اقتصادات عربية

    مصر تخطط لإطلاق وثيقة السياسة التجارية لزيادة الصادرات

    •آخر تحديث •6 دقائق
    مصر تخطط لإطلاق وثيقة السياسة التجارية لزيادة الصادرات

    تخطط الحكومة المصرية لإطلاق وثيقة السياسة التجارية الوطنية، التي تُعد خطوة استراتيجية لتعزيز تكامل الاستثمار والتصدير، عبر تحديد القطاعات ذات الأولوية، وفتح الأسواق الدولية أمام المنتجات الوطنية، وتعزيز التنسيق بين مؤسسات الدولة ومجتمع الأعمال.

    الوثيقة تستهدف رفع الصادرات إلى 145 مليار دولار بحلول 2030، من خلال دعم الصناعات ذات القيمة المضافة العالية، وتعميق التصنيع المحلي لتقليل الاعتماد على الواردات، وربط الاستثمار بالتجارة الخارجية في منظومة مؤسسية متكاملة.

    خفض سعر الفائدة.. رسالة ثقة موجهة للمستثمرين

    قالت الدكتورة مروى خضر، الخبيرة الاقتصادية، إن الاقتصاد المصري يعيش اليوم مرحلة تحول نوعي تتسم بتحديات دولية من جهة، وبقرارات إصلاحية جريئة من جهة أخرى، تؤكد أن الدولة ماضية بخطى مدروسة نحو تحقيق التوازن بين الاستقرار النقدي والنمو الحقيقي. وأوضحت أن قرار خفض سعر الفائدة الأخير يمثل رسالة ثقة موجهة للمستثمرين المحليين والأجانب بأن مصر تعمل على تحفيز بيئة الأعمال ودعم الاستثمار والإنتاج، كما يعكس قناعة الدولة بأن النمو لا يتحقق إلا من خلال تشجيع القطاع الخاص على التوسع وضخ رؤوس الأموال في الاقتصاد الحقيقي.

    وأشارت خضر إلى أن القرار جاء في توقيت بالغ الأهمية، في ظل موجة تباطؤ اقتصادي عالمية وانخفاض معدلات الفائدة في الولايات المتحدة وعدد من الاقتصادات الكبرى، ما أتاح للبنك المركزي المصري أن يتحرك بمرونة متناسقة مع الاتجاه العالمي نحو التيسير النقدي. وأضافت أن خفض الفائدة لا يعني فقط تقليل تكلفة التمويل، بل هو رسالة استقرار نقدي، خصوصًا بعد فترة شهدت فيها الأسواق المحلية تحسنًا في مؤشرات الاحتياطي النقدي واستقرارًا في سعر الصرف، ما منح صانع القرار ثقة في اتخاذ خطوة خفض الفائدة بشكل محسوب دون التأثير على معدلات التضخم.

    اقرأ المزيد حول: خفض الفائدة في مصر.. لماذا اتخذ البنك المركزي القرار الآن؟ 

    ضرورة خفض تكلفة الاقتراض

    أوضحت خضر أن قرار خفض الفائدة يُعد بداية لدورة اقتصادية جديدة هدفها تحفيز الإنتاج وتشجيع الاقتراض المنتج وليس الاستهلاكي، فالمستثمر الذي كان يتردد في التوسع بسبب ارتفاع تكلفة التمويل أصبح أمام فرصة حقيقية لفتح خطوط إنتاج جديدة وزيادة الصادرات، كما أن الصناعات الصغيرة والمتوسطة ستجد في القرار متنفسًا يتيح لها النمو وخلق فرص عمل جديدة. وأكدت أن خفض تكلفة الاقتراض يسهم في تقليل أسعار السلع والخدمات تدريجيًا، بشرط تنفيذ السياسات المكملة مثل ضبط الأسواق وتفعيل آليات المنافسة، حتى يشعر المواطن بانعكاس القرار على حياته اليومية، سواء من حيث الأسعار أو فرص التوظيف.

