تقارير الطاقة

    مضيق هرمز يشتعل.. النفط يقفز 10% ومخاوف من شلل الملاحة

    بقلم Onboarding Account••آخر تحديث •6 دقائق
    ناقلة نفط مشتعلة في خليج عمان، إثر هجوم تعرضت في 13 يونيو/حزيران 2019، وسط تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.
    ناقلة نفط مشتعلة في خليج عمان، إثر هجوم تعرضت في 13 يونيو/حزيران 2019، وسط تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

    عاد مضيق هرمز إلى مركز العاصفة الجيوسياسية العالمية، بعدما اشتعل التوتر من جديد بين الولايات المتحدة وإيران، وسط تصعيد عسكري وتهديدات متبادلة.

     وبينما تتبادل واشنطن وطهران الاتهامات بشأن استهداف السفن وتهديد حرية الملاحة، بدأت الأسواق العالمية تسعر مخاطر عودة المواجهة إلى مسار أكثر خطورة، خصوصاً مع تحذيرات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من توجيه ضربات واسعة ضد إيران في حال استمرت باستهداف السفن العابرة في مضيق هرمز.

     وتأتي هذه التطورات بعد تصاعد المخاوف من تأثير الصراع على حركة التجارة العالمية، إذ يمثل المضيق شرياناً رئيساً لنقل الطاقة والسلع، وأي اضطراب فيه لا ينعكس فقط على أسعار النفط، بل يمتد إلى التضخم، وسلاسل الإمداد، وتكاليف الإنتاج حول العالم.

     مضيق هرمز يشعل أسعار النفط

    وارتفعت أسعار النفط بنحو 10% خلال تعاملات اليوم، مع عودة خام برنت إلى مستويات تقارب 83 دولاراً للبرميل، بعدما رفع المستثمرون تقديرات المخاطر المرتبطة باحتمال تعطل جزء من إمدادات الطاقة القادمة من دول الخليج.

    وبحسب تقرير نشرته بلومبرغ، أعلنت الولايات المتحدة عن استئناف إجراءات بحرية تستهدف حركة السفن الإيرانية المتجهة من وإلى الموانئ الإيرانية عبر مضيق هرمز، في خطوة أعادت التوتر بين واشنطن وطهران إلى الواجهة بعد فترة من التهدئة.

     كما طرح ترامب مقترحاً يقضي بحصول الولايات المتحدة على 20% من قيمة الشحنات المنقولة عبر مضيق هرمز، باعتبارها تعويضاً عن تكلفة حماية الملاحة في هذا الممر الحيوي. ولا تزال آلية تطبيق هذه الرسوم غير واضحة، وسط تساؤلات من شركات الشحن حول كيفية احتسابها والجهات التي ستتحمل تكلفتها.

     ويثير هذا المقترح قلقاً واسعاً في قطاع النقل البحري، إذ إن أي رسوم إضافية على حركة الشحن قد ترفع تكلفة نقل النفط والسلع، ما يضيف ضغوطاً جديدة على الاقتصاد العالمي.

     وفي المقابل، ترى طهران أن أي محاولة لتقييد حركة السفن الإيرانية أو فرض ترتيبات جديدة على المضيق تمثل تهديداً لمصالحها، بينما تؤكد واشنطن أن هدفها حماية حرية الملاحة ومنع استخدام الممر البحري كورقة ضغط سياسية.

    اقرأ أيضًا: إعلان إيران بإغلاق مضيق هرمز يوسع دائرة التصعيد مع واشنطن

     مضيق هرمز شريان الطاقة العالمي

     لا تكمن خطورة مضيق هرمز في مساحته الجغرافية، بل في دوره الاقتصادي العالمي؛ فهذا الممر البحري الضيق يعد أحد أهم طرق التجارة في العالم، ويمثل نقطة عبور رئيسة للطاقة القادمة من منطقة الخليج إلى الأسواق الدولية.

     ويمر عبر المضيق نحو 20 مليون برميل من النفط يومياً، إضافة إلى قرابة 20% من إمدادات الغاز العالمية، وما يقارب 30% من إمدادات الأسمدة العالمية، ما يجعله عنصراً أساسياً في استقرار أسواق الطاقة والغذاء.

     وتعتمد دول الخليج بشكل كبير على هذا المسار لتصدير إنتاجها من النفط والغاز إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية، فيما تعتمد الاقتصادات المستوردة للطاقة على استمرار تدفق هذه الإمدادات بأسعار مستقرة.

     ولهذا السبب، فإن مجرد ارتفاع احتمالات تعطيل حركة الملاحة يكفي لدفع أسعار النفط إلى الصعود، حتى قبل حدوث أي توقف فعلي للصادرات؛ فالأسواق لا تنتظر وقوع الأزمة بالكامل، بل تتحرك استباقياً عبر ما يعرف بـ"علاوة المخاطر الجيوسياسية"، وهي الزيادة التي يضيفها المستثمرون إلى أسعار الطاقة تحسباً لاحتمالات نقص الإمدادات أو ارتفاع تكاليف النقل.

    أسعار الوقود معروضة في محطة وقود تابعة لشركة إيسو (صورة: وكالة الأنباء البريطانية).

     ولا تقتصر أهمية المضيق على النفط فقط، إذ تمر عبره كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال، خصوصاً من قطر، أحد أكبر مصدري الغاز المسال عالمياً، كما يمثل ممراً مهماً للمواد المرتبطة بالصناعة والزراعة.

     ويأتي قطاع الأسمدة ضمن أكثر القطاعات حساسية تجاه أي اضطراب في المنطقة، إذ إن تعطّل الإمدادات أو ارتفاع تكاليف النقل قد يرفع أسعار المدخلات الزراعية، وهو ما ينعكس لاحقاً على أسعار الغذاء عالمياً.

