يقف المصريون على أعتاب موجة جديدة من ارتفاع الأسعار مع اقتراب شهر أكتوبر، حيث تستعد الحكومة لإقرار زيادة مرتقبة في أسعار الوقود ضمن خطتها للتحرير التدريجي لأسعار الطاقة، وبينما تؤكد التصريحات الرسمية أنَّ هذه الزيادة قد تكون الأخيرة قبل تطبيق آلية التسعير التلقائي وربط الأسعار بالسوق العالمية، يترقب المواطنون انعكاساتها المباشرة على تكاليف المعيشة وأسعار النقل والكهرباء والسلع الأساسية، في لحظة مفصلية تجمع بين ضرورات الإصلاح الاقتصادي ومخاوف الشارع من أعباء إضافية تثقل كاهله.
وأكد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي أن الزيادة المرتقبة في أسعار الوقود خلال شهر أكتوبر المقبل قد تكون الزيادة الحقيقية الأخيرة، مشيرًا إلى أن الحكومة ستستمر في تقديم الدعم لسعر السولار بعد هذه الزيادة، على أن يتم بعد ذلك تطبيق آلية التسعير التلقائي للوقود استنادًا إلى أسعار السوق العالمية، وبالأخص أسعار خام برنت وسعر صرف الدولار، وأوضح أنَّ الحكومة كانت قد التزمت بتأجيل قرار زيادة أسعار الوقود لمدة ستة أشهر، في إطار مراعاة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين، وهو ما نقلته وسائل إعلام محلية.
وتترقب السوق المصرية ما ستسفر عنه اجتماعات لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية في نهاية سبتمبر الجاري، والتي ستُحدد أسعار البنزين والسولار وأسطوانات البوتاجاز للفترة الممتدة لثلاثة أشهر خلال الربع الأخير من عام 2025، وتُشير التوقُّعات إلى أن الزيادة الجديدة قد لا تتجاوز 10%، باعتبارها خطوة أخيرة قبل التحرير الكامل للأسعار.
وتزامنًا مع هذه المستجدات، توصلت وزارة البترول المصرية إلى اتفاق مع عدد من مصافي التكرير يقضي بزيادة إنتاج الوقود بنسبة 13%، في خطوة تهدف إلى تعزيز المعروض وتقليص الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، ورغم تقليص مخصصات الدعم فإنَّ الدولة لا تزال تتحرك نحو إعادة هيكلة تدريجية للأسعار.
انخفاض قيمة دعم الوقود
البيانات الرسمية للموازنة العامة لعام 2025-2026 كشفت عن انخفاض كبير في قيمة دعم الوقود ليصل إلى 75 مليار جنيه فقط، مقارنة بـ 154.5 مليار جنيه في العام المالي السابق، وهو ما يعكس توجه الدولة نحو خفض فاتورة الدعم وتوجيه الموارد إلى مجالات أخرى.
وتستند آلية التسعير التلقائي في مصر إلى معادلة تأخذ في الاعتبار متوسط التغير في سعر خام برنت عالميًا من ربع مالي إلى آخر، إضافة إلى تغيرات سعر صرف الجنيه أمام الدولار خلال الفترة نفسها، فضلاً عن التكاليف المحلية المرتبطة بالنقل والتكرير والتوزيع.
وكانت لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية قد أعلنت في 11 أبريل 2025 عن زيادة أسعار مختلف أنواع الوقود، حيث ارتفع سعر لتر بنزين 95 من 17 جنيهًا إلى 19 جنيهًا، وبنزين 92 من 15.25 جنيهًا إلى 17.25 جنيهًا، بينما زاد سعر بنزين 80 من 13.75 جنيهًا إلى 15.75 جنيهًا، كما ارتفع سعر السولار من 13.50 جنيهًا إلى 15.50 جنيهًا للتر، وشملت الزيادات أيضًا أسعار المازوت والبوتاجاز.
ملف الطاقة في مصر
شدّد رئيس الوزراء على أنَّ مصر تسعى إلى تنويع مصادرها وعدم الاعتماد على الغاز الطبيعي بشكل شبه كامل، إذ يشكل الغاز نحو 60% من إجمالي مصادر توليد الكهرباء في البلاد، وأوضح أن الدولة تخطط للتوسع بوتيرة متسارعة في إدخال الطاقات المتجددة ضمن مزيج الطاقة الوطني خلال الفترة المقبلة، حيث تصل نسبة الطاقة المتجددة حاليًا إلى متوسط 22%؛ تشمل الطاقة المائية من السد العالي والقناطر إلى جانب الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وأكَّد أنَّ المستهدف هو الوصول إلى 42% بحلول عام 2030.
