في غضون أسبوعين فقط، نجح الاقتصاد المصري في عبور واحدة من أعقد أزماته النقدية، متحولاً من حالة الشح الحاد في السيولة الدولارية إلى مرحلة التدفقات الكبرى، ويأتي هذا التحول الدراماتيكي كاستجابة لسلسلة من الصدمات الخارجية، بدأت بتداعيات الحرب الأوكرانية التي استنزفت الاحتياطيات، وتفاقمت مع الاضطرابات الجيوسياسية في غزة، مما وضع صانع القرار أمام حتمية المواجهة الشاملة.
“رأس الحكمة”.. المحرك الأول لقطار الإصلاح
مثّل اتفاق الشراكة التاريخي مع الجانب الإماراتي لتطوير مشروع “رأس الحكمة” -باستثمارات بلغت 35 مليار دولار- نقطة الارتكاز التي منح البنك المركزي المصري “غطاءً نقدياً” كافياً للمضي قدماً في قرار تحرير سعر الصرف. هذه الخطوة لم تكن مجرد استجابة لمطالب صندوق النقد الدولي والمستثمرين لتوحيد سوق العملة، بل كانت “ضربة قاصمة” للمضاربات التي أنهكت الجنيه لسنوات.
وفي هذا السياق، جاءت تصريحات رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، لتؤكد عزم الدولة على إنهاء عصر “الأسواق الموازية”؛ إذ وجه الأجهزة التنفيذية والمنياوية بالضرب بيد من حديد على شبكات السوق السوداء التي سيطرت طويلاً على تحويلات المصريين بالخارج، سعياً لاستعادة التوازن المفقود وضمان تدفق العملة عبر القنوات الرسمية.
اقرأ أيضًا: بعد تحرير سعر الصرف في مصر.. قطاعات مستفيدة وأخرى متضررة
تحالف المؤسسات الدولية
مع طي صفحة “تعدد الأسعار”، انفتحت شهية المؤسسات الدولية لدعم المسار المصري؛ حيث مهدت القرارات الأخيرة الطريق للوصول إلى حزم تمويلية ضخمة:
- صندوق النقد والتمويل المناخي: اتفاقات بقيمة تصل إلى 9.2 مليار دولار.
- البنك الدولي والاتحاد الأوروبي: تمويلات إضافية مرصودة بنحو 12 مليار دولار.
- الشراكة الاستراتيجية الأوروبية: استثمارات طموحة بقيمة 72 مليار دولار، تتركز في قطاعات المستقبل مثل الهيدروجين الأخضر، والطاقة النظيفة، وصناعة السيارات.
استعادة الثقة وبرنامج “الطروحات”
تجاوزت المكاسب مجرد التدفقات النقدية إلى استعادة “الثقة الائتمانية”؛ وهو ما يمهد لخفض تكلفة الاقتراض السيادي التي تحملتها الخزانة العامة طويلاً.
وبالتوازي مع ذلك، تعتزم الحكومة إحياء برنامج الطروحات الحكومية بوتيرة أسرع، عبر طرح حصص في شركات مملوكة للدولة سواء عبر البورصة المصرية أو من خلال صفقات مباشرة لمستثمرين استراتيجيين، بهدف تعزيز مشاركة القطاع الخاص وتقليص فجوة التمويل بشكل مستدام.
اقرأ أيضًا: لماذا رفعت الحكومة المصرية أسعار الوقود؟