     وفي حال تطور الأزمة إلى مواجهة طويلة، فإن التداعيات قد تتجاوز أسواق الطاقة لتصل إلى النمو الاقتصادي العالمي، خصوصاً أن ارتفاع أسعار النفط عادة ما يؤدي إلى زيادة تكاليف الإنتاج والنقل، ويضغط على القوة الشرائية للمستهلكين.

    اقرأ أيضًا: هل يواجه العالم خامس أزمة غذائية كبرى؟

     فاتورة اقتصادية ضخمة

     مع استمرار التصعيد بين واشنطن وطهران، يبرز سؤال رئيس: من يدفع ثمن هذه المواجهة؟ الجدير بالذكر أنّ الخسائر لا تقتصر على الدول المنخرطة مباشرة في الصراع، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله، من خلال ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب التجارة وتراجع الثقة في الأسواق.

     وتشير تقديرات معهد الاقتصاد والسلام إلى أن الاقتصاد العالمي قد يواجه خسائر تصل إلى 2.2 تريليون دولار هذا العام في حال انهيار التهدئة والعودة إلى حرب شاملة، نتيجة التأثيرات المتوقعة على التجارة والطاقة والاستثمار.

     أما إيران، فتواجه تكلفة اقتصادية كبيرة نتيجة استمرار الضغوط العسكرية والبحرية. وتشير التقديرات إلى أن الحرب التي استمرت أربعين يوماً كبدت الاقتصاد الإيراني خسائر تقدر بنحو 300 مليار دولار، إضافة إلى خسائر يومية تصل إلى نحو 500 مليون دولار بسبب الحصار البحري المفروض عليها.

    وتأتي الإيرادات النفطية في مقدمة هذه الضغوط المباشرة؛ إذ يُتوقع أن تتجاوز خسائر إيران اليومية حاجز 200 مليون دولار جراء فقدان مبيعاتها النفطية، وذلك في حال تعطل الصادرات أو فرض قيود مشددة على حركة ناقلات السفن في الممرات الحيوية.

     ولا تقتصر التداعيات على إيران، فالولايات المتحدة أيضاً تتحمل تكلفة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة نتيجة التصعيد. وتشير تقديرات إلى أن الخسائر الأمريكية قد تتجاوز 150 مليار دولار، بما يعادل متوسط خسارة تقارب 1100 دولار لكل أسرة أمريكية خلال العام.

     كما تشمل هذه التكاليف نحو 40 مليار دولار من النفقات المرتبطة بالعمليات العسكرية المباشرة، إضافة إلى تأثيرات غير مباشرة على الأسواق وسلاسل الإمداد وأسعار الطاقة.

     لكن العبء الأكبر قد يقع على الاقتصاد العالمي، خصوصاً إذا أدى استمرار الأزمة إلى تعطيل تدفقات النفط والغاز والأسمدة عبر مضيق هرمز، فكل يوم تتأخر فيه حركة السفن أو ترتفع فيه المخاطر الأمنية يعني زيادة في تكلفة التجارة، وضغطاً على الشركات، وتهديداً لملايين الوظائف المرتبطة بالنقل والطاقة والصناعة والزراعة.

     العالم يترقب نهياة أزمة مضيق هرمز

     رغم ارتفاع أسعار النفط وتزايد المخاوف، فإن مسار الأزمة سيعتمد على قدرة الولايات المتحدة وإيران على منع انزلاق المواجهة إلى حرب مفتوحة، فالسيناريو الأخطر بالنسبة للأسواق يتمثل في حدوث إغلاق فعلي أو طويل الأمد لمضيق هرمز، لأن ذلك قد يسبب صدمة كبيرة في أسواق الطاقة، ويؤدي إلى ارتفاع أكبر في أسعار النفط والغاز.

    أما استمرار التوتر دون تعطيل واسع للملاحة، فقد يبقي الأسعار مرتفعة لفترة مؤقتة، قبل أن تعود الأسواق إلى التركيز على عوامل العرض والطلب والإنتاج العالمي.

     لكن حتى في هذا السيناريو، ستظل تكلفة المخاطر مرتفعة بالنسبة لشركات الشحن والطاقة، إذ إن مجرد وجود تهديدات أمنية كافية لرفع تكاليف التأمين والنقل وإعادة تشكيل قرارات الشركات.

     كما أن أي فرض رسوم جديدة على الشحنات العابرة للمضيق، مثل الرسوم المقترحة بنسبة 20% من قيمة الشحنات المنقولة، قد يضيف طبقة جديدة من التكاليف على التجارة العالمية، وهو ما قد ينعكس في النهاية على أسعار السلع التي يدفعها المستهلكون.

     ولعلّ أزمة مضيق هرمز تؤكد أن أمن الطاقة العالمي لا يعتمد فقط على حجم الإنتاج، بل على استقرار طرق النقل التي تربط المنتجين بالمستهلكين، فهذا الممر البحري، الذي لا يتجاوز عرضه 33 كيلومتر، يحمل أهمية اقتصادية تفوق حجمه الجغرافي بكثير، وأي اضطراب فيه يمكن أن يتحول خلال أيام إلى أزمة عالمية تؤثر في أسعار الوقود والغذاء والنمو الاقتصادي.

     ومع ارتفاع النفط بنسبة 10% وعودة خام برنت إلى مستويات 83 دولاراً للبرميل، أرسلت الأسواق رسالة واضحة مفادها أن مضيق هرمز ليس مجرد ملف جيوسياسي، بل عامل اقتصادي عالمي قادر على تغيير اتجاهات الأسواق خلال ساعات.

    اقرأ أيضًا: أزمة هرمز.. كيف دفعت الدول للبحث عن بدائل لاستيراد الوقود؟