فيما يخص مستحقات الشركاء الأجانب في قطاع البترول، فقد كشف مدبولي أنها انخفضت إلى النصف خلال الفترة الماضية، مشيرًا إلى أن الحكومة تستهدف تقليصها بشكل أكبر مع نهاية العام الجاري. وأوضح أن انتظام سداد هذه المستحقات ساهم في تعزيز الثقة، مما شجع العديد من الشركات العالمية على تكثيف عمليات البحث والاستكشاف داخل مصر، الأمر الذي انعكس في الإعلان عن اكتشافات جديدة تسهم في تقليص فاتورة الاستيراد وتعزيز أمن الطاقة.
استقرار أسعار الوقود على مدار 5 أشهر
من جانبه، قال الدكتور مدحت يوسف، خبير أسواق النفط، إنَّ لجنة تسعير المواد البترولية في مصر تقوم بمراجعة الأسعار وتحديدها مرة كل ثلاثة أشهر وفقًا للآلية المعمول بها، وأوضح أن آخر زيادة أُقرت على أسعار الوقود تجاوزت نسبة 10٪، الأمر الذي دفع الحكومة إلى اتخاذ قرار بتأجيل الزيادة التالية وجعلها بعد ستة أشهر بدلًا من ثلاثة أشهر فقط.
وأضاف أنَّ أسعار البنزين والسولار لم تشهد أي تحريك منذ الحادي عشر من أبريل الماضي، ما يعني أنها ظلت مستقرة على مدار الأشهر الخمسة الأخيرة، وأشار إلى أن الزيادة المنتظر تطبيقها في شهر أكتوبر المقبل قد تكون الأخيرة، مستندًا في ذلك إلى ما أعلنه رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي.
وشدَّد الخبير على أن الحكومة ستظل تقدم دعمًا للمواد البترولية، مبينًا أن الزيادة الجديدة لا تعني بأي حال من الأحوال رفع الدعم بشكل كامل، وإنما تأتي في إطار آلية الإصلاح التدريجي. كما أشار إلى أن الحكومة قررت أيضًا تأجيل تطبيق زيادة أسعار الكهرباء إلى أجل غير مسمى، لافتًا إلى أن أسعار الكهرباء ترتبط بشكل مباشر بالمواد البترولية نظرًا لأن توليد الكهرباء يعتمد بشكل كبير على الوقود البترولي، وأوضح أن أي زيادة في أسعار الوقود ستنعكس بالضرورة على تسعيرة الكهرباء، وهو ما يعني أنه عقب رفع أسعار المواد البترولية ستكون هناك تسعيرة جديدة للكهرباء.
وفي نفس السياق، قال الدكتور هاني حافظ، الخبير المصرفي والاقتصادي، إن الزيادة المرتقبة في أسعار البنزين خلال أكتوبر المقبل تأتي في إطار التزامات الحكومة المصرية باتفاقيات الإصلاح الاقتصادي الموقعة مع صندوق النقد الدولي، والتي تنص على تحرير أسعار المحروقات بشكل تدريجي على مراحل، بمعدل جولة كل ستة أشهر، مشيرًا إلى أن الجولة المقبلة في أكتوبر قد تكون الأخيرة وفق ما أعلنه رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي.
دعم جزئي حتى بعد الزيادة المقبلة
أوضح حافظ أن ربط الزيادة الجديدة بانخفاض سعر الدولار أمام الجنيه ليس مطروحًا في هذه المرحلة، إذ إن الحكومة لم تربط أسعار البنزين حتى الآن بالسعر العالمي للبترول أو سعر صرف الدولار بصورة مباشرة، بل ركزت على تقليص الدعم المقدم للمحروقات، مع الإبقاء على جزء من الدعم يتحمله المواطن بشكل غير مباشر، وأضاف أن هذا النهج يتوافق مع ما صرح به رئيس الوزراء مؤخرًا حول استمرار وجود دعم جزئي حتى بعد الزيادة المقبلة.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن لجنة تسعير المواد البترولية، التي تنعقد كل ثلاثة أشهر، هي الجهة المسؤولة عن مراجعة الأسعار، لافتًا إلى أن المواطنين كانوا يتوقعون من اللجنة أن تثبت الأسعار أو حتى تخفضها، إلا أنها التزمت في معظم قراراتها بالزيادة التدريجية وفق خطة الإصلاح، وأكد أن تكلفة لتر البنزين عالميًا تصل إلى نحو نصف دولار، أي ما يعادل 25 جنيهًا تقريبًا، ما يعني أن الحكومة ما زالت تقدم دعمًا على أسعار الوقود داخل السوق المحلي.
