أعلنت الحكومة المصرية استئناف ضخ الغاز الطبيعي لمصانع الأسمدة المصرية بنسبة 100%، بعد فترة من التخفيضات القسرية التي فرضتها اضطرابات إقليمية وتراجع إنتاج الغاز المحلي، وتأتي هذه العودة بعد الانتهاء من تشغيل سفينتي تغويز جديدتين بميناء السخنة، ما أتاح كميات إضافية من الغاز الطبيعي المسال، ساهمت في استعادة التوازن بين الاستهلاك المحلي والإنتاج.
من جانبها تقول هبة الحسيني، الخبيرة الاقتصادية، إن هذا الإعلان يمثل نقطة تحوّل مهمة في مسار تعامل الدولة مع ملف الطاقة، لا سيما أن صناعة الأسمدة من أكثر الصناعات اعتمادًا على الغاز الطبيعي، ليس فقط كمصدر للطاقة، وإنما أيضًا كمادة خام رئيسية تدخل في عمليات الإنتاج، وفي ظل ازدياد الطلب الزراعي، خاصة مع دخول الموسم الصيفي، فإن استقرار الإمدادات الغازية يُعد ضرورة حتمية لتأمين سلاسل التوريد المحلية والدولية.
وأضافت الخبيرة: “قد سبقت هذه الخطوة شهور من الضغط المتواصل على شبكة الطاقة، حيث بدأت الأزمة منتصف مايو الماضي عندما اضطرت الحكومة إلى تقليص الإمدادات المخصصة لمصانع الأسمدة بنسبة بلغت 50%”، لافتة إلى أن هذا القرار جاء على خلفية التصعيد العسكري بين إيران وإسرائيل، ما تسبب في توقف مؤقت لصادرات الغاز الإسرائيلي إلى مصر عبر خط أنابيب شرق المتوسط وخط الغاز العربي، الأمر الذي ترك أثرًا بالغًا على مستويات العرض في السوق المحلي.
تشغيل سفينتي تغويز بميناء السخنة لدعم الإمدادات المحلية
أكَّدت الحسيني أنه رغم ما حققته مصر من نجاح سابق في وقف استيراد الغاز المسال عام 2018، مدفوعة بالاكتشافات البحرية الكبرى وعلى رأسها حقل “ظهر”، فإن التراجع النسبي في الإنتاج المحلي خلال النصف الأول من عام 2025 أجبر الحكومة على إعادة فتح باب الاستيراد، لتفادي أي اضطرابات أعمق في البنية الصناعية والطاقة الكهربائية.
وأوضحت الحسيني، أن تشغيل وحدات التغويز الجديدة لم يكن تحركًا طارئًا فقط، بل يُمثل محورًا ضمن خطة أشمل لتعزيز مرونة منظومة الطاقة المصرية، فالدولة باتت تدرك أن الاعتماد على مصدر واحد أو مسار وحيد للاستيراد لا يتماشى مع واقع جيوسياسي متقلب، وأن تأمين الأمن الطاقي أصبح مرادفًا لأمن الاقتصاد والاستقرار الصناعي والاجتماعي في آنٍ واحد.
عودة استيراد الغاز المسال بعد تراجع الإنتاج المحلي
تعتبر مصانع الأسمدة الأكثر تضررًا من التراجع في الإمدادات، فقد شهدت الأسابيع الماضية انخفاضًا في الإنتاج المحلي، وارتفاعًا في أسعار الأسمدة، الأمر الذي حمل المزارعين أعباء مالية إضافية وانعكس على كلفة الإنتاج الزراعي.
ووفقاً للخبيرة، يأتي استئناف الضخ الكامل بمثابة إنقاذ للقطاع في الوقت المناسب، إذ سيمكن المصانع من استعادة قدرتها التشغيلية، والوفاء بعقود التوريد، سواء المخصصة للاستهلاك المحلي أو للتصدير، لا سيما أن مصر تعد من كبار موردي الأسمدة النيتروجينية في إفريقيا والشرق الأوسط.
