يتعرض الجنيه المصري لضغوط كبيرة أمام الدولار واليورو، نتيجة استمرار شح السيولة من العملات الأجنبية في البلاد، وغياب الرؤية الواضحة حول مواصلة دعم صندوق النقد الدولي لمصر بعد تأجيل مراجعة البرنامج الاقتصادي للمرة الثالثة على التوالي، وهذه الظروف تعزز المخاوف من احتمال قيام مصر بتعويم جديد للعملة بهدف جذب تدفقات أجنبية أكبر.
مؤشرات سعر الصرف
أحدث البيانات المتعلقة بسعر الصرف جاءت من شهادات الإيداع الخاصة بالبنك التجاري الدولي في بورصة لندن، حيث تم تسعير العملة المصرية عند 46 جنيهاً للدولار، مقارنة بأسعار سهم البنك المتداول في البورصة المصرية حتى جلسة الخميس الماضي، 14 سبتمبر 2023.
المخاوف من أن الطلب المكبوت على الدولار لن ينحسر دون مزيد من المرونة في سعر الصرف، ودون تدفقات استثمارية إضافية، أدت إلى توقعات بإمكانية السماح بخفض رابع لقيمة الجنيه منذ مارس 2022.
وقد شهدت السوق الموازية المحلية تبايناً كبيراً في قيمة الجنيه مقارنة بالسعر الرسمي لدى البنوك، بينما تحوط تجار المشتقات المالية ضد احتمال حدوث انخفاض حاد في سعر العملة المصرية.
أما سلوك المضاربين عبر العقود الآجلة غير القابلة للتسليم، فيشير إلى توقعات لسعر الجنيه عند 32.65 جنيه للدولار خلال 3 أشهر، و41.5 جنيه للدولار خلال 12 شهراً، وفق تداولات يوم الجمعة.
العوائد السلبية وتأثيرها على الأموال الساخنة
لا يزال الاقتصاد المصري يواجه ضغوطاً تضخمية أدت إلى وصول أسعار السلع لمستويات قياسية، مما يزيد من العبء على المواطنين، وفي الوقت نفسه تفقد أدوات الدين ذات الفوائد المرتفعة جاذبيتها؛ فقد سجلت العوائد الحقيقية مستوى سالب 18%، مما أعاق عودة الأموال الساخنة إلى السوق المحلي.
وللتخفيف من ضغوط العملة، تعتزم الحكومة طرح حصص في نحو 35 شركة مملوكة للدولة وللقوات المسلحة، سواء عبر البورصة أو لمستثمرين استراتيجيين، بحلول يونيو 2024، وذلك بهدف توفير موارد إضافية لدعم الموازنة العامة، وتحسين أداء بعض الشركات المطروحة.
تقييم جديد للجنيه المصري وتوقعات السوق
وفقاً لتوقعات مؤسسة فيتش سوليوشن، قد يصل الدولار إلى 38.7 جنيه بنهاية العام، ثم يتراجع إلى 36.12 جنيه العام المقبل، كما أوضحت المؤسسة أن تحرير سعر الصرف سيكون عاملاً أساسياً لاستعادة الأموال الساخنة إلى أدوات الدين المصرية، إضافة إلى تحفيز برنامج الخصخصة الحكومية والطروحات.
وأشارت فيتش إلى أنه في حال تم خفض قيمة العملة بشكل مدروس في سبتمبر أو أكتوبر، ستزداد التدفقات الاستثمارية الوافدة، ما يعزز عمليات الخصخصة ويشجع مستثمري المحافظ الذين ابتعدوا عن الأصول المصرية منذ مارس 2022 على العودة للسوق المحلي.
كما توقعت المؤسسة أن يؤدي تخفيض سعر الصرف إلى انخفاض مخاطر السوق، ما سيمكن صندوق النقد الدولي من استئناف المراجعة الأولى لبرنامج التسهيل الائتماني الممدد البالغ 3 مليارات دولار المعلق منذ مارس 2023، وهو ما سيعزز الثقة في الاقتصاد المصري ويؤثر إيجاباً على إصدار الديون الخارجية.
نمو الناتج المحلي مقابل الانكماش الدولاري
على الرغم من الضغوط، تتوقع فيتش سوليوشن أن يسجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لمصر نمواً بنسبة 4.2% هذا العام و4.4% العام المقبل، إلا أن الناتج المحلي الإجمالي عند تقديره بالدولار سيستمر في التراجع، إذ يُقدر بنحو 300 مليار دولار هذا العام، مقارنة بـ409 مليارات دولار العام الماضي و425 مليار دولار في 2021، مما يعكس تأثير سعر الصرف على القيمة الدولارية للاقتصاد المصري.
في الختام، يمر الاقتصاد المصري بمنعطف حرج تتقاطع فيه متطلبات صندوق النقد الدولي مع تحديات التضخم الداخلي وشح العملة الصعبة، والأشهر المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان الجنيه سيستقر عند مستويات توازنية جديدة تسهم في كبح جماح السوق الموازية وإعادة الثقة للمستثمر الأجنبي.
اقرأ أيضًا: هل ينقذ تعويم الجنيه الاقتصاد المصري؟