وبشأن ما إذا كانت زيادة أكتوبر تعني رفع الدعم بشكل كامل، أوضح حافظ أن الاتفاق مع صندوق النقد الدولي يقضي بتحرير أسعار الوقود بالكامل بحلول هذه المرحلة، بحيث تصبح الأسعار خاضعة لقوى العرض والطلب وفق السعر الفعلي في السوق، وهو ما يمثل نهاية مرحلة الدعم المباشر للمحروقات.
الإصلاح الاقتصادي وعلاقة مصر بصندوق النقد الدولي
تطرَّق الدكتور هاني حافظ إلى العلاقة مع صندوق النقد الدولي، مؤكدًا أن الصندوق لا يقوم بعملية التنمية داخل الدول، بل يمنح شهادة اعتماد دولية على أن الاقتصاد الوطني يسير في المسار الصحيح وقادر على الاندماج في الاقتصاد العالمي، وأوضح أن مصر لجأت إلى الصندوق منذ عام 2016 للحصول على قروض، وفي المقابل التزمت بتنفيذ مجموعة من الإصلاحات الاقتصادية التي تستهدف إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني.
وبيّن أن هذه الإصلاحات تقوم على عدة ركائز؛ أبرزها تعزيز الاستثمار، تشجيع الإنتاج المحلي، وتوطين الصناعة، مؤكدًا أن التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري ترتبط بجانب العرض والإنتاج أكثر من ارتباطها بالسياسات النقدية فقط، وقال إن الحل يكمن في دفع عجلة التشغيل والإنتاج بشكل كامل، بما يضمن استغلال جميع الطاقات المتاحة داخل الدولة من مصانع وموارد بشرية وأصول إنتاجية.
وقد أوضح حافظ أن المطلوب في المرحلة المقبلة ليس مجرد تبني سياسات لجذب الاستثمار، بل تعميق الأداء الاقتصادي من الداخل، عبر خلق فرص عمل واسعة، وتحفيز العمالة، وبناء فرق عمل قادرة على المنافسة، وجذب صناعات ذات قيمة مضافة عالية. وأضاف أن فتح أسواق جديدة وزيادة الصادرات يمثلان شرطًا أساسيًا لتعزيز قيمة الجنيه المصري، إذ لا يمكن الحفاظ على سعر صرف قوي إلا بزيادة موارد الدولة من النقد الأجنبي.
وأكَّد أن رفع قيمة الجنيه يتطلب العمل على عدة مسارات متوازية، منها تنشيط السياحة، وزيادة الصادرات الصناعية والزراعية، وتشجيع تحويلات المصريين في الخارج، فضلًا عن استعادة معدلات إيرادات قناة السويس، وكلها مصادر أساسية تدعم ميزان المدفوعات وتقلص الفجوة بين الصادرات والواردات.
سعر الجنيه المصري وتوازن السوق
حول ما يتردد بشأن أن قيمة الجنيه أقل من قيمته الحقيقية، أوضح الخبير الاقتصادي أن هذا الكلام لا يمكن تبنيه إلا إذا صدر عن مؤسسات أكاديمية أو عن البنك المركزي نفسه، لافتًا إلى أن السعر التوازني هو ما يعلنه البنك المركزي يوميًا باعتباره يعكس الوضع الحقيقي في السوق. وأشار إلى أن أي سعر غير واقعي سيؤدي إلى اختلال في الصادرات أو الواردات، وهو ما لا يمكن أن يسمح به البنك المركزي.
واختتم الدكتور هاني حافظ تصريحاته بالتأكيد على أن الإصلاح الاقتصادي في مصر قضية إنتاج وتشغيل في الأساس، وليست قضية مالية أو نقدية فقط، مشددًا على أن زيادة الإنتاج وتوليد القيمة المضافة هو الطريق الوحيد لتعزيز استقرار العملة وتحقيق نمو مستدام في الاقتصاد الوطني.
قد يهمّك أيضًا: قراءة في اجتماع السيسي والحكومة لمتابعة مؤشرات الاقتصاد المصري