استئناف تدفقات الغاز الطبيعي من إسرائيل إلى مصر
بالتوازي مع التحركات الداخلية، تم استئناف تدفقات الغاز الطبيعي من إسرائيل إلى مصر، بعد توقف دام أسبوعين نتيجة المواجهات العسكرية، ووفقًا لوزارة البترول، فقد عادت الإمدادات إلى مستوياتها الطبيعية، بمتوسط مليار قدم مكعب يوميًا، بعد أن كانت قد تراجعت إلى نحو 260 مليون قدم مكعب. وتشكل هذه الكميات جزءًا مهمًا من استراتيجية مصر في استيراد الغاز بغرض إعادة التسييل والتصدير، بموجب مذكرة التفاهم الموقعة في يونيو 2022 بين مصر وإسرائيل والاتحاد الأوروبي.
ويعتمد تدفق الغاز الإسرائيلي على خطين رئيسيين: الأول يمر عبر البحر المتوسط من عسقلان إلى العريش، والثاني يمتد عبر الأردن ضمن شبكة الغاز العربي، وقد كشفت تقارير إسرائيلية أن توقف الإنتاج في حقل “ليفياثان” وحده كلّف الشركات المشغلة نحو 12 مليون دولار، وهو ما دفع شركات مثل “شيفرون”، و”نيو ميد”، و”راشيو إنرجيز” لدراسة طلبات تعويض من الحكومة الإسرائيلية.
قد يهمّك أيضًا: ماذا يعني تخصيص أرض البحر الأحمر لخفض الدين العام في مصر؟
عودة ضخ الغاز لمصانع الأسمدة يعزز استقرار الاقتصاد المصري
صرّح الخبير الاقتصادي ياسين أحمد بأن عودة الضخ بكامل الطاقة التشغيلية لمصانع الأسمدة المصرية تمثل نقطة تحوّل في إدارة الدولة لأزمة الغاز الأخيرة، مشيرًا إلى أن انتظام الإمدادات لا يسهم فقط في خفض تكاليف الإنتاج، بل في تثبيت أسعار الأسمدة محليًا، وتخفيف الضغط على القطاع الزراعي، وتعزيز قدرة المصانع على استعادة عقود التصدير.
وأضاف أحمد أن مثل هذه الإجراءات تمنح الثقة للأسواق الدولية في قدرة الدولة المصرية على إدارة ملف الطاقة بفعالية، وتعزز من جاذبية السوق المحلي للاستثمارات الصناعية، خاصة في القطاعات التي تعتمد على الطاقة بصورة كثيفة، كما لفت إلى أن استقرار إمدادات الغاز سيعيد التوازن للميزان التجاري لقطاع الكيماويات والأسمدة، الذي يعد من أهم مصادر العملة الصعبة لمصر.
وتتزامن هذه الجهود مع رؤية مصر 2030 التي تضع ملف الطاقة في قلب استراتيجيات التنمية المستدامة، حيث تعمل الدولة على التحول من مجرد دولة مستهلكة إلى مركز إقليمي للطاقة عبر شبكات ربط مع دول الجوار، ومشروعات خطوط غاز جديدة، واستثمارات في الطاقات المتجددة، إلى جانب تطوير أنظمة الاستيراد والتغويز العائم.
واختتم الخبير حديثه قائلاً: “تعد استعادة ضخ الغاز لمصانع الأسمدة بكامل طاقتها وتزامن ذلك مع عودة الإمدادات الإسرائيلية خطوة محورية تعكس قدرة مصر على إدارة أزمات الطاقة بمرونة وفعالية، وهي أيضًا رسالة طمأنة قوية للمستثمرين والمزارعين والأسواق الدولية، بأن الدولة تتحرك بسرعة وبحسم لضمان استقرار الإنتاج، والتحكم في التضخم، والحفاظ على تنافسية الاقتصاد الوطني في سوق عالمي يتسم بالتقلبات، وبينما تستمر التحديات الإقليمية، فإن هذه الاستجابة تمثل نموذجًا متقدمًا لإدارة المخاطر الطاقية، وتعزيز قدرة الاقتصاد المصري على الصمود والمنافسة.
قد يهمّك أيضًا: شركات تمويل المشروعات الصغيرة في مصر تواجه البنوك بلا غطاء
