرًا بأي موجة تصعيد جديدة في الخليج.

    اقرأ أيضًا: هل تنخفض أسعار النفط إلى 60 دولاراً قبل نهاية 2026؟