    وأضافت أن أهمية القرار لا تقتصر على الجانب الاستثماري، بل تمتد إلى مستوى المالية العامة للدولة، إذ إن خفض الفائدة يعني أيضًا خفض تكلفة خدمة الدين العام، وهو ما يخفف الضغط على الموازنة العامة ويفتح الباب أمام توجيه موارد أكبر للاستثمار في البنية التحتية والخدمات العامة. وأكدت أن هذه الخطوة تمثل انتقالًا من سياسة الانكماش إلى سياسة النمو المستدام، وتعكس رؤية واضحة للبنك المركزي في تحقيق التوازن بين مكافحة التضخم وتحفيز النشاط الاقتصادي.

    أهمية وثيقة السياسة التجارية لمصر

    في سياق موازٍ، أشادت خضر بجهود وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية في إعداد وثيقة السياسة التجارية لمصر، واعتبرتها خطوة استراتيجية كبرى نحو بناء اقتصاد منتج وتنافسي قادر على الاندماج في الأسواق الدولية. وقالت إن هذه الوثيقة ليست مجرد خطة بيروقراطية، بل وثيقة تنفيذية حقيقية تستهدف تحديد أولويات مصر في التجارة الخارجية وتوجيه الاستثمارات نحو القطاعات ذات القيمة المضافة العالية.

    وأضافت أن الوثيقة تهدف إلى رفع الصادرات المصرية إلى 145 مليار دولار بحلول عام 2030، من خلال دعم القطاعات الإنتاجية القادرة على التصدير مثل الصناعات الهندسية والغذائية والملابس الجاهزة، وتعميق التصنيع المحلي لتقليل الاعتماد على الواردات.

    وأكدت أن الوثيقة تمثل نموذجًا للتعاون بين الحكومة ومجتمع الأعمال، إذ يشارك في إعدادها ممثلو الغرف التجارية والمجالس التصديرية واتحاد الصناعات، حتى تعكس السياسات الاقتصادية واقع السوق واحتياجات المصدرين. واعتبرت أن إشراك القطاع الخاص في صياغة الرؤية الاقتصادية هو الضمان الحقيقي لأن تكون الوثيقة قابلة للتطبيق ومبنية على أسس واقعية، مضيفة أن الدولة بهذه الخطوة تضع حجر الأساس لما يمكن وصفه بـ«اقتصاد المشاركة» الذي يعتمد على تكامل الرؤية بين صانع القرار والمستثمر والمُنتِج.

    قد يهمّك أيضًا: قراءة في اجتماع السيسي والحكومة لمتابعة مؤشرات الاقتصاد المصري

    الدمج المؤسسي بين ملفي الاستثمار والتجارة الخارجية

    أوضحت خضر أن الدمج المؤسسي بين ملفي الاستثمار والتجارة الخارجية تحت مظلة واحدة يعكس وعي الدولة بأهمية ربط الاستثمار بالإنتاج الموجّه للتصدير؛ فالهدف لم يعد مجرد جذب استثمارات داخلية، بل جذب استثمارات قادرة على التصدير والمنافسة عالميًا.

    وهذا ما بدأت ملامحه تظهر في تدفق الشركات العالمية التي اختارت مصر مركزًا صناعيًا لتوريد منتجاتها إلى الأسواق الإقليمية، خاصة في قطاعات الإلكترونيات والملابس الجاهزة ومكونات السيارات. وأشارت إلى أن هذا الاتجاه يدعم دخول مصر بشكل أوسع في سلاسل الإمداد العالمية، وهو عنصر جوهري في استراتيجية التنمية الاقتصادية الحديثة.

