تقرير: باسل محمود
خلال كلمته التي ألقاها في احتفالية تخريج دفعة جديدة من أكاديمية الشرطة، كشف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عن تأثير التوترات الإقليمية على الاقتصاد المصري، خاصة فيما يتعلق بإيرادات قناة السويس، فقد قال إن دخل القناة انخفض بنسبة تتراوح بين (50-60)% خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الجاري، ما يعادل خسارة تقدر بنحو 6 مليارات دولار.
تأتي هذه الخسارة نتيجة للأحداث المتصاعدة في المنطقة، بما في ذلك الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة ولبنان، فضلًا عن الاضطرابات في الحدود الجنوبية مع السودان والغربية مع ليبيا.
وقد أضاف السيسي أن هذا التأثير الكبير على أحد أهم مصادر الدخل القومي يضع ضغطًا إضافيًا على الاقتصاد المصري في ظل التضخم العالمي وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الغذائية. لكنّه مع ذلك أكد أن مصر لديها أدوات كافية للتعامل مع هذه التحديات، مشيرًا إلى جهود الحكومة في تنويع مصادر الدخل وتطوير البنية التحتية والمشروعات القومية الكبرى.
استراتيجية مصر المتوازنة
يقول أستاذ الاقتصاد السياسي، الدكتور إسلام شاهين، إنه في ظل التحديات العالمية والإقليمية التي نواجهها اليوم، تعتمد مصر على استراتيجية متوازنة قائمة على أربع ركائز أساسية لضمان استقرارها وأمنها القومي، وهي؛ السياسة الحكيمة، القوة العسكرية، التنوع الاقتصادي، والرفاه الاجتماعي.
وقد أكد في تصريح خاص لـ”Econ-Pedia” أن هذه الركائز تشكل العمود الفقري لقدرة الدولة المصرية على الصمود في مواجهة التحولات الجيوسياسية والاقتصادية التي قد تصل إلى نشوب حرب عالمية أو إقليمية.
فضلًا عن ذلك، تتبنى مصر سياسة خارجية قائمة على التوازن وعدم التدخل إلا بما يخدم أمنها القومي، حيث يؤكد شاهين أن القيادة المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي على وعي كامل بالتغيرات الدولية، ويقول: “هذه السياسة المتوازنة القائمة على الحكمة مكنت مصر من مواجهة التحديات العالمية والإقليمية بكفاءة عالية، كما أنها تجنبت الانخراط في صراعات قد تؤثر على استقرار البلاد”.
الرفاه الاجتماعي في مصر
على المستوى الاجتماعي، أكدت مصر التزامها بتحسين مستوى حياة المواطنين، خاصة الفئات الأكثر احتياجًا. ومن جهته أشار شاهين إلى برامج مثل “تكافل وكرامة” التي تسعى لتحسين أوضاع الأسر الأكثر احتياجًا في المجتمع المصري، وأكد أن الدولة تعمل على تعزيز الوعي الثقافي لدى الشباب لمواجهة التحديات المجتمعية، مما يسهم في الحفاظ على تماسك المجتمع.
اقتصاد مصر.. تنوع واستدامة
أما على الصعيد الاقتصادي، فقد بيّن شاهين أن مصر تبنت رؤية استباقية تركز على تنويع مصادر الدخل القومي، وأوضح أن تأثر إيرادات قناة السويس بانخفاضها بنحو 60% نتيجة التغيرات العالمية لم يكن عائقًا أمام الحكومة المصرية لتعزيز الاقتصاد عبر المشروعات القومية والاستثمارات.
“هذه الاستراتيجية عززت من قدرات مصر على مواجهة التحديات الاقتصادية، خاصة من خلال توطين الصناعات وزيادة الصادرات لجذب العملات الأجنبية”.. بحسب شاهين.
كما أشار الخبير الاقتصادي، الدكتور محمد البهواشي، إلى أن مصر تمكنت من تحقيق استقرار اقتصادي واضح بفضل سياسات اقتصادية متوازنة وخطط استراتيجية بعيدة المدى. وقد أوضح في تصريحات خاصة لـ”Econ-Pedia” إن هذه السياسات انعكست بشكل ملموس على تحسن المؤشرات الاقتصادية الكلية؛ مثل انخفاض معدلات البطالة، واستقرار سعر الصرف، وزيادة حجم الاستثمارات.
