تقرير: باسل محمود
في تحول استراتيجي، شارك الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في قمة مجموعة بريكس التي عُقدت في قازان الروسية، ليؤكد بذلك انخراط مصر في أطر التعاون الدولي الجديدة، ويُمهّد لحقبة جديدة من العلاقات الاقتصادية والسياسية؛ إذ لم تكُن الزيارة مشاركة عادية، فقد مثّلت أول مشاركة لمصر كعضو كامل في التجمع الذي يضم كبرى الاقتصادات الناشئة.
عضوية مصر تنطوي على تحولات كبرى
مع بداية 2024، أصبحت مصر عضوًا رسميًا في بريكس التي تضم كلًا من البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا، وتُعد من القوى الاقتصادية الناشئة، فهي تُمثل 40% من سكان العالم وتمتلك حصة ضخمة من الاقتصاد العالمي.
ويأتي انضمام مصر لهذا التجمع في سياق تحولاتها الاقتصادية الأخيرة وسعيها لتعزيز علاقاتها مع القوى الكبرى في العالم؛ حيث أبدى الرئيس المصري اهتمامًا كبيرًا بتعزيز دور بلاده في التجمع، خاصة في المجالات الاقتصادية والتجارية، مع التركيز على المشاريع الكبرى التي تسهم في تحقيق التنمية المستدامة في مصر ودول بريكس على حد سواء.
وتعد قمة قازان التي عقدت مؤخرًا فرصة للسيسي يُمكنه من خلالها تعزيز هذا التعاون والتفاعل مع القادة الأساسيين للتجمع.
اقرأ أيضًا: منها 3 دول عربية.. بريكس تضم 6 دول جديدة لعضويتها
لقاء السيسي وبوتين: شراكة متجددة
على هامش القمة، التقى الرئيس المصري مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في جلسة موسعة ناقشت العديد من الملفات، فقد شهدت العلاقة المصرية – الروسية تطورًا ملحوظًا منذ توقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة في 2018.
ويعتبر مشروع إنشاء محطة الضبعة النووية في مصر أحد أبرز أوجه التعاون بين البلدين، كما أن مشروع المنطقة الصناعية الروسية في قناة السويس يُعد خطوة أخرى لتعزيز التعاون الصناعي والتجاري.
في هذا اللقاء، ناقش الرئيسان القضايا الإقليمية والدولية، وعلى رأسها ضرورة خفض التصعيد في منطقة الشرق الأوسط، وذلك في ظل ما تحمله الصراعات من تداعيات خطيرة على الإقليم، وقد اتفق الطرفان على أهمية التوصل لوقف إطلاق النار في غزة ولبنان، مع دعم الجهود الدولية لتخفيف التوترات.
القضايا الإقليمية والدولية: محور المباحثات
في كلمته أمام بريكس، شدد الرئيس المصري على أهمية تعزيز النظام الدولي متعدد الأطراف لضمان استقرار الدول النامية، وتحدث عن الأزمات والصراعات الإقليمية والدولية التي تزداد حدة، مشيرًا إلى أن مصر ترى أن الحلول الدبلوماسية والتسويات السياسية هي السبيل الأمثل لحل الأزمات.
علاوة على ذلك، أكد السيسي أن الفجوة التنموية بين الدول النامية والمتقدمة تتسع بشكل مقلق، داعيًا إلى تطوير آليات تمويل مبتكرة مثل “مبادلة الديون من أجل المناخ” لتخفيف العبء على الدول النامية.
وفيما يتعلق بالأزمة الأوكرانية، كرر السيسي موقف القاهرة الثابت في الدعوة للحلول الدبلوماسية التي تحافظ على الاستقرار والسلم. أما بخصوص الحرب الإسرائيلية في لبنان وغزة، فقد أبدى استعداده للعب دور فاعل في دفع مسار التهدئة على الجبهتين، ودعا المجتمع الدولي إلى ضرورة احترام سيادة الدول وحقوق الشعوب.