    خفض العجز في الميزان التجاري

    بيّنت الخبيرة الاقتصادية أن أحد محاور الوثيقة هو خفض العجز في الميزان التجاري عبر التوسع في الإنتاج المحلي للسلع الوسيطة والرأسمالية التي كانت تستنزف جزءًا كبيرًا من النقد الأجنبي، مؤكدة أن إحلال الواردات لا يعني الانعزال عن الأسواق، بل تعزيز قدرة المنتج المحلي على المنافسة. وأضافت أن الدولة بدأت بالفعل في طرح فرص استثمارية جديدة في قطاعات تحتاجها السوق المحلية، بهدف تحقيق التوازن بين تلبية الطلب الداخلي وفتح مجالات للتصدير الخارجي.

    وتابعت الدكتورة خضر أن مصر تتجه أيضًا إلى توسيع المناطق الحرة والمناطق الاقتصادية الخاصة، بما يسهل على المستثمرين الإنتاج والتصدير دون عوائق بيروقراطية، مشيرة إلى أن هذه المناطق تمثل مفاتيح الاندماج في الاقتصاد العالمي، خاصة بعد الأزمات التي عصفت بسلاسل الإمداد الدولية في أعقاب جائحة كورونا. وأوضحت أن وجود مصانع دولية تعمل داخل مصر لتوريد مكونات إلى شركات عالمية أخرى يعزز مكانة مصر كمركز صناعي ولوجستي في المنطقة، ويؤكد قدرتها على أن تكون حلقة رئيسية في سلاسل القيمة العالمية.

    أهمية استقرار سعر الصرف

    أشارت خضر إلى أن الوثيقة الجديدة تتبنى رؤية انتقائية ذكية، ترتكز على معيارين أساسيين: الأول هو قدرة الاقتصاد المحلي على الإنتاج والتوسع في قطاع معين بكفاءة وجودة، والثاني هو وجود طلب خارجي محتمل في أسواق تمتلك مصر فيها اتفاقات تجارية أو مزايا تنافسية. وأكدت أن القطاعات التي تحقق قيمة مضافة عالية وتدخل عملة صعبة دون أن تستهلك موارد استيرادية كبيرة يجب أن تكون في صدارة أولويات الدولة خلال المرحلة المقبلة، لأنها تمثل حجر الأساس لتحقيق النمو الحقيقي المستدام.

    وأضافت أن استقرار سعر الصرف يمثل عنصرًا محوريًا في جذب الاستثمار، فالمستثمر لا يبحث عن عملة قوية بقدر ما يبحث عن عملة مستقرة يمكن التنبؤ بمسارها. وأوضحت أن استقرار الجنيه المصري خلال الفترة الماضية يمنح ثقة للمستثمرين المحليين والأجانب، ويُعد عامل جذب رئيسي لأي خطة لتوسيع الصادرات أو إنشاء مصانع جديدة.

    وفي ختام تصريحاتها، أكدت الدكتورة مروى خضر أن خفض سعر الفائدة ووثيقة السياسة التجارية يمثلان ركيزتين متكاملتين في مسار الإصلاح الاقتصادي المصري؛ الأولى تحفز بيئة الاستثمار والإنتاج، وتمنح القطاع الخاص قدرة على النمو والتوسع، والثانية تضع خريطة استراتيجية واضحة لربط الاستثمار بالتجارة وتحقيق طفرة في الصادرات. وأضافت أن التكامل بين السياسات النقدية والمالية والصناعية هو الطريق الأمثل لبناء اقتصاد قوي متنوع، يحقق الاستقرار النقدي ويخلق فرص عمل حقيقية للمواطنين.

    واختتمت بقولها: “مصر تمتلك اليوم مقومات التحول إلى مركز إنتاجي وتجاري إقليمي، لكنها تحتاج إلى تنفيذ منضبط واستمرارية في الرؤية، حتى تتحول القرارات الجريئة إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في الأسعار والدخل والاستقرار، ويقرأها المستثمر في وضوح السياسات وجدواها الاقتصادية”.

    قد يهمّك أيضًا: صندوق النقد الدولي يتنصل من مسؤولية رفع أسعار الوقود