اقرأ أيضًا: هل ينقذ مؤتمر الاستثمار المصري الأوروبي الاقتصاد المصري؟
الثورة الإصلاحية أساس النمو الاقتصادي
قال البهواشي إنّ “التحسن الاقتصادي الذي تشهده مصر اليوم هو نتيجة مباشرة للثورة الإصلاحية التي أطلقتها الحكومة منذ سنوات”، ثُم أضاف: “تضمنت هذه الإصلاحات تطوير البنية التحتية والهيكل الاقتصادي، مما ساعد البلاد على الصمود في وجه الأزمات العالمية والحفاظ على استقرارها”.
الاستدامة الاقتصادية.. التحول إلى الاقتصاد الأخضر
أكد البهواشي أن الحكومة المصرية تولي أهمية كبيرة لمفهوم الاستدامة الاقتصادية، فهي تعمل على الاستثمار في مجالات الطاقة المتجددة مثل الهيدروجين الأخضر، وفي سياق ذلك قال: “هذه الاستثمارات تعزز من مكانة مصر كوجهة جاذبة للاستثمارات الدولية وتفتح آفاقًا جديدة للنمو المستدام”.
سياسات للتعامل مع التضخم
رغم النجاحات الاقتصادية التي حققتها مصر فإنّها ما تزال عرضة للعديد من التحديات، ولعلّ أبرزها التضخم الذي يؤثر على القوة الشرائية للمواطنين، إلا أنّ الحكومة، حسب ما أفاد البهواشي، تعمل على تبني سياسات اقتصادية تهدف إلى تقليل تأثير التضخم والحفاظ على مكتسبات الاقتصاد المصري.
الاستثمارات الأجنبية.. مفتاح النمو المستدام
من أهم العوامل التي ساهمت في تعزيز الاستقرار الاقتصادي في مصر تحرير سعر الصرف الذي جذب العديد من الاستثمارات الأجنبية إلى البلاد، وقد أشار البهواشي إلى مشاريع ضخمة مثل مشروع رأس الحكمة، واستثمارات الدولة في مجال الطاقة المتجددة التي ستُنعش الاقتصاد المصري في المستقبل القريب.
انخفاض البطالة وزيادة الاحتياطي النقدي
في سياق مشابه، أكد البهواشي أن الحكومة المصرية نجحت في تقليل معدلات البطالة إلى 7.3% بعد أن كانت 13.7% في عام 2013، كما زاد الاحتياطي النقدي لأكثر من 45 مليار دولار، مما يعكس نجاح الحكومة في إدارة الموارد المالية بكفاءة عالية.
تعزيز الإنتاج المحلي
“أحد الأهداف الاستراتيجية التي تعمل عليها الحكومة هو تعزيز الاعتماد على المكون المحلي في الإنتاج، وهذا التوجه يسهم في توطين الصناعات والتكنولوجيا، مما يمهد الطريق أمام مصر لتحقيق نمو اقتصادي مستدام”.. بحسب البهواشي.
اقرأ أيضا: لماذا وقعت مصر اتفاقية حماية الاستثمارات السعودية؟
القوة العسكرية.. ضمان الاستقرار والأمن
شدّد أستاذ الاقتصاد السياسي، الدكتور إسلام شاهين، على أن القوة العسكرية المصرية تعتبر أحد أهم دعائم الاستقرار في البلاد، وبحسب قوله: “الجيش المصري، المصنف من بين أقوى جيوش العالم، يلعب دورًا حاسمًا في حماية الأمن القومي”. كما أنّه أكد أن مصر تسعى لتطوير قدراتها الدفاعية من خلال تصنيع 90% من احتياجاتها العسكرية محليًا.
تعتمد مصر اليوم على مزيج من السياسات الاقتصادية المتوازنة والإصلاحات الاستباقية والاستثمارات الكبيرة، التي تمكنها من الحفاظ على استقرارها الاقتصادي والاجتماعي في ظل التحديات العالمية.