اقرأ أيضا: البرازيل تدعم عملة تجارية لدول بريكس
فرص واعدة لدولة مصر في بريكس
بالنظر إلى الجانب الاقتصادي، تُعد عضوية مصر في مجموعة بريكس فرصة كبيرة لفتح أبواب جديدة للاستثمار والتعاون الاقتصادي، وفي هذا الشأن تعتزم مصر استغلال الفرصة لتعزيز علاقاتها مع الدول الأعضاء، خاصةً في مجالات الطاقة والبنية التحتية، حيث تتمتع الدول الأعضاء في بريكس بقدرات كبيرة في هذه المجالات.
على سبيل المثال، مصر والصين تمتلكان شراكة استراتيجية شاملة شهدت تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الماضية، وخلال لقاء السيسي بالرئيس الصيني شي جين بينغ على هامش القمة تمّ استعراض الخطوات المستقبلية لتعميق التعاون بين البلدين، خاصة في مجال البنية التحتية والتكنولوجيا، كما تطرقا إلى مشروع القطار الكهربائي السريع في مصر، والذي يُعد جزءًا من التعاون بين القاهرة وبكين.
في السياق ذاته، فإن دور “بنك التنمية الجديد” التابع لـ “بريكس” يُعد محوريًا في تمويل المشاريع الكبرى في مصر، مثل مشاريع النقل والطاقة النظيفة، في الوقت الذي تسعى فيه القاهرة لتوسيع نطاق استثماراتها في قطاعات حيوية، مثل الزراعة والتكنولوجيا والطاقة الجديدة والمتجددة، وهي مجالات تحظى بأولوية خاصة لدى دول بريكس.
تحالف سيدات الأعمال: آفاق جديدة للتعاون
على صعيد آخر، تلعب مصر دورًا بارزًا في تعزيز تمثيل المرأة في الاقتصاد من خلال المشاركة في “تحالف سيدات الأعمال” التابع لـ “بريكس”، وقد أكّد الرئيس المصري دعمه لهذا التحالف خلال كلمته التي ألقاها في القمة، مشيرًا إلى أن تمكين المرأة جزء لا يتجزأ من خطط التنمية الاقتصادية في مصر.
مشروعات مستقبلية بين مصر ودول بريكس
القاهرة تسعى للاستفادة من القدرات التي تتمتع بها بريكس، والتي تشمل التعاون في مشروعات البنية التحتية والطاقة المتجددة. على سبيل المثال، سيُمثل التعاون المصري – الهندي في مجالات التكنولوجيا والطاقة الشمسية نموذجًا يحتذى به في السنوات المقبلة.
فضلًا عن ذلك، تعمل مصر وروسيا على تعزيز شراكتهما في قطاع الصناعات الثقيلة، خاصة في مجالات التصنيع والنقل، كما تأمل مصر أن يكون التعاون في مجال تسوية المدفوعات بالعملات المحلية بين دول بريكس إحدى الأدوات التي ستساعد في تحسين التجارة البينية، وخفض تكاليف الاستيراد والتصدير، لأنّ ذلك من شأنه أن يعزز قدراتها التنافسية على المستوى الدولي.
قمة بريكس: منصة لرفع صوت الدول النامية
مشاركة الرئيس المصري في قمة بريكس لم تكن مجرد حضور بروتوكولي، بل كانت فرصة لتقديم صوت قوي للدول النامية التي تسعى لتحقيق التنمية في ظل التحديات العالمية المتزايدة.
السيسي أكد خلال مشاركته أن القاهرة مستعدة للعب دور فعال في تحقيق التوازن في النظام الدولي، والمساهمة في دفع عجلة التنمية من خلال المشاركة في مبادرات مثل “مبادلة الديون من أجل المناخ” وتطوير نظم التمويل المستدام.
وختامًا، يمكن القول إن مشاركة مصر في قمة بريكس تعدّ خطوة استراتيجية حاسمة نحو تعزيز دورها كلاعب إقليمي ودولي، فمن خلال تعزيز التعاون الاقتصادي والسياسي مع القوى الكبرى، تفتح مصر أمامها فرصًا واعدة للنمو والتقدم في مجالات عديدة، بدءًا من الطاقة والبنية التحتية وحتى التكنولوجيا والتصنيع.
